ترامب والقضية السورية.. حدود التغيير


أعد الكثيرون توقعاتهم وخططهم للتعامل مع السيدة الأولى التي ستسكن البيت الأبيض، باعتبار أن هيلاري كلينتون تأتي من نفس الحزب الديمقراطي الذي ينتمي له أوباما، إضافة إلى أنها كانت وزيرة خارجيته في فترته الأولى (2009 -2013)، وبالتالي فمن غير المتوقع أن تجري تغييرات جذرية على سياساته، رغم أنها أبدت بعض التحفظات على سياسته الخارجية.

أما وقد حدثت المفاجأة وفاز دونالد ترامب فثمة حاجة -بعد انقشاع حالة الهلع التي أصابت البعض- إلى محاولة التعرف إلى الرجل وسياساته التي سيختطها لتؤثر في عدد غير قليل من القضايا والأزمات، وفي المقدمة منها ما يهمنا كعالم عربي وإسلامي، وفي القلب منها الأزمة السورية.

ولأن الرجل لا يأتينا من خلفية سياسية أو حزبية قد تسهل علينا مقاربة رؤيته للأزمة السورية -وغيرها من القضايا- سنحاول تلمس طريقنا من خلال استقراء تصريحاته خلال الحملة الانتخابية، ثم تناول العوامل المؤثرة في قراره، لمحاولة استشراف المستقبل.

خلال فترة الحملة الانتخابية، وفي مناسبات عدة، أدلى ترامب بعدة تصريحات حول الأزمة السورية وطريقة تعاطيه معها مستقبلًا، لعل أهمها نيته "التعاون مع روسيا" للقضاء على تنظيم الدولة (داعش) في سوريا، وهو ما اعتبره الكثيرون نية منه للتعامل مع نظام الأسد (وبالتالي إبقاؤه والحفاظ عليه) ولكن بصورة غير مباشرة، يدعم هذا التقييم أن ترامب -ورغم عدم نظرته للأسد بالإيجاب- ضد تسليح المعارضة السورية ودعمها، لأنها "قد تكون أسوأ منه" على حد تعبيره.

في لقاء مع صحيفة "نيويورك تايمز" في تموز/يوليو 2016، قال ترامب: إنه "معجب جدًّا" بالقوى الكردية وطريقة قتالها، ورأى أنه يمكن لواشنطن الاعتماد عليها، وإن أضاف أنه سيحاول الجمع بينها وبين الجهود التركية.

فيما يتعلق بالدول الإقليمية المؤثرة في الساحة السورية، وإلى جانب نظرته السلبية جدًّا -بل والعنصرية- ضد دول الخليج، تلفت الأنظار دعوته إلى إعادة النظر في الاتفاق النووي مع إيران والتأكيد على الشراكة مع تركيا.

أما على المستوى الدولي فيبدو الرجل أقرب لروسيا وأبعد عن الاتحاد الأوروبي وحلف شمال الأطلسي (يدعو لتخفيض إنفاق بلاده والتراجع عن عقد الاتفاقيات الاقتصادية معهم). ولعل ذلك يتعلق بشكل أو بآخر برفضه تورط الولايات المتحدة خارج أراضيها بشكل عام وفي سوريا على وجه الخصوص، باعتبار أن ذلك من مهام دول المنطقة وقواها.

أما طاقم مستشاري ترامب فلم يصدر عنه الكثير من التصريحات أو المواقف بخصوص سوريا، اللهم إلا النقد الصريح لسياسات أوباما في سوريا بشكل عام، وتحميله مسؤولية ما آلت إليه الأمور هناك، فضلًا عن أفكار أولية قد يفهم منها دعم فكرة المنطقة الآمنة التي تنادي بها تركيا منذ فترة، على لسان اثنين من أهم مستشاريه وهما نائبه "مايك بنس" ورئيس لجنة العلاقات الخارجية في مجلس الشيوخ، وأحد المرشحين لوزارة الخارجية "بوب كوركر".

في المحصلة، تبدو تصريحات ترامب وطاقمه متناقضة بعض الشيء، وهو الأمر المتوقع من شخص لا يصدر عن رؤية متكاملة أو موقف حزبي، كما تبدو في مجملها ضد توجه المعارضة السورية بالنظر إلى إشاراته بخصوص روسيا والأسد والقوى الكردية المسلحة.

