هل تنهار العثمانية الجديدة في تركيا بعد استقالة مهندسها “داوود أوغلو”؟


محمد جمال –

جاء الطلب المفاجئ من أحمد داود أوغلو، رئيس الوزراء التركي، لحزبه العدالة والتنمية الحاكم بانتخاب رئيس جديد له، ومن ثم استقالته من رئاسة الحكومة، ليشكل أزمة قد لا تحتاجها تركيا في ظل التحديات الداخلية والخارجية التي تواجهها.

استقالة أوغلو المفترض ان تتم نهاية هذا الشهر لها مزايا، أبرزها أنها اظهرت حجم الرقي في التعامل السياسي والتغيير السلمي في المناصب، وعيوب أبرزها التساؤل عن مصير العثمانية التركية الجديدة التي دشنها “أوغلو”.

وبرغم أن استقالة أوغلو من رئاسة الحكومة والحزب، قيل إنها جاءت احتجاجا على تدخل الرئيس التركي رجب طيب أردوغان في عمل الحكومة والحزب، فقد أعلن اغلو تصديه لمن يهاجم اردوغان قالا: “لم ولن أتفوه بكلمة واحدة ضدّ رئيس الجمهورية ولن أسمح لأحد أن يستغل هذه المسألة فشرف رئيسنا هو شرفي وشرف عائلته هو شرف عائلتي”.

وجه رئيس الوزراء التركي أحمد داود أوغلو الذي يبدو أنه قرر الاستقالة من منصبيه في الحزب ورئاسة الوزراء دون رجعة، كلمة إلى الشعب التركي وأعضاء حزبه تحدث فيها عن المرحلة الحساسة التي عايشها خلال الأعوام الأخيرة.

وقال إن علاقته برئيس الجمهوري رجب طيب أردوغان علاقة أخوية وصداقة، وسيبقى في الحزب كعضو في البرلمان ممثلاً عن حزبه ولن يستقيل من الحزب، ما يعتبره البعض فرصة أفضل له للعمل على خطته “العثمانية الجديدة”.

وهناك 4 نقاط خلاف بين أردوغان وأغلو هي: التحول من النظام البرلماني إلى النظام الرئاسي، والصراع مع جماعة فتح الله كولن /الكيان الموازي، وتدخل أردوغان في قيادة الحزب خشية تكرار مشكلة تفتت الحزب على غرار ما جري لحزب “وطن” عقب تعيين رئيسه “تورجوت اوزال” لرئاسة الجمهورية، إضافة الي الثنائية في إدارة الدولة بين الرئيس ورئيس الحزب.

استقالة صحية لا ضارة

ويري خبراء في الشأن التركي، بينهم الكاتب “محمود عثمان” في موقع “ترك برس”، أن استقالة اوغلو بعد خلافه مع اردوغان “علامة صحية” على قوة حزب العدالة لا ضعفه وأن ذلك “يعود إلى رغبة كل منهما في تطويق الأمر كيلا يتحول إلى أزمة سياسية تؤذي مسيرة الحزب، وتضر باقتصاد تركيا الذي يمر بمرحلة حرجة حساسة.

ويشيرون الي سبق تجاوز الحزب أزمات عديدة بحرفية ربما لم يشعر بها الاخرون، بسبب النضج السياسي لقيادة الحزب وكوادره، وأدبيات الحزب ذي الخلفية الإسلامية المحافظة التي نجحت في الارتقاء بالعمل السياسي إلى درجة احتواء المشاكل داخل المؤسسة، والحيلولة دون خروج الخلافات البينية إلى العلن، لتمنع بذلك عبث العابثين، وتدخل الأطراف الخارجية التي تتربص بالحزب الدوائر.

وأنه بهذه الطريقة تم تجاوز الأزمة مع الرئيس السابق الذي كان يعد ثاني شخصية في الحزب عبد الله جول، والأزمة مع رئيس البرلمان الأسبق ونائب رئيس الوزراء والناطق الرسمي باسم الحكومة بولنت أرينج، والأزمة مع علي باباجان نائب رئيس الوزراء السابق مهندس الاقتصاد التركي، وإحالة شخصيات كبيرة مؤثرة واستبدالها بكوادر شابة ودماء جديدة دون ضجيج يذكر.

من يخلف أوغلو؟

وقد كشفت مصادر مقربة من الرئاسة أن المرشحين الأربعة المحتملين لخلافة أوغلو هم: نائب رئيس الوزراء المتحدث باسم الحكومة (نعمان قورتولموش)، ووزير العدل (بكير بوزداغ)، ووزير النقل “بن علي يلديريم”، ووزير الطاقة “بيرات البيرق”.

ويبدو أن الرئيس أردوغان وحزبه سوف يضعون ثلاثة شروط أساسية في الرئيس الجديد للحزب والحكومة، أولها: أن يقبل العمل تحت جناح رئيس الجمهورية، والثاني: أن يركز جهده على إقرار الدستور الجديد الذي يؤمن الانتقال إلى النظام الجمهوري قبل حلول عام 2019 حيث استحقاق الانتخابات البرلمانية المقبلة، والثالث: ألا يتهاون في تصفية الكيان الموازي.

