بوتين يسير وأوباما يراقب

تشارلز كراوثامرأتدري مَن ظهر أخيراً في الكرملين؟ بشار الأسد، الحاكم المستبد والمدمر السوري، الذي أصبح أخيراً حليف فلاديمير بوتين المدلل، فبعد أن أمضى أربع سنوات محتجزاً في دمشق، استُدعي الأسد إلى روسيا كي يجثو أمام بوتين، يُظهر للعالم أن قضايا الشرق الأوسط لا تُحل في واشنطن بل في موسكو، ويُبارك رسمياً استيلاء الأمم الأربع الرسمي على سورية الذي تقوده روسيا راهناً.

هل فهمت إدارة أوباما المذهولة أخيراً ما تخطط له روسيا؟
يقول الرئيس أوباما إن روسيا محكوم عليها بالفشل في المستنقع السوري، لكن روسيا لا تحاول إعادة غزو البلد بالنيابة عن الأسد، بل تعمل على تدعيم بقايا دولة سورية في الـ20% من البلد التي ما زال يسيطر عليها، أي المناطق العلوية الممتدة شمالاً وغرباً من دمشق عبر اللاذقية مروراً بطرطوس، حيث تقع قاعدة روسيا البحرية.
تشكل هذه العملية نوعاً من القسمة، فستترك المناطق الداخلية في الشمال والشرق تحت سيطرة “داعش”، فلمَ يكون محكوماً عليها بالفشل إذاً؟
تبدو استراتيجية بوتين الأشمل واضحة أيضاً، فلا يعيد الرئيس الروسي بناء الإمبراطورية السوفياتية القديمة، فهذه مهمة ضخمة جداً؛ لذلك يعمل على إعادة بناء روسيا وتأكيد قدرتها على ممارسة نفوذها خارج حدودها، فقد أعاد ضم القرم إلى الوطن الأم سيطرته الكاملة على المياه الدافئة في ميناء البحر الأسود، علماً أن هذه مسألة رغبت فيها روسيا منذ عهد بطرس الكبير، كذلك يساهم دعم بقايا الدولة العلوية في حماية قاعدتَي روسيا البحرية والجوية في شرق البحر الأبيض المتوسط. أضف إلى ذلك إطلاق روسيا صواريخ جوالة متقدمة من سفن حربية في بحر قزوين استهدفت بها الثوار على بعد 1450 كيلومتراً، وهكذا تحصل على أضخم عرض للقوة العسكرية الروسية منذ الحرب الباردة.
لا شك أن هذه المسائل غير مهمة بالنسبة إلى أوباما، فقد أعلن في الأمم المتحدة: “في عالم اليوم، ما عادت مقاييس القوة تُحدَّد وفق السيطرة على الأراضي”. وما برهن حقاً إيمانه بهذا الوهم تخليه الكامل عن العراق وعن القواعد الأميركية التي كنا من خلالها نمارس نفوذنا في المنطقة.
وبينما يعوّل أوباما على أن تميل كفة الكون الأخلاقية نحو العدالة فإن بوتين غير مبال، فما إن جف حبر الصفقة النووية مع إيران حتى سافر الجنرال الإيراني قاسم سليماني إلى موسكو (علماً أن هذا شكل انتهاكاً للعقوبات وتغاضينا عنه بكل رحابة صدر) بغية التخطيط للحملة السورية المتعدد الأطراف التي يوجهها راهناً، وتتألف قوته العسكرية الشيعية في هذه الحملة من حرس الثورة الإيراني، والميليشيات الشيعية العراقية، ومقاتلي حزب الله اللبناني، وكلهم يحاربون تحت غطاء سلاح الجو الروسي.
تستهدف هذه الحملة ثواراً لا ينتمون إلى “داعش”، مع أن كثيرين منهم دربته، وجهزته، ودعمته، حسبما يُقال، الولايات المتحدة وائتلاف الأمم الستين الذي يفتخر به أوباما، ويا لها من راحة أن تتعرض لنحو 60 إلى 90 ضربة جوية روسية كل يوم وأنت تعلم أن بلجيكا تقف إلى جانبك!
هدف روسيا المباشر استعادة حلب التي يشكل الجزء الشرقي منها آخر معاقل الثوار في المدن، فلا تقاتل روسيا “داعش”، بل على العكس اعتداءاتها ضد الثوار المعادين للحكومة و”داعش” تسمح بتوسع هذا التنظيم، ليبسط سيطرته على القرى التي يحتلها الثوار في شمال حلب، حتى مع اقتراب قوات هذه الحملة الشيعية من الجنوب.
بالإضافة إلى تقويض أحلام أوباما بشأن إعادة ضبط العلاقات مع روسيا، فكر في الضرر الذي تلحقه هذه الحملة بأحلام أوباما بشأن إيران، وخصوصاً حلم أن تساهم الصفقة النووية في دفع سلوك إيران نحو الاعتدال.
ماذا حدث منذ توقيع الصفقة في شهر يوليو؟ دانت إيران صحافياً أميركياً، رافضةً باحتقار أن تقدّم حتى الحد الأدنى من المبادرات الإنسانية، كذلك أجرت بكل وقاحة تجارب على صاروخ بالستي ذي قدرات نووية وصفته سفيرتنا الخاصة إلى الأمم المتحدة بأنه يشكل انتهاكاً لقرارات مجلس الأمن، وها نحن اليوم نرى قائد حرس الثورة الإيراني السيئ السمعة يتحكم في الجيش الموالي للشيعة الذي يحاول القضاء على حلفائنا المتبقين في الحرب الأهلية السورية.
ماذا كان رد أوباما على كل هذه التطورات؟ لا شيء. فقد غسل يديه من التدخل في المنطقة، التي لا تزال تشكل مركز إنتاج النفط وتجارته في العالم، والتي تُعتبر المنطقة الأكثر تقلباً في العالم، وخصوصاً أنها تعج بالمجاهدين الخطرين الجاهزين للتصدير، وعندما تصف أمراً ما بالمستنقع، تخبر العالم أنك خرجت منه ولن تعود إليه، وهكذا ستنجح روسيا وإيران في تحقيق مرادهما.
سأل برنامج “60 دقيقة” أوباما: أتقلق بشأن التخلي عن القيادة لروسيا؟ فأجاب أوباما باستخفاف: لا يشكل دعم حليف ضعيف قيادة، أنا أقود العالم في مسألة التغيرات المناخية.
عند سماع كلمات مماثلة فإن على كل شخص يضع ثقته بالولايات المتحدة في أي صراع كان أن يبدأ بتوضيب حقائبه والتوجه إلى ألمانيا.

[ad_2]

أخبار سوريا ميكرو سيريا