د. أحمد يوسف أحمد يكتب: حال الأمة العربية في منتدى «الاتحاد»


د. أحمد يوسف أحمد

عقد منتدى «الاتحاد» دورته الحادية عشرة في العشرين من هذا الشهر تأكيداً للطابع المؤسسي لهذا الملتقى الفكري الرفيع الذي تنفرد به صحيفة «الاتحاد» تأكيداً لريادتها في الساحة الصحفية العربية، وقد فرضت ذكرى مرور مئة عام على سايكس- بيكو نفسها، خصوصاً بالنظر إلى ما يحاك للأمة العربية حالياً من صور للمستقبل تحقق مصالح القوى الخارجية، وقد قُدمت في المنتدى تسع أوراق بحثية غطت أبعاد الماضي والحاضر واستشرفت المستقبل ودارت حولها نقاشات جادة وموضوعية وعميقة أفضت إلى خلاصات مفيدة بشأن القضايا المطروحة، وأتخير من بين الموضوعات المهمة التي طُرحت للحوار موضوعين اثنين دار حولهما حوار ثري تنوعت فيه وجهات النظر لكن الأمر الإيجابي أن هذا الحوار انتهى دائماً بكلمة سواء جمعت بين أفضل ما فيه.

أما الموضوع الأول فقد تمحور حول جدل الداخل والخارج في ما يتعلق بالمسؤولية عما آلت إليه الأوضاع العربية منذ سايكس- بيكو حتى الآن، وكان واضحاً أن ثمة اتجاهاً واضحاً قوياً في الأوراق والمناقشات يركز على إعطاء الأولوية للعوامل الداخلية في تفسير التراجع، ورغم الاتفاق على الأهمية الفائقة للعوامل الداخلية فإن التأكيد جرى في المقابل أن هذا لا يعني بحال التقليل من أهمية العوامل الخارجية في تفسير تاريخنا الحديث وحاضرنا واستشراف مستقبلنا. وفي هذا السياق تم التذكير بمسؤولية الاستعمار عما آلت إليه أوضاعنا، والمثال الصارخ في هذا الصدد هو وعد بلفور الذي كان نقطة البداية في اغتصاب فلسطين ثم كان لتواطؤ القوى الغربية وعلى رأسها بريطانيا النصيب الأوفى في إنشاء إسرائيل بما في ذلك الانسحاب البريطاني بليل لتسهيل ولادة الدولة الإسرائيلية. واستمرت بعد ذلك أعمال العدوان الخارجي في 1956 و1967، وها نحن الآن نشهد المخططات الغربية عامة والأميركية خاصة لتفتيت الوطن العربي استغلالاً لمحنته الراهنة. وقد أدى النقاش الموضوعي إلى التوصل إلى المعادلة الصحيحة التي تجمع بين التأثير الأساسي للعوامل الداخلية دون التقليل من شأن العوامل الخارجية.

أما الموضوع الثاني فيمكن القول إنه تمحور حول مستقبل الدولة الوطنية في الوطن العربي، وقد حدث هنا أيضاً التلاقح الفكري الإيجابي بين وجهات النظر المتنوعة وصولاً إلى كلمة السواء، فقد ركز بعض وجهات النظر على خطر التفكك الذي تعرض له بالفعل عدد من الدول العربية بسبب الصراعات الدائرة فيها، وطُرحت أفكار لتجنب مزيد من التفكك تنطلق من الاعتراف بالتنوع في البنى المجتمعية للبلدان العربية وضرورة أن ينعكس هذا الاعتراف على البنية المؤسسية للدولة فلم تعد الدولة المركزية القديمة تلائم هذه الأوضاع، ومن ثم فقد آن الأوان لاعتبار التنوع مصدراً للثراء والقوة في البنية المجتمعية العربية ودون ذلك ستستمر الأزمات التي يسببها تجاهل هذا التنوع. وكذلك آن الأوان لإعادة الاعتبار للصيغة الفيدرالية في بناء الدول، وهي صيغة ناجحة في جميع الدول التي تأخذ بها. وفي المقابل تم تأكيد ضرورة عدم النظر إلى الاتجاهات التفكيكية الراهنة في عدد من الدول العربية باعتبارها قدراً مقدوراً والعمل على وقف الاتجاه نحو التفكيك بشتى السبل الممكنة، لأن إعمال هذا الاتجاه مخالبه في الجسد العربي لن يقتصر على دولة دون أخرى، ومن يبدأ بالعراق وسوريا واليمن وليبيا سيثنّي بالباقين. ومن ناحية ثانية أُثير موضوع الفهم الخاطئ للفيدرالية في الوطن العربي كما يشهد حال العراق الذي توصف الترتيبات الراهنة فيه بالفيدرالية مع أنها انفصال مغلف، كما يشهد بذلك وضع الإقليم الكردي! كما تمت الإشارة إلى ضرورة الوعي بأن الاتجاه إلى التفكيك هو اتجاه بلا نهاية، فالتفكيك يُفضي إلى المزيد منه كما تشهد بذلك تجربة انفصال جنوب السودان، بل إنه حتى بالنسبة إلى بعض الجماعات العرقية الساعية لتكوين دولة خاصة بها فإن ثمة خلافات حقيقية بينها كما تشهد بذلك الحالة الكردية ومن هنا وجب التدبير الرشيد للتعامل مع هذه القضايا.
وهكذا يتواصل منتدى «الاتحاد» عاماً بعد آخر كي يرفد السياسة العربية بخلاصات فكرية تتولد عبر النقاش الموضوعي الجاد لأهم قضايا الحاضر والمستقبل في الوطن العربي.

المصدر: الاتحاد

د. أحمد يوسف أحمد يكتب: حال الأمة العربية في منتدى «الاتحاد» على ميكروسيريا.
ميكروسيريا -


أخبار سوريا 
ميكرو سيريا