ويتردد أن المرشح الأقوى من حيث توافر هذه الشروط فيه، هو “بن علي يلدرم” أحد أهم المرقبين للرئيس أردوغان منذ رئاسته لبلدية اسطنبول.

نظرية “العثمانية الجديدة”

6d005c29-f711-40d1-ab0e-8f4d36fa5040

“العثمانية الجديدة” هي رؤية لتجديد تركيا، وضعها داوود أغلو، ولكنها تشكل عماد عقيدة أعضاء الحزب وأردوغان، ما يدفع البعض لعدم التخوف على المشروع الاسلامي التركي في حالة استقالة أغلو الذي سيظل عضوا في الحزب مع هذا.

فأوغلو هو من مدرسة تركية يتبع لها أردوغان وغل، وغالبية أعضاء حزب التنمية والعدالة يهتمون بالعودة إلى القيم العثمانية القديمة، لا بمعنى عودة “شكل” الخلافة العثمانية المريضة، ولكن بمعنى “الفخر” بعصر النهضة والفتوحات والقوة العثمانية، والربط بين الحداثة والعودة لجذور الإسلام المضيئة، فضلًا عن الانفتاح على العالم العربي باعتباره مهدَ الإسلام.

وتعتمد العثمانية الجديدة على ثلاثة مرتكزات هي:

(أولها): أن تتصالح تركيا مع ذاتها الحضارية الإسلامية بسلام وتعتز بماضيها الإسلامي متعدد الثقافات والأعراق.

(ثانيها): استبطان حسّ العظمة والكبرياء العثماني والثقة بالنفس عند التصرُّف في السياسة الخارجية، والتخلص من الشعور بالضعف أو بالنقص تجاه الآخرين.

(ثالثها): الاستمرار في الانفتاح على الغرب مع تقوية العلاقات مع الشرق الإسلامي؛ إذ إن أنصار العثمانية الجديدة يرون أن الحاجة لنقد الماضي العثماني بمرارة لم تعد قائمة مثلما كانت في العقود الأولى لتأسيس الجمهورية.

ثوابت الرؤية الحضارية للعثمانية

وتنطلق ثوابت “الرؤية الحضارية للعثمانية الجديدة” التي كتب عنها اغلو من نظريتين هما:

النظرية الأولى

يقول فيها إنّ الثقة بالذات الحضارية مصدر قوة إضافية للدولة في علاقاتها الخارجية، وخاصة إذا اقترنت بتجاوز عقدة النقص، وبالتغلب على الشعور بالدونية تجاه الطرف الآخر، وهذا هو ما فعله الحزب في وساطات بين السوريين والإسرائيليين، وبين الفلسطينيين والإسرائيليين، ووقوفَه مع غزة المحاصرة.

النظرية الثانية

كي تكون ناجحًا في إدارة العلاقات الدولية، يتعين عليك مراعاة التوازن الدقيق بين “قوة الأمر الواقع”، و”قوة الحق الأصيل”، وأنه لا يجوز المغامرة بمواجهة قوة الأمر الواقع دون استعداد كافٍ، كما لا يجوز التفريط في قوة الحق الثابت الأصيل، وأنّه يمكن إنجاز الكثير في المسافة القائمة بين قوة الأمر الواقع، وقوة الحق الأصيل في ضوء موازين القوى التي تتحرك باستمرار ولا تعرف السكون أو الجمود.

ولو عدنا لرؤية “أوغلو” عن هذه العثمانية الجديدة التي هي في الأساس “نظرية التعامل الدولي مع الخارج”، سوف نجد أنه في كتبه قد طرحَ ثلاث نظريات تعبر عن رؤيته للعلاقات الدولية وإدراكه لذاته الحضارية/الإسلامية، بحسب مصطلحاته هو في كتاباته، وهي: نظرية التحول الحضاري، ونظرية العمق الاستراتيجي، ونظرية العثمانية الجديدة.

نظرية التحول الحضاري

رؤية اغلو وحزب العدالة هنا تتلخص في أنّ ما يجري في العالم منذ سقوط الاتحاد السوفييتي ليس تعبيرًا عن انتصار الرأسمالية/ الليبرالية، ولا عن نهاية التاريخ، وإنما هو تعبير عن تحول حضاري واسع المدى، وبموجب هذا التحول ينزاح، تدريجيًّا، المركز الحضاري الأطلسي/ الأمريكي، وتحاول القارة الأوروبية العجوز استرداده مرة أخرى من خلال الاتحاد الأوروبي.

كما تحاول آسيا المركز الباسيفيكي بناء هذا المحور الجديد بقيادة الصين والهند واليابان، كما يحاول العالم الإسلامي من خلال حركات الإحياء الإسلامي أن يبني محورًا حضاريًّا جديدًا أيضًا مُرتكِزًا على تماسُك رؤيته للعالم، وفي القلب من هذه الرؤية تقع قيمتا الحرية والأمان الوجودي بالمعنى الإنساني/ الإسلامي.