لكن، هل هذه رؤية نهائية وناجزة حول سوريا في الإدارة الأميركية الجديدة؟ في الحقيقة لا أعتقد ذلك، للأسباب التالية:

أولًا: تتوزع التصريحات السابقة لترامب بين الشعبوية لدغدغة عواطف الناخبين ومحاولة النيل من حملة هيلاري كلينتون والانطباعات غير المبنية على أسس ومعلومات، وهو ما يصعّب عملية تحولها إلى استراتيجيات وسياسات.

ثانيًا: افتقار الرئيس الجديد إلى الخلفيات الأكاديمية والسياسية والحزبية يعني أنه لا يملك رؤى واضحة في الكثير من القضايا، وفي مقدمتها السياسة الخارجية، وهو ما سيلزمه إلى حد ما بآراء مستشاريه الذين لم تتبلور أسماؤهم بشكل نهائي بعد.

ثالثًا: رغم أن ترامب قدَّم نفسه بنفسه وكان لشخصيته حظ غير ضئيل في فوزه، إلا أنه كان في نهاية المطاف مرشح الحزب الجمهوري، وهو ما سيعطي للأخير -إضافة لما ورد في النقطة السابقة- فرصة توجيهه والضغط عليه لتنفيذ رؤى الحزب أكثر من توجهاته الشخصية، وسيساعده على ذلك الأغلبية التي حققها في مجلسي الشعب والشيوخ، إضافة إلى أن النسبة الأكبر من المساعدين والمستشارين الجدد ستكون بشكل متوقع من دوائر الحزب.

رابعًا: رغم أن كل رئيس أميركي يحظى بهامش معين من الذاتية في رسم السياسات ضمن ما يتيحه له الدستور من صلاحيات، إلا أنه ليس حرًّا تمامًا كما في الأنظمة الملكية، بل تحكم عمله أطر ومحددات تتعلق بصلاحيات المؤسسات الأخرى من الكونغرس للبنتاغون للمؤسسة العسكرية لجهازي الاستخبارات FBI وCIA وغيرها، وهي مؤسسات ستحدُّ بمعلوماتها وصلاحياتها وسياساتها كثيرًا من "الشطحات" التي ظهرت في تصريحات الرجل خلال الحملة الانتخابية وفق محددات الأمن القومي الأميركي، وربما يتضافر معها عامل شركاء واشنطن في العالم مثل حلف الناتو والاتحاد الأوروبي.

خامسًا: ليس سهلًا التحول 180 درجة عن السياسة الخارجية التي انتهجها أوباما على مدى ثماني سنوات كاملة، فقد بنيت عليها مؤسسات ومصالح وأشخاص وأموال واستراتيجيات وحقائق على الأرض (بما في ذلك مواقف الخصوم والحلفاء)، قد يؤدي النكوص الكامل أو السريع عنها إلى خسارات كبيرة لا يسع واشنطن ولا رئيسها الجديد تحملها.

في الخلاصة: ليس من المبالغة توقع تغيرات ستطرأ على السياسة الخارجية الأميركية في العهد الجديد من قبيل التركيز على الاقتصاد وتقليل الانخراط في قضايا السياسة الخارجية نسبيًّا، لكنها لن تكون تغيرات جذرية جدًّا ولا سريعة للغاية.

لن تلتزم واشنطن بالضرورة بما قدمه ترامب من مواقف وتصريحات على مدى الشهور السابقة (وإن كانت تصلح كإطار مبدئي لرؤيته الخاصة)، فتلك مفردات ناسبت الحملة الانتخابية، وليست بالضرورة متناغمة مع ضرورات الرئاسة وحقائها.

أكثر من ذلك، فإن خلفية الرجل ستدفعه إلى الاعتماد أكثر إلى أطر المؤسسات وآراء المستشارين، بما "سيضبط" مواقفه وسياساته إلى حد بعيد، كما سيعطي وزنًا نسبيًّا مهمًّا للمتغيرات في مختلف القضايا المتداولة، ومنها الأزمة السورية.

بمعنى أن الصورة ستتضح أكثر خلال الأسابيع القادمة، مع تبلور أسماء المستشارين والمساعدين والوزراء، ولن تحمل الخير الكثير للقضية السورية وفق المتاح حاليًّا من المعطيات، إضافة إلى أن الأساس والأهم يكمن في تطورات الميدان السوري (سياسيًّا وعسكريًّا) وما دون فانعكاس له أو تأثر به، إن صحت الرؤية وحسنت الإدارة.