أربعة أسباب تفسّر عدم احتمال توتر العلاقات بين مصر وإيران
5 أيار (مايو - ماي)، 2016
المونيتور –
الرياض تجتاح القاهرة. كان هذا التصوّر عندما زار الملك سلمان مصر لمدة خمسة أيام في أوائل الشهر الماضي. أثناء الزيارة، تمّ التوقيع على العديد من المعاهدات والاتفاقات، بما في ذلك نقل السيادة المصرية على جزيرتي تيران وصنافير إلى المملكة العربية السعودية. خرج الآلاف من المصريين إلى الشوارع للاحتجاج على نقل الجزيرتين. وأثيرت العديد من التساؤلات حول توقيت ومعنى الزيارة.
السياسة السعودية تجاه إيران تمثل حاليًا جوهر سياستها الخارجية. وعلى هذا النحو، ينبغي النظر إلى دبلوماسية الرياض الإقليمية والمناورة من هذا السياق، والتي من المفترض أن توسّع وتعزز خياراتها الاستراتيجية الإقليمية. مصر، في الوقت نفسه، أكثر تركيزًا على مكافحة الإرهاب وعدم الاستقرار في شبه جزيرة سيناء وليبيا، بينما تحاول تعزيز اقتصادها.
من خلال الشراكة بين الرياض الثرية والطموحة والقاهرة الضعيفة والمحتاجة — مثل أي نوع من الشراكة بين طرف ضعيف وآخر قوي — يمكن افتراض أنه سيكون هناك دورًا إقليميًا سعوديًا أكثر حزمًا تتبعه مصر. ولكن هل هناك شراكة إقليمية بين البلدين؟ نظرًا لأولويات مصر الإقليمية وسياستها تجاه الأزمات السورية واليمنية، فإنه من الصعب القول إنَّ القاهرة تمتثل لدورها المفترض. وعلاوة على ذلك، ما الذي يعنيه أي تغيير في العلاقة السعودية-المصرية بالنسبة لإيران؟
ثمة تصوّر إيراني لدور مصر المحتمل في الشرق الأوسط. بالنسبة لإيران، في حال أصبحت مصر أكثر استقلالية وفاعلية بحيث يمكنها أن تضغط على السعودية، فهذا شيء لا يدعو للقلق. التاريخ يخبر طهران أنَّ دور مصر الحاسم في المنطقة هو شيء لا يمكن أن تتقبله قبل المملكة العربية السعودية. وهذا بدوره يخبر طهران أنه إذا أصبحت مصر أكثر فاعلية فهذا سيعني شرق أوسط أكثر توازنًا، أو على أقل تقدير، سياسة عربية أكثر توازنًا.
وعلى الرغم من أنَّ الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي ركّز على الشؤون الداخلية، إلّا أنّه كان متحمسًا لإثبات نهجه المختلف تجاه الأزمات الإقليمية مقارنة بالرئيس السابق محمد مرسي، الذي أطاح به السيسي. تحاول حكومة السيسي عدم إثارة الكثير من الضجة، لكنَّ موقفها تجاه اليمني والأزمات السورية يحمل نغمات مختلفة أثارت غضب المملكة في سعيها إلى جلب مصر داخل مسارها. وهذا يعني أن مصر تحاول تحقيق التوازن بين تقاربها مع الدول الأعضاء في مجلس التعاون الخليجي من جهة، وسياسة مستقلة تجاه اليمن وسوريا وتركيا من جهة أخرى. هذا التوازن هو أبعد ما يكون عن الوقوف على خلاف مع سياسة إيران الإقليمية. في الواقع، لم تكن مصر متوافقة مع إيران بشأن سوريا إلاّ منذ تولي السيسي.
في هذا السياق، يحاول السعوديون كسب تأييد مصر ضد إيران. إنّهم يريدون من السيسي إعطاء الأولوية لما يسمى بالتهديد الإيراني في أجندته الإقليمية. ويعتقد السعوديون أن هذا سيغيّر موازين القوى في المنطقة لصالح المملكة العربية السعودية ضد إيران. لقد كان هناك الكثير من التقارير التي تشير إلى محاولات السعودية لتشكيل مثلث مع تركيا ومصر لمواجهة إيران. في حين أن هذه من المفترض أن تكون أخبار سيئة بالنسبة لطهران، إلّا أنها لم تلق الكثير من الاهتمام. ولكن هذا لا يعني أن طهران ليست معنية بأي نوع من التغيير في ميزان القوى في المنطقة، ولكنه يشير إلى أن إيران لا تأخذ التقارب السعودي المصري على محمّل الجد. وهناك أربعة أسباب لهذا الموقف.
