الشاعر الإسباني أنخل جيندا: أكتب ضد هذا الواقع الساحق

[ad_1]

يُعد أنخل جيندا (1948) أحد أبرز الأسماء الشعرية الإسبانية في هذه اللحظة، وأكثرها اهتمامًا بمشاكل الإنسان في العالم، وتضامنًا مع قضايا المهاجرين والأقليات، وقربًا للثقافة العربية. إنه شاعر من طراز مرهف، شديد الحساسية للواقع وللغة، تبدو قصائده كسهام موجهة إلى عين الهدف، والهدف دائمًا هو الواقع الذي يتمرد عليه، هو العالم الذي لا يقدم له إلا باقات من العنف والكراهية.

درس جيندا الطب بنصيحة من أبيه، لكنه ذات يوم، وبينما كان جالسًا على دكة في الشارع، يتابع حركة الطيور والناس، السماء والشجر، خرجت منه أولى أبياته الشعرية. قارن، بلا وعي ربما، بين الشعر وتشريح الجثث، الصور المجازية والموتى، محمولات اللغة بالأشلاء. فعرف، في تلك اللحظة، أن الطب لن يكون مسار حياته.

ظل جيندا يكتب أيام الجامعة البعيدة على نحو يومي، لا يتوقف عن كتابة القصائد كأنها طوفان لا يمكن مقاومته. وبعدما ملأ كراسات فكر في مدرّسة الأدب بمدرسته، فاتصل بها ليطلعها على هذه التجربة. مرت أيام وأسابيع وهو ينتظر ردًا يحمل رأيًا ليستريح، ليعرف في أي أرض وضع قدمه. حتى اتصلت به، ذات يوم، لتدعوه إلى بيتها للحديث حول ما كتب. “ما هذا يا أنخل، كيف تكون طالبًا متفوقًا وتكتب هذه التفاهات”، قالت له المدرّسة كلمات تشبه الرصاصات، ما من كاتب يحب أن يسمع مثلها أبدًا، لكن هذه الكلمات القاسية كانت تحتوي بداخلها على رحمة، إذ فتحت أمامه أفقًا بموضوعيتها وصدقها. حينها، كتبت له المدرّسة قائمة تضم أكثر من 50 شاعرًا في إسبانيا والعالم يجب أن يقرأهم أولًا قبل أن يكتب الشعر. “هذا إن أردت أن تكون شاعرًا يا أنخل”، قالت له بجدية متناهية.

اتبع أنخل الوصية بحذافيرها. توقف عن الكتابة وكرّس جل وقته لقراءة هؤلاء الشعراء وبحث عن غيرهم. أثناء ذلك كان يعرف ما الشعر، كان يدرس تجربة كل شاعر، وكان يلاحظ كيف يعبر كل منهم عن الفكرة بلغة دقيقة. المسألة ليست أن الشعراء علموه الشعر، وإنما علموه كيف يعبّر عن العالم بشعرية، وأن يحاول تجاوز التجارب السابقة والكليشيهات. علّموه أن يكوّن صوته الخاص.

درستُ الطب ومارستُ الشعر

يبدو الموت متكررًا في قصائد جيندا، يقول:”ماتت أمي أثناء ولادتي وكانت في الثامنة والعشرين، منذ ذلك الحين وأنا “أتعايش مع الموت”. لكن الأخطر من موت الأم ما يمكن أن يشعر به الطفل، إنها حالة اليتم بالتأكيد، لكنها عند جيندا اكتسبت معنى آخر، معنى شعريًا بالأساس: “في أيام شبابي الأولى كتبت “ولدت قاتلًا…” وهذه القصيدة القصيرة “تعودت على موتِك/ كما تعودت على حياتي”. غياب الأم بهذه الطريقة المأساوية أدى، للمفارقة، إلى حضورها الطاغي، وهو الحضور الذي يقول عنه الشاعر الإسباني: “ما من شيء استطاع الانتصار على غياب أمي إلا حضورها في الشعر، عبر تحويل هذا الحضور إلى ظهور شعري دائم، وبهذه الطريقة تجاوزت عقدة الذنب: هي ماتت لتمنحني الحياة. هذا الظرف دفعني لأفكر في أن الموت هو الموضوع الكبير للأدب والفن”.

