عمر النعيمي

لم يكن يدور في خلد الشاعر العربي أن المنية شرعت بتأسيس حركة دائمة، تبدأ بالسيف وتنتهي بالكاتم، ولذا انتفت الحاجة للنشوب، لأن الأصل أن الحالة مشرعة لا تحتاج إلى إيقاد جذوة أو تحريك.
العراقي اليوم موزع بين مطرقة الموغلة بدمه بدون حجة أو سبب، وسندان مليشيات تتخذ من الكاتم سلاحا لها، فالحالة الظلامية لم تكن وليدة اليوم، بل هي نتاج ضياع هيبة الدولة أولاً، واستيراد بعض المشكلات من الجوار ثانيا.

ثمة أسئلة لا تنتهي اليوم، ولا نجد لها أجوبة مقنعة: هل داعش صناعة أميركية أو إيرانية أو محلية أم مشتركة؟

منذ البداية، نستبعد من صناعة داعش، لأنهم أساسا لا يحسنون الصنعة، وإنما هم أداة لتنفيذ ما يطلبه الآخر، ما يدفعنا للقول إنها صناعة مشتركة أميركية إيرانية.

ليس بالضرورة أن تكون الصناعة دعما مباشراً أو غير مباشر بالسلاح والمال، إذ قد تكون عبر إيجاد فرص تكوينها، ومن ثم دعوة الطرف العراقي الحكومي للقبول بعودة الأميركان من الشباك، بعد أن خرجوا من الباب، ليكونوا الطرف الأكثر أهمية في تطبيع الوضع بين أميركا وإيران أو تفجيره.

لا يغيب عن فكرنا تاريخ دخول داعش إلى نينوى (10/6/2014) من غير قتال، وانسحاب مبرمج لما يقرب من 35000 عنصر أمني، في ظل حكم رئيس الوزراء السابق، نوري المالكي، المعروف بعلاقات متينة تجمعه بإيران.
احتلال داعش نحو ثلث مساحة يبين لنا أن أن الحواضن الأساسية لداعش لعبت دورا بارزا في نمو التنظيم، فمحافظات كبيرة، مثل نينوى والأنبار التي أذاقتها الحكومة العراقية سوء العذاب جراء جيش طائفي حكمهم بالحديد والنار، جعلت تلك المدن تحضن داعش، وتوفر لهم ما يريدونه ظناً منهم أنهم أقل ضرراً من وممارساته.

الحاضن الثاني لداعش هم البعثيون الذين رفضوا العملية السياسية، جملة وتفصيلاً، تمهيداً لضربها بغية إنهاء الاحتلال، فيما تجلى الحاضن الثالث بالمال والخزينة المفتوحة التي تعطي عطاء من لا يخشى الفقر. الحاضن الرابع والأخير يتجلى بتقصير علماء وأخص بالذكر (السنة) منهم، واستيراد الفتاوى من الخارج، حين تخلى علماء الداخل عن دورهم، فالفتاوى كانت تستبيح دماء الغالبية العظمى من السنة والشيعة، أي ضد كل إنسان يخالف الرأي.

لست ممن يملكون علماً شرعياً، لكني قارئ جيد، أتنقل بين هذا الكتاب أو ذاك، ومما قرأت في صحيح البخاريِّ عن عُمرَ رضي الله عنه، أنَّه قال: “مَن بايع رجلًا عن غير مشورةٍ من المسلمين، فلا يُبايَع هو ولا الذي بايَعَه؛ تغِرَّةَ أن يُقتلَا”. وهذا يعني أنه من التعدّي والإجرام أن يفرض الإنسان نفسه على الأمة الإسلامية من غير مشورتها.

يأتي مجموعة من الناس من حزب معين، أو من جهة أخرى، يقولون: نريد أن نصنع خلافة، وقررنا أن يكون فلان خليفة! مشكلة الأمة أنَّا أجبرنا على حكامٍ لم نرضاهم، والنبي عليه الصلاة والسلام أخبرنا عن الراشدة التي ستعود خلافة على منهاج النبوة، ثم ملكا عضوضاً، ثم حكما جبريا ثم تعود خلافة على منهاج النبوة، فما هو الحكم الجبري الذي تحدث عنه الرسول الكريم؟ هو إنسان أَجبرنا على نفسه وابتلانا بنفسه، وليس نحن الذين ابتليناه بِنَا وقدمناه، وأما فهي اختيار الأمة لخليفتها.

ما ظهر على الساحة، أخيراً، أن مجموعة من الناس لا يمثلون مجموع الأمة هم من يقودون ما يطلقون عليه الخلافة قيادة غير صحيحة، وأذاقوا الناس الويلات، وعلى الرغم من بساطة الفهم، إلا أنه يصب في الرد على داعش وأخواتها، فما بالك لو تصدى رجال العلم لهذا الموضوع، خدمة لدينهم، وحقنا لدماء الشباب.

المصدر: العربي الجديد


أخبار سوريا ميكرو سيريا