- تكاليف الإعالة: انحياز مصر للمملكة ضد إيران سيعني استثمار سعودي ضخم وضمانات مالية عُرضت منذ فترة طويلة في مقابل امتناع القاهرة عن الانفتاح على طهران والتمسك بنهج، أو على الأقل السكوت عن القضايا المثيرة للجدل. بالإضافة إلى المبالغ الضخمة التي من المفترض أن تنفقها المملكة، يجب أن تركز الرياض جزءًا كبيرًا من سياستها الخارجية على إدارة الاختلافات مصر مع شركاء سعوديين آخرين، وخاصة مع تركيا. ومع النتائج الأخرى، فهذا يعني التركيز بدرجة أقل على مواجهة إيران لصالح إدارة المنافسات والصراعات الإقليمية المصرية.
- الانشغال الداخلي: المصريون أكثر قلقًا إزاء التحديات المحلية التي تواجهها البلاد بدلًا من الطموحات الإقليمية للمملكة العربية السعودية. وعلى هذا النحو، فهم أقل ميلًا لدعم السعوديين. وبالإضافة إلى ذلك، أوضح الشعب المصري أن لديهم أجندتهم الخاصة عندما يتعلق الأمر بالشرق الأوسط. وبالتالي، فإنه يمكنهم الانحياز إلى جانب السعوديين بشأن التفاهمات التي جلبتها الاتفاقيات. ومع ذلك، فإنَّ هذا النوع من التفاهمات الإقليمية لا يمكنه الاستمرار على المدى الطويل. تعرف القاهرة قيمتها بالنسبة للسعوديين، وبالتالي ستطلب ثمنًا باهظًا حتى في مقابل شيء مثل عدم السير في “الاتجاه الخاطئ” من وجهة نظر الرياض. في الواقع، يحتاج السيسي لمبادلة شيء من أجل الحصول على المزيد من الاستثمارات السعودية والتمويل. ووفقًا لذلك، تترك هذه الديناميكية طهران لا تشعر بالمزيد من القلق.
- تجنب المواجهة: هل مصر تريد مواجهة إيران؟ لا يوجد طريقة واضحة للإجابة عن هذا السؤال، على الرغم من أن سياستها الاقليمية والخيارات الاستراتيجية نحو المناطق الساخنة في منطقة الشرق الأوسط – مثل سوريا واليمن – تظهر ميل نحو التنافس مع الرياض وأنقرة وليس الميل نحو مواجهة طهران. ورُغم عدم وجود تعاون إقليمي بين مصر وإيران، إلّا أنَّ مواجهة إيران ليست ضمن جدول أعمال السيسي. يعزو المصريون خطاب الرياض تجاه إيران لأسباب اقتصادية، ولكن البُعد الاقتصادي له حدود في تشكيل السياسة، وخاصة عندما يتعلق الأمر بالخيارات الاستراتيجية.
- إمكانات محدودة: ما الذي يمكن أن تضيفه مصر إلى الجهود السعودية في المنطقة ضد إيران؟ الجواب “ليس كثيرًا.” في الواقع، إمكانات مصر الاستراتيجية في الشرق الأوسط محدودة للغاية لدرجة أنها لم تتمكن من وقف قطر عن دعم المعارضة المصرية. وعلى الرغم من أنَّ وجود القاهرة ضمن المعسكر المناهض لإيران سيكون لها بعض التداعيات السياسية، إلّا أنَّ الرياض تضع الكثير من الجهد للحصول على المزيد من الدعم السياسي من مصر. وفي ظلّ عدم وجود حليف استراتيجي فعّال، تكافح الرياض من أجل خلق حليف مناسب من مصر. ولكن فيما يتعلق بتحليل التكاليف والمنافع، ربما تكون مصر مكلّفة للمملكة العربية السعودية لإثارة أي قلق في طهران.
بشكل عام، فإنَّ أي محاولة لخلق تحالف عربي كبير ضد إيران في الشرق الأوسط سوف يثير غضب طهران. ومع ذلك، فإنَّ الخبراء الاستراتيجيين في إيران أكثر قلقًا إزاء التداعيات العملية للتقارب بين مصر والمملكة العربية السعودية بدلًا من البروباغندا السياسية. وذلك للأسباب المبينة أعلاه، فمن الصعب أن نتصوّر أن أي تحالف مناهض لإيران برئاسة التحالف السعودي المصري سيكون فعّالًا. وقد أظهرت الحرب التي تقودها السعودية في اليمن حدود إمكانية بناء تحالف سعودي. وعلى هذا النحو، من غير المتوقع أن تُحدث المناورات السعودية تجاه مصر أي تغيير ملموس في ميزان القوى الإقليمي.