مانفيستو “الشعر المفيد”

تمرد جيندا على الشعر السائد في زمنه، ورأى أن الشعر شيء آخر. من هنا جاء إطلاقه لمانفيستو سماه “الشعر المفيد”. يقول جيندا في تفسير المقصود بالشعر المفيد: “يساعدنا الفن على البقاء أحياء، تلك هي فائدته الكبرى. والمانفيستو يدافع عن شعر مفيد يخدم الإنسان: أخلاقيًا ليعيش؛ وجماليًا لنستمتع به؛ وثقافيًا ليثري معرفتنا بالعالم وبعالمنا الداخلي”. لكن هل لاقى هذا المانفيستو قبولا من شعراء آخرين؟ يجيب: “الحقيقة أن الكثير من شعراء جيلي المنتمين زمنيًا لـ”المجددون”، في حقبة السبعينيات، دعموه بقوة، ومن بينهم أشير بالأساس إلى بيري خيمفيرير، أنطونيو كوليناس وليوبولدو ماريا بونيرو”.

الكتابة ضد الواقع

عادًة ما يقول أنخل جيندا إنه يكتب ضد الواقع، لكن كيف تكون الكتابة ضد الواقع؟ يوضّح: “أكتب ضد واقع ساحق لعالم لا يروق لي. إنها نتيجة الشعور بأنك “خارج العالم لأن لك عالما داخليا”. هذا الشعور يدفع الشاعر إلى سؤال جوهري:”إن لم يكن هذا عالمي، فأين عالمي إذن؟”. من أجل ذلك “أصرخ بأقصى عمق “لا” مستديرة/ أنا لا أريد أن أعيش في هذا العالم”. بهذه الطريقة يعثر جيندا على “وسائل تعبيرية تقوي الهروب من الواقع: المجاز، الصورة، المقارنة…”.

الإبداع الشعري كفعل هدم

يعتقد جيندا بالشعر كفعل هدم، أو تفكيك. ويقول: “في طريق تقدم كل حضارة، ما لا يمثل الهدم يقف عائقًا أمام التقدم. إنه عبارة عن بناء، لكنه البناء عن طريق هدم روتينات النظام القديم لمواصلة تشييد نظام جديد. إنه عبارة عن هدم الصمت وصدى الخمول للعثور على صوت الجمال والتحول صوب عالم أفضل، صوب كائن إنساني أفضل رغم أن حالة الإنسان بائسة”.

كيف يرى أنخل جيندا العلاقة بين الشعر والعثور على جواب أو طرح سؤال حول العالم؟ يجيب بأن “الشعر جواب لكل أسئلة الواقع، والأسئلة التي تدور حول الواقع، لأن الفضاء الشعري هو الغموض: واقع الغموض، وغموض الواقع. لكن، بالأساس، الشعر هو سؤال لكل الإجابات. بالطبع للواقع منطقه، لكن الشعر بلا منطق، الشعر هو اللامنطق، لأنه يصبو إلى “واقع آخر” مختبئ. الشاعر يسأل نفسه باستمرار: من أنا؟ ماذا أنا؟ حتى إن الشاعر نفسه متناقض تناقض الحياة التي تتطلع إلى عينيه عبر نوافذ الموت”.

جيندا والثقافة العربية

يعتقد جيندا أن الشاعر لا يمكن أن ينفصل عن ثقافة العالم، تلك الثقافة التي تعمل بالأساس على إثراء تجربته، لكن كيف يرى القديم؟ يقول: “في رأيي المتواضع أن الإرث الثقافي ميراث يثري من يعرف أن يحاكيه، بالإضافة لإرث الشعرية الغربية، التي تمر الآن بأزمة، كان شعري الذي ما زلت أكتبه محظوظًا بأن اغتنى بأعمال شعراء من عوالم أخرى، مثل الإيراني محسن عمادي والهندي سوبهرو باندوباديايا. لا أدري إن كانت محض صدفة أم قدراً (لا يمكن تجنبه) أنني خلال العقد الأخير تعرفت شخصيًا، كما تعرفت إلى أعمال، بعض الشعراء الكبار باللغة العربية، مثل المصري أحمد يماني (وهو أحد أساتذتي الحاليين) والسوري أدونيس، والعراقي عبد الهادي سعدون والعماني زاهر الغافري، كما تعرفت إلى سرد المصري طلعت شاهين، من بين أسماء أخرى كثيرة. يمتلك الأدب العربي خيالاً شديد الثراء في معالجة الصور، لدرجة الدهشة”.

حي “لابابييس” كحي كوزموبوليتاني

يعيش أنخل جيندا بحي “لابابييس” بوسط مدريد، وهو الحي المعروف عنه تجمع الأجانب والمهاجرين. يتميز الحي بشكل عام بهذا التنوع الثقافي ما بين شرقيين وغربيين وأفارقة، وهو ما منح له فرصة للتقارب من سكانه وعابريه ليتعرف إلى ثقافات العالم بتنوعها. أثناء ذلك، لاحظ جيندا أزمة المهاجرين ولمسه بيده، حتى أنه كتب قصيدة عنهم تشفق عليهم من حالهم التعس وسط قسوة بلده.

