أرواح أهالي حلب تُنازع


الخوف يسيطر على قلوب الناس، أكثر من أيّ مرة مضت. هم منهكون من الحصار وشدة القصف. ما يعيشونه يفوق قدرة تحمل البشر. الحركة في حلب متوقفة تماماً

مدينة حلب في شمال سورية تمرّ باختبار قاسٍ آخر. الحياة فيها توقفت ترسم معالم جمودها الغارات الجوية والقصف المستمر ونقص المحروقات. الأسواق كمدينة الأشباح، فلا باعة ولا بضائع، يبحث البعض فيها عن شيء، عن أي شيء يأكلونه، لكنّهم لا يجدون شيئاً.

الأسوأ يحدث في الليل. ظلام دامس وأصوات مرعبة، لم يعد أحد ينام في حلب، ولم يعد أحد يجرؤ على تشغيل مولدات الكهرباء، فالطائرات تنفذ غاراتها في اتجاه مكان الضوء. يقول عضو مركز حلب الإعلامي حسن قطان: “أغار الطيران أول من أمس على المولدات الكهربائية في حي الميسر. واستمر القصف على الحي طوال الليل”.

هذا الوضع مستمر منذ 22 سبتمبر/أيلول الجاري. يضيف حسن: “ما إن تضع رأسك على الوسادة لترتاح بعد يوم طويل مليء بالخوف والرعب، تسمع صوت طائرة الاستطلاع، وإن غفوت تصحو فجأة وقلبك يقفز من مكانه بسبب صوت صاروخ عنقودي سقط بالقرب منك. صوته فقط يسلبك حتى القدرة على الحركة”.

يتابع: “منذ انتهاء الهدنة حتى اليوم وأنا أحاول أن أصف الأحداث التي تحصل في حلب بكلمة واحدة معبرة. الكلمة تمتد إلى كلمات عديدة: هستيري، لا يوصف، مرعب، مثير للقلق، مخيف، متأزم، هولوكست، إجرامي، لا يصدق، جنوني، جريمة حرب، إبادة جماعية… كلّ هذه الكلمات لا تكفي”.

تعاني المستشفيات الميدانية المتبقية في مدينة حلب من ضغط كبير في ظل الإمكانات والمعدات الطبية المحدودة التي تمتلكها. يقول محمد البكري، وهو أحد أبناء مدينة حلب: “أصيب أخي بغارة جوية في حيّ السكري في الأمس، حملناه وركضنا به نحو كيلومتر وهو ينزف. عشت الرعب من احتمال موته قبل أن نصل. حين دخلنا كان المستشفى الميداني مليئاً بالجرحى. لم نجد سريراً، فوضعناه على الأرض. بحثت عن الطبيب لأتوسل إليه كي يسعفه قبل أن يموت، لكنّه كان في غرفة العمليات. وجدت ممرضاً فلفّ جرحه وانتظرنا 3 ساعات حتى تسنى للطبيب أن يرى حالته. ما زال في وضع خطير، ونحن عاجزون عن فعل أي شيء. لا توجد مستشفيات ولا تجهيزات. ولا نستطيع نقله إلى تركيا”.

في الوقت نفسه، يعاني من تبقّى من الأطباء من ضغط بدني ونفسي شديد، وشعور بالعجز في ظل الأعداد الكبيرة من الجرحى التي تصل إلى المستشفيات دفعة واحدة. يصف الطبيب حمزة الخطيب، وهو مدير مستشفى “باسل أصلان” في حلب الحال في اليومين الأخيرين: “طرق أحدهم بابي بقوة حين كنت نائماً، فتحت عيني وأنا أفكر أنّ علي أن آخذ حماماً وأتناول فطوري قبل أن أتوجه للعمل. لكنّه قال لي: دكتور يريدونك في الإسعاف بسرعة، هناك مجزرة. نزلت بأقصى سرعة، وكنت خلال الطريق أحضّر نفسي لصور الأطفال ينزفون، وللحروق والأشلاء، وأسأل نفسي ما الذي سأفعله في هذه الحال؟ كيف سأتدبر الأمر بـ8 أسرّة فقط في قسم الإسعاف؟ وصلت فوجدت المشهد كما تخيلته. للحظة فكرت لماذا يكون كلّ هذا من حظي؟ لماذا أنا من يناوب اليوم؟ وتذكرت سريعاً أنّني الطبيب الوحيد في المستشفى، ولم يبقَ غيري”.

يتابع: “عملت في الإسعاف طوال 12 ساعة متواصلة. وباتت فكرة أخذ حمام أو تناول الطعام مجرد حلم يتضاءل. لكنّ كلّ هذا لا يساوي شيئاً أمام ما يقوم به الكثيرون في حلب، في باقي المستشفيات الميدانية وعمليات الدفاع المدني ومنظومة الإسعاف وبنك الدم وغيرهم”.

بدورها، تصف وعد الخطيب، وهي من الكوادر الطبية في مدينة حلب، الحال في المدينة بأنّه “كارثي ولا يتخيله عقل. أكثر من 95 غارة من الطيران الحربي والمروحي، وقصف بالبراميل والصواريخ وأشياء جديدة لم نعرفها من قبل”. تضيف: “حتى الحصار الذي حاولنا تجاهله بدأ يظهر بثقل حركات أجسادنا. لم نصل إلى حد المجاعة ، لكنّ النقص في الخضار والمواد الغذائية بدأ ينتج فجوة في صحة الجميع”. تتابع: “لا أدري إلى متى سنتحمل ما يحدث. يخابرني بعض الأصدقاء للاطمئنان، ولا أدري بما أجيب. الجواب الوحيد الذي أستطيع أن أقوله إنّنا ما زلنا على قيد الحياة، وهذه حقاً معجزة. في النهاية ومهما حدث، نحن هنا بخيارنا وما زلنا مؤمنين بأهمية وجودنا في حلب”.

يعيش أهالي المدينة ساعات عصيبة وهم يمكثون في بيوتهم والطائرات الحربية توزع الموت عليهم بشكل عشوائي. هم كمن يعيش بين الحياة والموت. لعلّ الأصعب المسؤولية التي يشعر بها الآباء تجاه أرواح أبنائهم الذين يعيشون معهم تحت الخطر.

يروي معروف سبسبي وهو بطل رياضي سوري سابق عن الساعات العصيبة التي أمضاها مع عائلته في حلب: “لم أستطع أمس النوم حتى السابعة والنصف صباحاً، بعدما أمضيت أنا وأسرتي ساعات وأنا أتنقل بهم بين الحمام وغرفة الجلوس. مع كلّ غارة تنقبض القلوب وتتوقف الأنفاس”.

يضيف: “بعد نومي استيقظت مذعوراً على صوت القنابل. أدركت الموقف بسرعة وخرجت إلى الشرفة ﻷرى الدماء تسيل في الشوارع. كان أحدهم ينظر إلى ساقه المبتورة وآخر يبحث في جسده عن مكان الإصابة ودمه يسيل. أما أبناء الحي فمشتتون يبحثون عن سيارة تسعف المصابين. وصلت سيارة مخصصة لحمل البضائع ووضع فيها عشرة مصابين، ومرت أخرى وحملت ما بقي منهم كأنّهم ليسوا بشراً”.



المصدر