10 تراكمات أدت لسحب روسيا لقواتها من سوريا / ابراهيم حميدي – الحياة

تراكم من التفاهمات الأميركية – الروسية من جهة و «الخيبات» السياسية والعسكرية الروسية – السورية من جهة أخرى، وراء مفاجأة الرئيس فلاديمير بوتين سحب «الجزء الأكبر» من القوات الروسية في سورية. لكن الأيام المقبلة ستكشف ما إذا كان قرار الكرملين تكتيكياً أم جوهرياً، خصوصاً وسط بقاء القواعد العسكرية وإمكانية قصف سورية من البحر المتوسط.

ومنذ صباح أول من أمس، بدأ شهود عيان في الساحل السوري يتحدثون عن تحركات غريبة في القاعدة الروسية في اللاذقية وانتقال طائرات إلى حاملات روسية انتشرت في البحر المتوسط، إلى أن أعلن الكرملين مفاجأة سحب القوات، بالسرعة ذاتها التي بدأ بوتين التدخل العسكري في ايلول (سبتمبر) الماضي. وكما حصل بعد قرار الانخراط، أجرى بوتين اتصالين الأول مع الرئيس بشار الأسد والثاني مع الرئيس باراك اوباما. ووفق المعلومات، فإن القرار جاء بعد تراكمات بين دمشق وموسكو، أهمها:

أولاً، في منتصف تشرين الأول (اكتوبر) استقبل بوتين الاسد على عجل في موسكو. ومدار البحث كان ثلاث نقاط:

الأولى، تأكيد روسي لضرورة تحسين الأداء العسكري للجيش السوري، خصوصاً بعد التأخر في تحقيق تقدم ملموس في معارك ريف حماة وسهل الغاب بالرغم من الغطاء الروسي، ذلك باعتبار ان مقاتلي المعارضة حصلوا على صواريخ «تاو» أميركية دمرت عشرات الدبابات والآليات.

الثانية، تأكيد بوتين أن التدخل الروسي يرمي الى إنقاذ النظام ومؤسسات الدولة وخصوصاً الجيش ومنع حصول انهيارات بوقف تقدم فصائل المعارضة وليس إنقاذ أشخاص.

الثالثة، تحسين الموقف التفاوضي للنظام بحيث يدخل في عملية سياسية من موقع أقوى بالتوازي مع الحرب والعمليات العسكرية وأن الهدف ليس الانتصار الساحق.

ثالثاً، في نهاية العام الماضي، انعقدت مؤتمرات «المجموعة الدولية لدعم سورية» بقيادة أميركية – روسية وتم التوصل الى توافقات تضمنت ترك مصير الأسد جانباً والبحث في صوغ المرحلة الانتقالية. وتم تبنى هذه التصورات في ١٨ كانون الأول (ديسمبر) في القرار ٢٢٥٤. ونص على ثلاثة بنود: تشكيل حكم تمثيلي وجامع غير طائفي، دستور جديد، وانتخابات جديدة في غضون ١٨ شهراً. واستطاعت أميركا الدفع نحو تشكيل «الهيئة التفاوضية العليا» بعد مؤتمر موسع للمعارضة في الرياض في كانون الأول والدخول في العملية السياسية من دون شروط مسبقة.

رابعاً، انعقاد جولة جديدة من المفاوضات غير المباشرة في جنيف في نهاية كانون الثاني (يناير) وبداية شباط (فبراير) ثم تعليقها وسط انتقادات من المعارضة بسبب استمرار القصف الروسي وعدم تحقيق تقدم في تنفيذ بنود في القرار ٢٢٥٤ تتعلق بوقف القصف وإدخال مساعدات للمناطق المحاصرة. بعد ذلك، اتجه تركيز الجهد الأميركي – الروسي على موضوعي وقف النار والمساعدات الإنسانية لتوفير شروط استئناف مفاوضات سياسية.

خامساً، في منتصف شباط، قال الأسد ان الحل السياسي لا يمكن أن يتم إلا بعد «استعادة كامل السيطرة على سورية» رافضاً وقف النار، فرد المندوب الروسي في الامم المتحدة فيتالي تشوركين بالقول ان تصريحات الأسد لا تنسجم مع الجهود الروسية لإنهاء الصراع. وكان هذا أول انتقاد روسي علني للأسد. وقال تشوركين لصحيفة «كوميرسانت» الروسية انه إذا اتبع المسؤولون السوريون الخطة الروسية لحل الأزمة فستكون لهم الفرصة للخروج من الصراع في النهاية بـ «كرامة محفوظة»، وقال أن مخالفة هذه الخطة ستجعل النظام في موقف صعب.

سادساً، في ٢٢ شباط، توصل الجانبان الأميركي والروسي الى اتفاق «وقف العمليات القتالية» على أن ينفذ في ٢٧ شباط. وكانت هذه إشارة إضافية لشراكة بين واشنطن وموسكو في الساحة الدولية، الأمر الذي كان يلح عليه بوتين. بعد أقل من ساعة من إعلان الاتفاق، أعلنت وكالة الأنباء السورية الرسمية قرار الأسد تحديد ١٣ نيسان (ابريل) موعداً للانتخابات البرلمانية. بعد ذلك بساعات، أعلنت الخارجية الروسية أن الانتخابات البرلمانية جزء من الخطة الأميركية – الروسية وجزء من بنود القرار ٢٢٥٤.

