تحكمها مصالح معقدة.. كيف ستؤثر معركة الموصل على ما يجري في سورية؟


مضت ثلاثة أسابيع على بدء واحدة من أكبر العمليات العسكرية في العراق ضد أهم معقل لتنظيم "الدولة الإسلامية" في مدينة الموصل، إلى جانب معقله وعاصمته في سورية مدينة الرقة، ويواجه التنظيم حشوداً عسكريةً كبيرة بدعم من التحالف الدولي الذي تقوده أميركا، بالإضافة إلى الجيش العراقي، وقوى مدعومة من إيران.

ورغم ضراوة المعارك التي دارت خلال الأيام الماضية بين القوات المهاجمة والتنظيم، إلا أنها ما تزال تتركز بشكل أساسي في الجانب الأيسر للمدينة، ويعتقد عسكريون عراقيون أن المعركة الحقيقية ستبدأ عندما تنتقل المواجهات إلى عمق الجانب الأيمن من الموصل، حيث الأزقة المتلاصقة والأماكن المغلقة.

غايات وصراع نفوذ

وتتشابك في معركة الموصل غايات دولية وإقليمية ومحلية، وتسعى الأطراف المشاركة فيها إلى تحقيق مصالح لا تصب جميعها في صالح ثاني أكبر مدينة عراقية.

مركز "عمران" للدراسات الاستراتيجية، أشار في تقدير موقف نشره، اليوم الجمعة، إلى أن معركة الموصل تُنبئ بمسارات وسيناريوهات مفتوحة، خصوصاً وأن التعقيد يلازم المدينة من ناحية التركيبة الإثنية والطائفية، ما يجعل من معركتها رقماً صعباً في معادلة العراق الجديد وعاملاً حاسماً في تحديد مصيره.

ويقدم تقدير الموقف تحليلاً لأهداف الأطراف المتعددة المشاركة بمعركة الموصل، فيشير إلى أن الولايات المتحدة الأمريكية التي تقتصر مشاركتها على الضربات الجوية والدعم والإسناد البري، وتقديم المشورات عبر الـ 5 آلاف جندي لها بالعراق، تسعى من خلال هذه المعركة لتثبيت رؤيتها للعراق ومعادلاته السياسية.

ووفقاً لورقة مركز "عمران" فإن واشنطن "لا ترى ضيراً في أطروحات جديدة في العراق يغيب عنها الكيان السني، وتعزيز تحالفها في العراق والمنطقة مع إيران وأذرعها الميليشاوية على حساب حلفائها القديمين كدول الخليج وتركيا، ومن جهة ثانية، وتأجيج الصراع الطائفي بدعم التطرف الشيعي على حساب وجود السنة".

الدور التركي

شكلت مساهمة أنقرة في معركة الموصل سبباً جديداً لخلاف كبير بين تركيا والعراق، ورفضت حكومة بغداد بشدة مشاركة القوات التركية في معركة الموصل عبر قواتها الموجودة في معسكر بعيشقة.

وينظر تقدير الموقف المذكور إلى الرغبة التركية في المشاركة بمعركة الموصل من كونها أنها "ترفض دخول الحشد الشعبي (الشيعي) إلى قضاء تلعفر وذلك بحكم مجموعة من المخاوف والمصالح التركية من مآلات معركة الموصل".

ومن بين تلك المخاوف: "مشاركة حزب العمال الكردستاني إلى جانب الحشد الشعبي في المعارك ووصوله إلى الحدود التركية من الجهة الغربية للموصل، واستخدامه كورقة ضغط إيرانية عليها، إضافة إلى أن سيطرة الحشد الشعبي على تلعفر الحدودية مع مناطق سيطرة تنظيم الدولة في سورية، خاصة مع إعلان قيادات في الحشد عن نيتها القتال إلى جانب قوات الأسد بعد تحرير الموصل، سيدعم فرص مشاركة قوات النظام السوري في عملية تحرير الرقة من تنظيم الدولة على حساب مشاركة تركيا وقوات درع الفرات المدعومة منها".

كما ينتاب أنقرة مخاوف "من تهجير التركمان السنة من قبل الميليشيات الشيعية في تلعفر (...) الأمر الذي قد يُشكل أزمة لاجئين جديدة بالنسبة لتركيا من جهة، وتطويقاً لإقليم كردستان الحليف لها بحزام شيعي من جهة أخرى".

مطامع إيرانية

من جانبها لا تخفِ طهران التي تدعم قوات "الحشد الشعبي" نواياها في استكمال الطريق البري الذي يصلها بسورية عبر السيطرة على تلعفر، مما سيمنح إيران واجهة متوسطية وسيساهم في تسهيل نقل المقاتلين الشيعة والأسلحة لنظام الأسد، وبالتالي سيضعف النفوذ التركي في سورية، بحسب ما تقوله ورقة مركز "عمران".

ويشير تقدير موقف  المركز إلى أنه فيما يتعلق بإيران "فهي المستفيد الأكبر من وجود تنظيم الدولة في العراق، وتحاول حصد أكبر مكاسب من حربه، عبر أداتها الحشد الشعبي، والتي شكلتها بعد فتوى الجهاد الكفائي التي أصدرها المرجع علي السيستاني إثر سيطرة التنظيم على مساحات واسعة من العراق واقترابه من بغداد في 2014، لتتحول تلك المليشيا، إلى جيش رديف للجيش العراقي بل ويفوقه تسليحاً".

