مقالات الرقصة الجديدة: بيئةٌ سياسيّةٌ “سِلْمِيّةٌ” للحرب السورية

جهاد الزين

لا ألتقي اسماً من أسماء المعارضة المدنية السورية إلا ويردِّد، إن لم يكن حرفياً فبالمعنى نفسه، أن “سوريا أفلتت من أيدي السوريّين”. لكن المشكلة أن هؤلاء المعارضين لا ينطقون بالجزء الآخر من الجملة المفترَض أن تكون الاستنتاج التلقائي المنطقي لواقع “إفلات سوريا من أيدي السوريين”. ما هي هذه الجملة؟

الجملة التالية الغائبة التي لا يقولها المعارضون المدنيون ولا يريدون قولها إراديا حتى الآن هي: بسبب هذا الإفلات يجب وقف الحرب في سوريا بأي ثمن.
ماذا ينتظرون لـ”بق البحصة” التي يبدو أنها “صخرة” دولية وإقليمية من جهة، وربما ثأرية من جهة أخرى؟ لا أعرف. لكن الذي أعرفه أن بإمكان مثقفين كبارٍ بين هؤلاء المعارضين أفسد عنفُ النظام حيواتهم قبل أحداث 2011 في السجون أو المنافي أن يطْلِقوا صيحة شجاعة، شجاعة كماضيهم البعيد المعارض وماضيهم القريب المؤيّد للثورة في بدايتها وليس كحاضرهم الذي بات مصادَرا بقوى إقليمية ودولية ويجعل بعضهم أقرب إلى سياسيين محترفين… بإمكانهم أن يُعلِنوا معاً أن الثورة انتهت في سوريا، ليس فقط لأنها أصبحت حربا أهلية وتعسكرت، بل لأنها أيضا فقدت فرصة تغيير داخلي مستقل يليق بانطلاقتها الشبابية عام 2011 وتحوّلت إلى كارثة تدميرية كبرى تاريخية، تبعاتُها الوجوديةُ تتضاءل أمامها مسألةُ النظام السياسي الاستبدادي؟
يبدو أنه لا زال من الصعب علينا أن نتخيّل إمكان وكيفية نهاية أو بدء نهاية هذه الحرب بعد كل الضراوة التدميرية والإقصائية التي شهدَتْها. ومع أنني لم أقل ولا يجوز أن أقول “بدء نهاية الحرب” وإنما “بدء رقصة نهاية الحرب”، وهو عنوان مقالي السابق المشار إليه في الهامش■، يمكن تفهُّمُ وجهةِ نظر المنتقدين الجادين لتلك المقالة.
المقصود أن البيئة السياسية للحرب السورية باتت مختلفة بعد الاتفاق الإيراني الأميركي حتى في ظل استمرار المواجهات بل حتى في ظل تصاعدها أحياناً. والمفارقة هنا أن الدخول العسكري الروسي الجديد الى سوريا هو نتيجة للاتفاق الأميركي الإيراني وليس العكس رغم أن لاعب دولي كبير وأكبر من إيران حتى كقوة “صاعدة” إقليمية. هذا طبعا لا يجب أن يُفهم أنه بدء صراع إيراني روسي على سوريا وهي الفكرة السخيفة التي راجت مؤخراً. العكس الكامل صحيح. في تفاهم مطلق على الوضع في سوريا مع إيران منذ بدأت الأحداث قبل أربع سنوات ونيف ولكن أوساطا في لا تريد أن تصدّق ذلك فأوقعت نفسها في خطأ حسابات استراتيجي هو أحد أسباب انهيار الثورة وتحوّلها بين عنف النظام والعسكرة الخارجية إلى حرب أهلية دمرت وتدمر سوريا ولم تُسقِط النظامَ الذي فات الأوان على سقوطه العسكري بانتظار نضوج التسوية الطويلة الأمد حول الصيغة الداخلية لسوريا دولةً وطوائف.
في أواخر صيف عام 1982 تحقّق الهدف الدولي من الحرب اللبنانية وهو إخراج البنية العسكرية والسياسية الأساسية لمنظمة التحرير الفلسطينية من الذي كان السبب الأساسي لهذا الاندلاع. لكن ترتيب الحل الداخلي استغرق سبع سنوات أخرى حتى اتفاق الطائف بتفويض أميركي للنظام السوري.
يمكن أن يكون الاتفاق الأميركي الإيراني بالنسبة لسوريا (وغيرها) ما كانه خروج منظمة التحرير الفلسطينية عام 1982 بالنسبة للبنان. ربما شهد لبنان بعض أسوأ أيامه بعد هذا الخروج. ما المانع – على طريق البحث الجاد عن حل – أن تشهد سوريا الأمر نفسه؟ للانتباه: نحن نتكلّم هنا عن نوع من “الخروج” السياسي الأميركي!
الآن يتقدّم الروس علنا وبقوة إلى مناطق النظام في العاصمة ومعظم خط اللاذقية. وتُجري واشنطن معهم “محادثاتٍ عسكريةً” تقول جوليان سميث النائبة السابقة لمستشار الأمن القومي لدى نائب الرئيس الأميركي الحالي جو بايدن أنها يجب أن تهدف إلى “احتواء الحرب” وهذا مصطلح يبدو مؤاتياً جداً لوصف البيئة السياسية الجديدة للأزمة.