سابعاً، القاعدة العسكرية في اللاذقية تحولت الأسبوع الماضي الى مقر لاستقبال معارضين سوريين مقبولين من دمشق. كما تردد بأن قائداً عسكرياً روسياً سعى للاجتماع بوزير المصالحة السوري علي حيدر، وسط إشارات الى عدم ارتياح رسمي لهذه الخطوات، أضيف الى عدم ارتياح دمشق لحديث مسؤولين روس عن فيديرالية في سورية.

ثامناً، في ١١ آذار (مارس) أعلن المبعوث الدولي ستيفان دي ميستورا أن مفاوضات جنيف ترمي الى بحث قضايا جوهرية وتنفيذ القرار ٢٢٥٤، لتشكيل «حكم تمثلي غير طائفي وصوغ دستور جديد وإجراء انتخابات برلمانية ورئاسية جديدة خلال ١٨ شهراً». وأبلغ بوتين قادة بريطانيا وألمانيا وفرنسا تمسكه بـ «العملية الانتقالية» في سورية وتنفيذ القرار ٢٢٥٤. وفي اليوم التالي، أعلن وزير الخارجية وليد المعلم ان الاسد «خط أحمر». ثم أعلن رئيس الوفد الحكومي بشار الجعفري رفض بحث أي «مرحلة انتقالية»، ذلك ضمن نية دمشق «إعطاء دي ميستورا درساً لن ينساه».

تاسعاً، في الأيام الماضية، معلومات عن لقاءات واتصالات سياسية وعسكرية رفيعة المستوى، تضمنت حديثاً روسياً عن عدم الارتياح لعدم التقدم العسكري الملموس بما يوازي حجم الانخراط الروسي، إضافة الى عدم الارتياح من التصريحات الرسمية الأخيرة «لأنها تتناقض مع التفاهمات الروسية – الأميركية». وأكدت وزارة الدفاع الروسية ان صاروخ أرض – جو أسقط قاذفة سورية في ريف حماة قبل ايام.

عاشراً، إعلان بوتين سحب «الجزء الأكبر» من القوات لممارسة الضغوط على دمشق بالتزامن مع بدء مفاوضات جنيف، الأمر الذي ضمن سياق تراكم الخيبات للعارفين، لكنه جاء كالصاعقة على معسكر موالي النظام والوفد الحكومي في مفاوضات جنيف، ما استدعى توضيحات من وسائل إعلام رسمية ومن الرئاسة السورية التي كتبت على «فايسبوك» امس: «وردتنا استفسارات وأسئلة عديدة منذ إعلان الاتصال بين الأسد وبوتين حول ما تم الإعلان عنه وروجت بعض وسائل الإعلام الشريكة بسفك الدم السوري وبعض مواقع التواصل الاجتماعي والإنترنت لمجموعة من الروايات والتفسيرات والتكهنات الغريبة والبعيدة كل البعد عن الواقع والحقيقة، جلها تحدث عن أن ما حصل يعكس خلافاً سورياً – روسياً أدى إلى قرار خفض القوات أو أنه تخل روسي عن مكافحة الإرهاب في سورية»، لافتاً الى انه حصل بـ «التنسيق الكامل، وهو خطوة تمت دراستها بعناية ودقة منذ فترة». كما أعلنت قيادة الجيش «استمرار العمليات القتالية بكل حزم وإصرار ضد التنظيمات الإرهابية وذلك بالتعاون والتنسيق مع الأصدقاء والحلفاء، حتى إعادة الأمن والاستقرار لجميع الأراضي السورية».

في المقابل، رفع قرار بوتين معنويات المعارضين. وعُقد أمس اجتماع في انقرة لقادة الفصائل المقاتلة للبحث في تشكيل مجلس عسكري مشترك، وسط «تفاؤل حذر» بضرورة انتظار وقائع ميدانية لمعرفة ما اذا كان القرار الروسي تكتيكياً أم جدياً او ما إذا كان بوتين سيطلب في المقابل من اوباما الضغط على حلفاء المعارضة الوقف الكامل لدعمها مع استمراره في الحفاظ على القدرة العسكرية لشن غارات والقصف بصواريخ طويلة المدى على مناطق المعارضة.

وقال أحد المعارضين: «التخوف أنه بعدما قام بوتين بهذا التنازل التكتيكي أن يكون الثمن على المعارضة ان تتنازل أكثر وتقبل بحكومة وحدة وطنية بدل هيئة حكم انتقالي أو ان تقبل بالفيديرالية وفق التصور الروسي»، إضافة الى ان «بقاء القاعدة والميناء العسكريين هو أمر واقع على الجميع قبوله بصرف النظر عن طبيعة الحل ومضمونه». كما طرحت تساؤلات ازاء كيفية تعاطي دمشق مع إشارات الضغط الروسية ومفاجأة بوتين، الذي بات اللاعب الأساسي في سورية.

ابراهيم حميدي – الحياة