النِفّري وهايدغر.. اللغة في بعدها المفقود


في وسعنا اعتبار النِفّري وهايدغر معلوميْن بصفة مجهولة، أو مجهولين برتبة معلوميْن بما فيه الكفاية في الثقافة العربية المعاصرة؛ الأول ضحية “عدمية تراثية” أصبحت السمة الأبرز لدى عددٍ غير قليل من المشتغلين داخل فضاء هذه الثقافة. أمّا الثاني، فما كادت تقع بين يدي القارئ العربي ترجماته، بغضّ النظر عن جودتها، حتى فعلت الدراسات حول وعن وعلى مارتين هايدغر فعلتها في التشويش على منجز فكري يُعدّ الأخصب، وربما الأكثر أصالة في مجمل القرن العشرين.

أمّا مناسبة هذا الربط الذي يبدو سريالياً، أو من قبيل “لزوم ما لا يلزم”، بين النِفّري المتصوّف، سليل القرن الرابع الهجري وهايدغر الفيلسوف (1889 – 1976)، سليل القرن العشرين، فهي عبارة للنِفّري، إذ يقول في أحد مواقفه التي اشتُهر بها: “البيّنة وجودُ ما لا يعدِمه العدمُ”. من دون الحاجة إلى بدء جهد تأويلي معرفي من أجل إماهة جملة من جمل النِفّري التي تشبه حقائب للمعنى، فإن ما بعث على هذه الأسطر هو تذكّر قول شبيه، يبلغ حدّاً معتبراً من التطابق للفيلسوف الألماني هايدغر، الذي تمرّ في أيلول/ سبتمبر الجاري أربعة عقود على وفاته، وذلك في معرض تشييده للعدم كقيمة ميتافيزيقية مكتملة وليست مجرّد ظلّ أو نفي للوجود؛ يقول هايدغر إذاً: “العدمُ يَعدِم”، وهي الجملة التي جلبت عليه سخرية وتهكّم الكثيرين من معاصريه، بالنظر إلى ما رأوا فيها من ألعاب خفّة لغوية ومعمعة ميتافيزيقية.

بالعودة إلى هذا “التوارد، العجيب، في الخواطر” كما يُسمّى بلغة اليوم البائسة، أو كما يسمّيه النقّاد العرب الكلاسيكيون بـ”وقوع الحافر على الحافر”، فهل يمكننا اليوم أن نقول، كما دَرَج كثير من كسالى نقّادنا، على الاستخلاص عجِلين بأن هايدغر ليس سوى ناحل لمقولات النفَّري؟ كما كان قبله أليغيري مجرّد ناسخ للمعرّي، والقائمة تطول.

هكذا تستحيل هذه المؤثّرات الجانبية، والتي تشير في النهاية إلى وحدة التجربة الإنسانية، على يد انكفائنا الثقافي والفكري إلى “نجاح” وهمي، ظلّ مؤجّلاً منذ القرون الوسطى، يعيش أساساً على افتراض “فشل الآخر” كما يُشير نيتشه، ونُلحق تِبعاً لهذه السطحية “هزيمة” ولو رمزية بالآخر/ الغربي في هذه الحالة، حارمين أنفسنا من تمثّل هذه الأعمال واستيعابها بالشكل الذي يساعدنا على تجاوز مأزقنا الحضاري اليوم.

كلّا؛ بل إن هذا التلاقي بين النِفّري وهايدغر في البنية اللفظية ومؤدّاها دليل آخر نعضد به ما ذهب إليه الراحل عبد الرحمن بدوي في فصل “أوجه التلاقي بين التصوّف الإسلامي والمذهب الوجودي” من كتابه “الإنسانية والوجودية في الفكر العربي”؛ حيث ذهب، من دون أن نغفل أهواءه وميولاته الفكرية نحو الوجودية، إلى محاولة توطين هذا التيار الفكري الذي نشأ في أوروبا وإيجاد جذور تراثية له، وذلك عبر ربطه أساساً بالتجارب الروحية لبعض من روّاد مدرسة التصوّف، ومحاولة تبيان “وثاقة الصلة الفكرية” بينها وبين تجارب مؤسّسي المذهب الوجودي، خصوصاً الفيلسوف الدنماركي كييركغارد. غير أن هذا الربط جزئي، وسرعان ما ستنزلق بعض النماذج وتقاومه، على غرار ابن عربي، الذي يمثّل قطباً لا يمكن تجاهله في تجربة التصوّف الإسلامي.