ويرى أوغلو أنّ النموذج الإسلامي في رؤيته للعالم يضمن السلام مع البيئة بخلاف النموذج الغربي؛ لأنّ المسلم يدرك أنّ الكون هبة الله، وهو حقٌّ مشترك للجنس البشري، ولذا لا بدّ من المحافظة على البيئة؛ لأنّها شرط جوهري لصلاحية الكون للحياة.

كذلك يؤكّد على أن النموذج الإسلامي يعبر عن الأصالة والتعددية؛ فتصوُّره للتاريخ والزمن يؤكد على الطبيعة الدائرية وليست الخطية الأحادية كما الحضارة الغربية، ومن هنا أهمية التجديد وقدرة الحضارة الإسلامية على استعادة مكانتها؛ فالسيادة الحقيقية لا تنطلق من التفوق المادي وحده، وإنما من التفوق القيمي والروحي أيضًا.

وطبقًا لنظرية التحول الحضاري لأحمد داوود، فإن المرحلة الراهنة من تاريخ العلاقات الدولية تشهد منازعة بين أكثر من مركز أو محور حضاري باتجاه نظام عالمي جديد، وهو يؤكد حضور العالم الإسلامي في خضم هذه المنازعة، ويرسم تصوُّرًا من أربع مراحل قطع منها المحور الإسلامي ثلاثًا ودخل في الرابعة.

أولها مرحلة الخضوع للنزعة الاستعمارية، وثانيتها مرحلة تحدي الهوية بعد سقوط الخلافة العثمانية إلى قيام ثورات التحرر من الاستعمار، وثالثتها مرحلة نشأة دولة ما بعد الاستعمار وسيطرة النخب المتغربة عليها، ورابعتها يسمّيها (مرحلة تجدد الإدراك الذاتي الإسلامي) وتخلصه تدريجيًّا من عقدة الدونية التي سيطرت على الذهنية المسلمة إبان الحقبة الاستعمارية، وهي المرحلة الحالية.

نظرية العمق الاستراتيجي

وضع أوغلو كتابًا ضخمًا بعنوان: “عمق الاستراتيجية” أعيد طبعه أكثر من 17 مرة منذ صدور طبعته الأولى سنة 2001، وفي هذا الكتاب يشرح نظريته التي عبر عنها بكلمات موجزة في أول تصريح له عقب توليه وزارة الخارجية التركية سابقا، بقوله: “سنسعى لدور إقليمي أكبر، ولم نعد بلد ردّ فعل”.

هذه الكلمات المقتضبة فصّلها في كتابه: (عمق الاستراتيجية) بعبارات مثل: (المكانة الدولية لتركيا)، وإخراج تركيا من بلد “طرف”، أو “هامش” يقتصر دورها في كونها عضوًا في محاور وعداوات، إلى بلد “مركز” على مقربة واحدة من الجميع، وفي الوقت نفسه إلى بلد ذي دور فاعل ومبادر في كل القضايا الإقليمية والدولية.

وهذا العمق الاستراتيجي كما يتصوره أحمد داود ينطوي على أبعاد حضارية، وثقافية، وتاريخية، وجغرافية، ودينية، تشكل في مجملها فرصة كي تقوم تركيا بدور فعال ليس فقط في النظام الإقليمي المحيط بها، وإنما في النظام العالمي أيضًا.

نظرية العثمانية الجديدة

هذه النظرية (وإن لم يسمّها أحمد داود بهذا الاسم في كتبه) هي الأكثر إثارة للجدل على المستوى الداخلي؛ لأنّها تقع في صميم معركة بين الحداثة والتقليد، أو الأصالة والتغريب، أو الإسلام والعلمانية، وهي المعركة التي تخوضها تركيا على أكثر من صعيد منذ ما قبل تأسيس الجمهورية وإلغاء الخلافة سنة 1924.

وكان مفهوم (العثمانية الجديدة) ظهر في منتصف الثمانينيات قبل أروغان وأوغلو في فترة الرئيس تورجوت أوزال لوصف سياسته التجديدية، وإفساحه المجال لنموّ التيار الإسلامي بدرجة ملحوظة.

ويرى أنصار هذا التيار ومنهم أحمد داود أن السبب في تراجع تركيا خلال الحقبة الماضية يعود إلى سياسة (القطيعة) مع ماضي تركيا العثمانية وعمقها الاستراتيجي عن حاضر الجمهورية الكمالية ومحيطها الإقليمي، والتي عمقت أيضًا الانقسام بين العلمانية والإسلامية، وغلبت الأمن على الحرية، وأحدثت أزمة هوية في أوساط النخب التركية.

والحل هو في تبني هذه العثمانية الجديدة، التي لا تعني بعث السياسات التوسعية للدولة العثمانية، ولا العودة للماضي الغابر، وإنما تتصالح مع ذاتها الحضارية الإسلامية وتعتز بماضيها العثماني متعدد الثقافات والأعراق، واستبطان حس العظمة والكبرياء العثماني والاستمرار في الانفتاح على الغرب، مع إقامة علاقات متينة مع الشرق الإسلامي الذي تنتمي إليه.