مصر ولو في ظل تنسيق دقيق مع السعودية رفعت مستوى اللقاءات مع ممثلي الذي باتت تربطها به مصالح أمنية استراتيجية ضد الإرهاب التكفيري. قلتُ لديبلوماسي مصري مؤخَّرا إنها علاقات لا تزال تحت الطاولة، أجاب لقد أصبحت فوق الطاولة.
الوضع الداخلي والمصالح الاقتصادية مع إيران وروسيا يضبطان اندفاعة الرئيس رجب طيِّب أردوغان المقبل على انتخابات ثانية إن فاز بها ستكون موضع تشكيك بل ناقصة الشرعية لأنه جرّ تركيا إليها جرا وعبر حرب ضارية مع الأكراد، وإن خسرها ستكون نهايتَه السياسية التي بدأت أصلاً. من الآن وقبل أكثر من شهر على موعد الانتخابات الجديدة بدأت الصحافة التركية بنشر أسماء العديد من المناطق الكردية التي لن تكون قادرة على استقبال صناديق اقتراع بل على ناخبيها الانتقال إلى مناطق أخرى. لكن لا شك أن حصة الدور المقبل في المنطقة وحدوده هي الآن موضع بحث مع صديقَيْ تركيا الاقتصاديّين روسيا وإيران وخصمَيْها “السوريّيْن” في الوقت نفسه.
أزمة الأوروبيين نبّهت إلى خطر استمرار انهيار دول “ملاصقة” لأوروبا بحراً وقريبة جدا برّاً ومن المفترض إذا استمر الانهيار أن يتحوّل إلى فخ لأوروبا، الولايات المتحدة بعيدة عنه. صارت زيارة أعلى المسؤولين الأوروبيين لبيروت كبلد استضافة كثيفة للاجئين متكررة، ولا شك أن ذلك مرتبط بالحاجة إلى تقييم جديد لمستقبل الأزمة السورية من زاوية تدفّق اللاجئين حتى أن بعض المعلومات منذ بضعة أشهر تتحدّث عن اهتمام أمني منهجي من دول أوروبية كبيرة بأوضاع مخيمات . من هذه الزاوية اللجوء السوري في لبنان والأردن وتركيا هو اليوم جزءٌ من الأمن الأوروبي المباشر.
حتى أشدُّ المواقفِ الأوروبية وهو الموقف الفرنسي بات يفتح بين سطوره احتمالات تسووية مع النظام السوري، وهي في الواقع تسووية مع إيران، ومرنة مع التحوّل الأميركي ولو كانت الديبلوماسية الفرنسية لا تزال تجد صعوبة في هذا التغيير في الأهداف. ولنلاحِظْ أن التصريحات الرسمية الفرنسية باتت تُصوِّب على مواجهة “داعش” دون تركيز على النظام حتى لو أن استعادة شعار “لا حل مع بشار الأسد” أصبحت “لا حل دائم مع بشار الأسد” وكل من الشعارَين يفتح على احتمالات مختلفة.
تنبغي مراقبةُ حركة الرساميل الجديدة التي سيتيح الاتفاق النووي إطلاقَها من عِقالِها في إيران والمنطقة على أكثر من مستوى وهل أصبح دمار سوريا “ناضجا” لتتحرّك الشركات العملاقة ومشاريعها – الأرجح أنها جاهزة – للبدء مشكورةً بإعادة إعمار سوريا بعد ترتيب التسوية ولو خلال مسار طويل ومعقّد؟
“الرقصة” تدور على هذه الإيقاعات. باختصار: تنتقل سوريا من حرب في بيئة حربية منذ سنواتٍ أربع ونيِّف إلى حرب في بيئة “سلمية” بعد الاتفاق النووي الأميركي الإيراني الذي وقَّعَتْه روسيا والصين أيضا (وبريطانيا وفرنسا وألمانيا).
يجب أن نصدِّق: هناك شرق أوسط جديد. إذا لم نتّفق على هذا الأساس فلن تلتقي تحليلاتنا مطلقاً. وستكون التقديرات ليس فقط مختلفة بل متناقضة أيا يكن مسار هذا الشرق الأوسط الجديد الذي يحتاج لسنوات كي يتضح.
في “رقصة بداية إنهاء الحرب في سوريا” الخطوة الأولى التي يقودها الروس والأميركيون هي “احتواء الحرب” المعقّدة جدا أي وضع سقف لها وليس وقف النار الأوتوماتيكي فيها. هكذا هي الرقصة الحالية الجديدة كلّيا في سوريا (وربما ) في شرق أوسط “دافئ” العلاقة الأميركية الإيرانية. إنه شرق أوسط جديد لا تعلم إلا الآلهة الآن كيف سيتبلور دراماتيكيا وهو آخذٌ في التبلور سريعاً. السرعة هنا تعني ربما ليس أقلَّ من عقد من الآن.
لكنْ دعونا لا ننس أبداً أن الشرط العميق الأول في الشرق الأوسط الجديد هو خروج إيران من الصراع العربي الإسرائيلي. وهذا آخذٌ بالحصول بمعزل عن الثرثرة الديماغوجية.

المصدر: النهار