وعليه فإن مآرب طهران من مد نفوذها باتجاه مناطق الثقل السني في العراق، "ترسيخ سيطرتها على كامل العراق من جهة، ولإحداث تغيير ديمغرافي في تلك المناطق لصالح الشيعة عبر تهجير العرب السنة الممنهج من المناطق التي يدخلها الحشد، كما حدث في كل من (ديالى وتكريت والفلوجة والصقلاوية)".

"ومن جهة ثانية اختراق مثلث القوى الكردية عبر دعم ضلعي PKK وجناح الطالباني على حساب ضلع البرزاني، إذ أحسنت استغلال انقسامات الشارع الكردي وسمحت لقوات تنظيم الPKK بالتواجد على الشريط الحدودي مع  سورية والقريب من تركيا غرب الموصل وجنوبه وهي مناطق تخلو من الأكراد".

أما عن أهدافها المتصلة بسورية، فتسعى طهران "لتحقيق طريقين للاتصال البري مع سورية، إضافة لإقامة شريط شيعي على الحدود الشمالية والجنوبية، يضعف نفوذ أنقرة في العراق ويحدها من التمدد خارج إقليم كردستان، ويزاحمها في سورية عبر محاولة انتزاع مناطق غرب الموصل وتقليص حجم محافظة الموصل بحيث لا يكون لها أي منفذ حدودي أو اتصال جغرافي سواء مع تركيا أو حتى المملكة العربية السعودية من خلال محافظة الأنبار عبر ضم منطقة النخيب والمناطق المحاذية للحدود السعودية إلى محافظة كربلاء".

ويشير تقدير الموقف إلى أنه خلال ما يحصل، فإن العرب السنة يشكلون الحلقة الأضعف بين الأطراف المشاركة بمعركة الموصل، ويتمثلون بفصيلين صغيرين،وهما، الحشد الوطني ويقدر عدد مقاتليه بين 1500 و3 آلاف، ويتلقى هؤلاء دعماً من تركيا. بالإضافة إلى الحشد العشائري ويضم نحول 15 ألف مقاتل من أبناء عشائر نينوى ويتبع رسمياً لقيادة الحشد الشعبي في بغداد.

معركة الموصل وسورية

يعرض تقدير الموقف 7 احتمالات لتأثير معركة الموصل على المشهد السوري، وتتلخص في:

- انتقال أعداد من مقاتلي "تنظيم الدولة" وبخاصة الأجانب منهم إلى الرقة السورية، إذا شعروا باقتراب سقوط الموصل، وهذا ما سيزيد من صعوبة معركة الرقة كونها ستكون الحاسمة بالنسبة للتنظيم ودولته.

- انتقال أعداد كبيرة من مقاتلي "الحشد الشعبي" إلى سورية لدعم نظام الأسد بعد نهاية معركة الموصل، وهو ما أكدته قيادات الحشد في تصريحاتهم. وتزيد خطورة هذا الاحتمال في حال نجاح الحشد في السيطرة على قضاء تلعفر.

- انتقال عناصر من "حزب العمال الكردستاني" ممن كانوا يقاتلون التنظيم في سنجار لتدعيم مليشيات الـ pyd في سورية.

- فرض روسيا والنظام أنفسهم كطرف أساسي في المعركة وتحول المعركة إلى ساحة جديدة للصراع الأمريكي الروسي. ومن المحتمل أن يشارك النظام من محور السلمية-أثريا كونه يمتلك قوات في تلك المنطقة لمهاجمة مدينة الطبقة واستعادتها لأهميتها البالغة له، كونها تحتوي سد الفرات.

- استغلال قوات سورية الديمقراطية الانشغال التركي وقوات درع الفرات بمعركة الرقة لمعاودة العبور إلى غرب الفرات. ويرجح هذا الاحتمال رغبة النظام وإيران بإرباك تركيا وتشتيتها على أكثر من جبهة.

- قد يستغل النظام معركة الرقة والضغط على التنظيم في الرقة لفتح معركة في دير الزور بالاعتماد على مقاتلي الحشد الشعبي لكسب مساحات أكبر من الأرض.

- انشغال النظام المؤكد بمعركة الرقة وتركيز جهوده على تقديم نفسه وحليفه الروسي كشركاء في مكافحة الإرهاب، قد يمنح قوات المعارضة السورية هامشاً أوسع لإحداث اختراقات على جبهات النظام المختلفة وبخاصة في حلب.

ويخلص تقدير الموقف إلى الإشارة بأن استخدام ذات الآليات في محاربة "تنظيم الدولة" لن تفضي إلى هزيمته، طالما أنها تخلوا من رؤية سياسية متكاملة لأزمة العراق مقبولة من المكون السني.

ويضيف: "كما أنه وبذات الوقت تنذر هذه المعركة بملامح جديدة لصراع قد يكون مباشراً بين الفرقاء المحليين وفقاً لتضارب مصالح الداعمين الدوليين والإقليمين، خاصة في حال زوال "ذريعة مكافحة الإرهاب" المتمثلة بالتنظيم، الأمر الذي وإن بدا مفسراً لحالة التدافع من مختلف الأطراف لتحقيق أكبر قدر من المكاسب على أنقاض "الخلافة"، إلا أنه وبالوقت ذاته يشير إلى اقتراب إنجاز صيغ أمنية إقليمية جديدة لملء الفراغ الحاصل، الصيغ التي قد تحدد شكل وطبيعة المنطقة من جديد، بما يتناسب مع الانكفاء الأميركي والتدخل الروسي".

للاطلاع على النسخة الأصلية من تقدير موقف مركز "عمران"، اضغط هنا. 




المصدر