on
الفجوة بين الخرافة والواقع في تاريخ إسرائيل
ذا ناشيونال –
في غضون أسبوعين، سيحتفل الفلسطينيون في جميع أنحاء العالم بذكرى التهجير القسري في عام 1948، والمعروف باسم النكبة. حدثت النكبة بعد خمسة أيام فقط من يوم استقلال إسرائيل، وأصبحت اليوم حدثًا عالميًا تتم فيه إعادة النظر ورفض وإعادة صياغة في الأساطير المؤسسة لإسرائيل.
كل أمة لها أساطير مؤسِسة. في كثير من الحالات، تتألف تلك الأساطير من أعمال المراجعة التاريخية القذرة المصممة لتكون مصدر إلهام صنف معين من القوميّة. خلال عيد الشكر، على سبيل المثال، ينخرط الأمريكيون في تنافر معرفي جماعي حول التوافق الشديد للولايات المتحدة مع الطقوس متظاهرةً بأن الأمريكيين الأصليين والمستوطنين عاشوا في سلام معًا.
الأساطير المؤسِسة لإسرائيل ليست استثناءً؛ إذ تعتمد على سردية الضحية التي تتجاهل عمدًا السلوك البغيض لجيل مؤسسي إسرائيل.
وكما تحكي القصة وفق رواية تل أبيب، كانت إسرائيل مجرد مستوطنة صغيرة عندما اندلعت الحرب العالمية الثانية. وبدون الموارد اللازمة لمكافحة ألمانيا النازية، ركّز الإسرائيليون على إقامة دولة فلسطينية من خلال قتال البريطانيين الذين سيطروا على فلسطين عن طريق الانتداب أو الاحتلال البريطاني لفلسطين.
ومع التراجع البريطاني وتدفق اللاجئين في فلسطين في أواخر أربعينات القرن المنصرم، شنّت إسرائيل حرب استقلال مع الدول العربية المجاورة التي رفضت خطة الأمم المتحدة لتقسيم فلسطين التاريخية.
الصورة أكثر تعقيدًا بطبيعة الحال كما اكتشف العمدة السابق لمدينة لندن كين ليفينغستون في الأسبوع الماضي. في تصريحات للدفاع عن النائبة العمّالية ناز شاه ضد مزاعم معاداة السامية على أساس دعمها لنقل جميع الإسرائيليين إلى الولايات المتحدة كحل للصراع، قال ليفينغستون السياسي المخضرم بحزب العمال إنَّ هتلر دعم الصهيونية في فترة الثلاثينات.
بالنسبة لشرائح معينة من اليسار البريطاني المتصلة بالقضية الفلسطينية، فإنَّ مساواة الصهيونية بالأيديولوجيات القومية المتطرفة الأخرى هي مكون أساسي في تفكيرهم. في عام 2001، دعم بعض اليساريين البريطانيين بقوة الجهود المبذولة لوصف الصهيونية بأنها حركة قائمة على التفوق العنصري في مؤتمر الامم المتحدة حول العنصرية في جنوب أفريقيا. ومع ذلك، فشلت تلك جهود، ولكن العلاقة بين الصهيونية والعنصرية ظلّت القوة الدافعة لفعالية القضية الفلسطينية في بريطانيا اليوم.
في حين كانت تصريحات ليفينغستون حول دعم هتلر للصهيونية غير صحيحة، إلّا أنها لم تأتِ من فراغ. منذ أواخر الثمانينات، أعادت مجموعة من المؤرخين الإسرائيليين النظر في الأساطير المؤسسة للكيان الصهيوني وتحدوا تلك الأساطير بسجلات صدرت حديثًا من الأرشيف الإسرائيلي.
كشف المؤرخون الجدد عن دليل واضح حول مخططات إسرائيل لإقامة دولة عن طريق غزو القرى الفلسطينية وخلق نظام الإرهاب لتخويف الفلسطينيين من وطنهم، بغض النظر عن تصويت التقسيم في الأمم المتحدة. كما وُضِعت سياسة الخارجية الإسرائيلية لما قبل الدولة تحت المجهر.
اكتشف المؤرخ الإسرائيلي توم سيغف الوثائق التي تربط بين الوكالة اليهودية، وهي منظمة صهيونية مكلّفة بجلب اليهود إلى فلسطين، والحزب النازي. يوثّق سيغيف في كتابه المعنون “The Seventh Million” كيف دخلت الوكالة اليهودية في اتفاق انتقال مع ألمانيا النازية في عام 1933 لتسهيل هجرة 20 ألف من اليهود الألمان إلى فلسطين.
يجادل سيغيف أنَّ الاتفاق تمّ على أساس المصالح “التكميلية” لألمانيا النازية والصهيونية في فلسطين: “أراد النازيون إخراج اليهود من ألمانيا، وأراد الصهاينة أن يأتي اليهود إلى فلسطين”.
في حين أنَّ هتلر قد يكون على دراية بهذا بالاتفاق، إلّا أنَّ القول بأنَّ هتلر دعم الصهيونية على أساس هذه الواقعة وحدها يُعدّ مبالغة، ولهذا السبب تمّت إدانة ليفينغستون بعد تصريحاته المبنية على معلومات خاطئة. كان هناك جدل مماثل حول تورط الميليشيات الإسرائيلية في مرحلة ما قبل الدولة مع إيطاليا الفاشية.
كما بحثت عصابة شتيرن، وهي جماعة يهودية متطرفة نفّذت هجمات ضد القوات البريطانية في فلسطين، عن ارتباطات مع الفاشيين الأوروبيين في الثلاثينات والأربعينات. وبقيادة أبراهام شتيرن ومن بعده إسحاق شامير، الذي أصبح رئيس وزراء إسرائيل في الثمانينات، حاولت عصابة شتيرن مواءمة نفسها مع إيطاليا موسوليني. ووفقًا للمؤرخ جوزيف هيلر في كتابه المعنون عصابة شتيرن: الأيديولوجيا والسياسة والإرهاب، (1940-1949)، تمّ وضع مسودة لاتفاق سيشهد انتقال اليهود تحت سيطرة دول المحور إلى فلسطين، ويشمل المساعدات العسكرية من دول المحور إلى الجيش الإسرائيلي الناشئ. وفي نهاية المطاف، أُلغيت خطط للتعاون مع الفاشيين الإيطاليين ولكن لا يزال الأمر مصدرًا لكثير من الجدل.
بناء الدولة هو عمل قذر وغالبًا ما تكون خطوط السلوك المقبول غير واضحة. وهذه ليس حصرًا على إسرائيل: كل دولة لديها مساوئها. لكنَّ الاستثناء هو أن هذه الأساطير المؤسِسة لا تزال تلعب مثل هذا الدور الكبير في النقاش حول النزاع الإسرائيلي الفلسطيني.
بالرغم من أنَّ ليفينغستون لم يفعل ما يفيد الفلسطينيين بإعادة صياغته غير الصحيحة للتاريخ، إلّا أنَّ السياسيين الإسرائيليين مثل رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو يعيدون صياغة أحداث الحرب العالمية الثانية لتحقيق مكاسب سياسية خاصة بهم.
كلما استمر الكثير من المؤرخين في كشف الحقائق المطمورة عن فترة تأسيس إسرائيل، فإنَّ المزيد من السياسيين والناشطين سوف يحرّفون هذه الحقائق لتحقيق مكاسب خاصة على المدى القصير. ولذا، فإنَّ الفجوة بين الخطاب والواقع لن تضييق إلّّا إذا كان هناك أمل في نشر سردية صادقة حول الأحداث المحورية لعام 1948.