لكن بدوي يستدرك بأنه “رجلٌ معرفته أكبر من روحه” في معرض دفاعه عن أطروحته تلك. في هذا الفصل، حاول بدوي كذلك ربط لحظة العدم عند هايدغر، التي تنبع من الحال الوجودية المعروفة بالقلق أو Angst، وبين تعريف أحد المتصوّفة لنفس الحال: “قلق يصفّي الوقت، وينفي النعت”.

غير أننا نسمح لأنفسنا بتجاوز هذه المقابلة التي حصرها بدوي في التجارب الروحية لروّاد المدرستين وتحليلهم “الأحوال النفسية والوجودية”، ونرجّح على ضوء توافر مصادر صوفية جديدة لم تكن متاحة قبلاً (ألّف بدوي كتابه سنة 1947)، بأن هذه القُربى بين المفكّرَين، النِفّري وهايدغر، تتعدّى كل ما أشرنا إليه، إلى الموقف من اللغة بحدّ ذاتها.

موقف النِفّري من الكتابة واللغة، والذي اختطفته العبارة الشائعة “كلّما اتّسعت الرؤية ضاقت العبارة”، ثم محاولة دارسي الشعر المعاصرين تأصيل قصيدة النثر في تراثنا خلال كفاحهم من أجل حداثة شعرية عربية، أقول إن موقفه من اللغة أنطولوجي في الأساس، فاللغة عنده تتعدّى وتخون الوظيفة الاتصالية الجوفاء، إلى كونها تجسيراً للهوّة الفاصلة بين الإنسان والوجود، فهو يقول، مثالاً لا حصراً، في موقف آخر: “وقال لي: اكتُب من أنتَ لتعرفَ من أنت”، ويقول في مخاطباته: “يا عبدُ اخرُج من بين الحروف تنجُ من السحر”.

يُشرع النِفّري بهذه الرؤية اللغةَ على آفاق ميتافيزيقية بعيدة الغور، ونشهد معها تجربة اللانهائي أو كتابة “ما لا يُقال”: “وقال لي: ما حرْفكَ وما مبلغكَ؟”. يجسّد النِفّري بهذه الحساسية المتفرّدة، كما يشير أدونيس، “بعداً آخر، كتابياً وفكرياً، داخل الثقافة العربية”.
من جهة أخرى، على ضوء دراسته لأعمال الشاعر الألماني، هولدرلين، يستخلص هايدغر (الصورة) بأن “اللغة بيت الوجود”. وكان بهذا الموقف، وبدراساته المسهبة للكلام واللغّة، بوصفها “مبحثاً بحد ذاتها” ووظيفتها “كشف وتعرية الوجود الإنساني”، يعيد الاعتبار إلى اللغة بعد نسيانها وحصرها في الوظيفة الاتصالية والتركيب الصوتي، مدشّناً بذلك الاهتمام الفلسفي باللغة في القرن العشرين، الذي يجمع كثيرون على أنه كان قرن فلسفة اللغة.

الموقف الوجودي من اللغة، بوصفها خلقاً للعالم والأشياء “في البدء كان الكلم”، قديم قِدم اللغة نفسها كما تشير الأبحاث الأنثروبولوجية، وإنما يشترك النِفّري وهايدغر في أنهما أعادا الاعتبار إلى اللغة في عصريهما؛ أمّا في عصرنا اليوم فهذا البعد مفقود وضائع، خصوصاً في لغة الإبداع التي تختزل الثراء الأنطولوجي للغة وتحصرها في وظيفة اتصالية، قوامها بيانات مُستقبَلة ومُرسلَة غايتها الأساسية “خدمةً للمعنى”.

لم تكن محاولة بدوي تلك هي الأخيرة في سبيل تحيين تراثنا الصوفي، بل توالت الدراسات بعدها، أتاحتها الاكتشافات والتحقيقات اللاحقة للنصوص الصوفية، إذ قام بعدها أدونيس بمحاولة أخرى لا تقلّ جرأة في كتابه “الصوفية والسريالية”.

وتشير كل هذه الدراسات والبحوث التي تناولت تجربة التصوّف الإسلامي إلى الطابع الدائري للفكر، أو ما يُسمّى بلغتهم “ناموس الدائرة”، فتاريخ الأفكار وحتى المعرفة الإنسانية شاهد على كثير من الاسترجاعات وإعادة التمثّل، ولنا في هايدغر خير مثال، فكثير من المفاهيم ليست في النهاية سوى بعث جديد لأفكار سبق وأن طُرحت. والحال أن راهنيّة “حالة التصوّف” وتجاوزها للزمن تنبع، قبل كل شيء، من كونها تجربة إنسانية تنبع من الذات، رغم تستّرها خلف حُجب لاهوت معقّد وكثيف.



المصدر