بذلك، يصنف جيندا إسبانيا إلى إسبانيات متعددة، يقول:”هناك إسبانيا المتسامحة والحساسة التي ترحب بالمهاجرين بتضامن وأمل؛ وهناك إسبانيا أخرى، إسبانيا البيزنس والسمسرة، تلك التي تقبل المهاجرين كعمالة رخيصة؛ وهناك إسبانيا الثالثة وهي الأقلية غير المهيأة اجتماعيًا وثقافيًا، وهي التي تقبلهم بكراهية ما أو ترفضهم بفكرة أنهم سيشغلون أماكنهم في العمل. حاليًا، وبسبب الأزمة الاقتصادية الأوروبية، بدأ الإسبان في فهم الهجرة، إذ إن هناك شبابًا إسبانًا تعثروا في العثور على عمل، ما اضطرهم إلى الخروج للعمل في فرنسا أو المملكة المتحدة أو ألمانيا أو الأرجنتين.

الحياة في ديكتاتورية فرانكو

ولد جيندا عام 1948، وحكم الديكتاتور فرانكو من 1936 حتى وفاته عام 1975. بالتالي، توافقت الديكتاتورية مع طفولته ومراهقته وبداية شبابه. يحكي جيندا أنها “كانت نوعاً من ديكتاتورية “السلام العنيف” تبعت انقلابًا عسكريًا على سلطة الجمهورية الشرعية وأدت لحرب أهلية استمرت ثلاث سنوات. وكانت ديكتاتورية متحالفة مع الكنيسة الكاثوليكية، وتمتعت برقابة عنيفة على الثقافة وحرية التعبير والتجمع والتظاهر.

يواصل: “أتذكر أني سافرت إلى باريس لأحصل على أعمال لكتاب معينين ممنوعين في إسبانيا. وفي عام 1973 انضممت للحزب الشيوعي في إسبانيا، في جهاز الدعاية. وبقيت فيه حتى 1980”.

لكن كيف كان حال الشعر والسرد تحت الديكتاتورية؟ يجيب جيندا: “خلال تلك الفترة انحدر الشعر، حتى جاء جيل الخمسينات مثل بلاس دي أوتيرو، ثيلايا، خيل دي بييدما، أنخل جونثالث، بيلانتي أو أنخل فيجيرا أيميريتش وإلبيرا داوديت”. ويضيف: “أما السرد فقد نجا بروايات لميغيل ديليبيس، سانتشيث فيرلوسيو، ثيلا، مارتين سانتوس، كارمن لافوريت، كارمن مارتين جايتي”.

أزمة الشعر الحالية

يعاني الشعر في إسبانيا كما يعاني في العالم العربي، يبدو أنه مصيره الذي يجب أن يواجهه. لكن، هل ستؤدي هذه الأزمة إلى موت الشعر؟ يقول جيندا: “سيعيش الشعر ما دام الإنسان حيًا، إنه ملتصق بالطبيعة الإنسانية، بالحاجة للتعبير عن نفسه، بالتواصل. سينجو الشعر في صراعه ضد أزمة الحضارة الغربية، المريضة بالتفاهة أو اللامنطقية، بالاستهلاكية المفرطة، بالتبعثر وبالعقم.

رؤية شكلية

يرى جيندا أن “الكلمات هي أعضاء جسد الشعر، واللغة هي روحه. الشعر يمنحنا الحياة التي نمنحها له، والحياة التي نفقدها. تغني الحياة عبر أبيات القصيدة وتحكي عبر قصيدة النثر، وهي أيضًا غناء بإيقاع آخر. الشعر سحر. وكل قصيدة تبحث عن جسدها”.

رغم تنوع موضوعات جيندا الشعرية، ثمة ثيمات تتكرر في كل مرة من وجهة نظر مختلفة. يقول الشاعر الإسباني:”الخوف أحد هواجسي منذ الطفولة: خوف من المجهول لكن أيضًا من المعلوم. أحلامي لا تخرج عن كونها كوابيس متكررة. مع تقدم السن يشغلني اعتلال الصحة، الرقود في المستشفيات، وبالطبع: الموت، ربما لأنني أحب الحياة جدًا رغم الكراهية التي تسود في هذا العالم المتصارع”.

[ad_1]

[ad_2]

[sociallocker]
صدى الشام
[/sociallocker]