أهم 4 آثار سلبية للاقتتال الداخلي بين فصائل الثورة السورية

 

شهدت مناطق مختلفة على امتداد الأعوام الماضية اقتتالات بين ، والتي بلغت ذروتها وحدتها خلال الأشهر الماضية، وكان أبرزها اقتتال جيش الإسلام مع فيلق الرحمن وجيش الفسطاط في الشرقية، واقتتال حركة نور الدين الزنكي وكتائب أبو عمارة مع تجمُّع فاستقم كما أمرت في ، وأخيرًا اقتتال حركة الإسلامية وجيش وأحرار سوريا مع في ريف حلب الشمالي.

ويستطيع المراقب لردود أفعال الحاضنة الشعبية للثورة السورية أن يلاحظ بشكل جلي جملة من الانعكاسات السلبية عقب كل اقتتال، وبعضها يبقى مستمرًّا لفترات طويلة حتى بعد انتهاء الاشتباكات وتصالح الأطراف.

 

التراجع الميداني 

لا يخفى على أحد أن الثورة السورية مُنيت بهزائم عسكرية لصالح نظام عقب كل اقتتال داخلي، وظهر هذا الأمر بشكل واضح جدًّا خلال اقتتال الغوطة الشرقية ومدينة حلب؛ حيث شهدت الغوطة سقوط أكثر من 17 قرية وبلدة منذ اندلاع الاشتباكات بين فصائلها وحتى اللحظة، كما أدى اقتتال حركة نور الدين الزنكي وتجمُّع فاستقم كما أمرت إلى تعطيل فك الحصار عن حلب وتغير ميزان القوة لصالح قوات الأسد التي تمكنت من استعادة زمام المبادرة.

 

إحجام المغتربين والمتبرعين عن تقديم التبرعات للفصائل

تعتبر تبرعات المغتربين البالغ عددهم أكثر من مليون مغترب في دول الخليج العربي، بالإضافة إلى أكثر من 700 ألف سوري من أصل 2.7 مليون في قادرين على التبرع، بالإضافة إلى تبرعات المتعاطفين مع سوريا، مصدرًا هامًّا لدعم الثورة السورية بمختلف نشاطاتها العسكرية والطبية والإغاثية، خاصة في ظل غياب الدعم الدولي القوي والمؤثر.

وتشير استطلاعات رأي عديدة، أجرتها شبكة على شريحة واسعة من المغتربين أو المتعاطفين مع سوريا، إلى انخفاض رغبتهم في تقديم الأموال والدعم للفصائل، واتجاههم أكثر لدعم أنشطة إغاثية أو طبية لا يقوم عليها أيّ فصيل؛ وذلك خشية أن يساهموا بأموالهم في تقوية الفصائل على بعضها بحسب وجهة نظرهم.

وأفاد “عبد الرحمن الشامي” أحد المغتربين السوريين الناشط في مجال جمع التبرعات أنه بات مؤخرًا يسمع عبارات صريحة من بعض المتبرعين ترفض تقديم الأموال للفصائل؛ خشية أن تستخدم أموالهم في قتال داخلي وليس ضد نظام الأسد، ومن جملة العبارات التي نقلها لنا: “أنا أثق بك يا أخي لكنني لا أثق بمن توصل إليهم، فكم سمعنا من خلاف أدى إلى اقتتال؛ فمن يضمن لي ألا تستخدم أموالي في غير ما تبرعت لأجله!!”.

وفي حوار مع أحد الأطباء المقيمين في إحدى دول الخليج (نتحفظ على ذكر الاسم والبلد) أبدى انخفاض رغبته في جمع أموال متبرعين قد تذهب لفصائل عسكرية، مؤكدًا بالوقت نفسه أن قلبه يرتاح أكثر لتقديم وجمع الأموال لصالح النشاطات الإغاثية أو الطبية أو الإسعافية؛ لأن شبهة استثمار تلك الأموال في قتال داخلي شبه معدومة عندما يتم تقديمها للجمعيات الخيرية.

وتشير التقديرات أن التبرعات الخارجية الواردة إلى سوريا يصل معدلها الوسطي بين 25 -40 مليون دولار شهريًّا.

 

إحباط الحاضنة الشعبية

تساهم أخبار الاقتتال الداخلي التي تنتشر كالنار في الهشيم من خلال الوكالات والنشطاء في إيصال رسالة محبطة للحاضنة الشعبية، وتلك الحاضنة بشكل عام تنظر إلى الفصائل على أنها وسيلة لقتال النظام، ولا تنظر لها على أنها مشروع بحد ذاته يجب مناصرته بكل الأحوال.

ومن خلال رصدنا لوسائل التواصل الاجتماعي عقب كل اقتتال يمكن أن نتلمس الإحباط الذي يصيب تلك الحاضنة وشعورها بطول الطريق، وأن الفصائل تساهم في المشقة على السوريين بسبب تفرق مشاريعها، ولعل مما يزيد الطين بلة اتجاه الفصائل عبر منابرها الرسمية، وعن طريق النشطاء المقربين منها، وعن طريق استخدام وسائل التواصل الاجتماعي إلى تكثيف الحديث والنشر عن الاشتباكات والتوعد بالاستئصال وإنهاء الطرف الآخر، الأمر الذي يعطي رسالة واضحة للحاضنة أن البوصلة انحرفت تمامًا.

 

تعزيز رواية نظام الأسد بأنه يحارب عصابات مسلحة وليس أصحاب قضية

يقاتل مع نظام الأسد ميليشيات تابعة لأكثر من 6 جنسيات، وعلى الرغم من ذلك يحاول إعلامه دائمًا التركيز على فكرة أنهم حلفاء وجاؤوا إلى سوريا بطلبٍ منه، ويسعى دائمًا للترويج لفكرة أنه السلطة الحاكمة والقادرة على إدارة شؤون الشعب، وأنه يواجه عصابات مسلحة وليس أهل قضية، ويحرص بين الفترة والأخرى على عمل لقاءات وحوارات مع منابر إعلامية إقليمية وعالمية للتأكيد على تلك الرسائل، وهنا تكمن خطورة الاقتتال الداخلي بين الفصائل؛ حيث يعزز من هذه الرواية باعتبار أن أصحاب الهدف الواحد (مواجهة نظام ظالم) ليسوا بوارد قتال بعضهم.

ومما يلعب دورًا سلبيًّا في سرعة نقل صورة سيئة عن فصائل الثورة، اللجوء إلى وسائل التواصل وإلى الوكالات سواء المحلية أو العالمية للتجريح من الطرف الآخر، الأمر الذي يؤدي بالمحصلة إلى تناقل الأخبار وترك انطباع سيئ لا يزول حتى بتوقف الاقتتال.

 

لقد دخلت الثورة السورية في منعرجات خطيرة قبل ذلك، وأهمها: القتال مع تنظيم الدولة، والتدخل الإيراني والروسي، وثبتت ثباتًا منقطع النظير في وجه التصدي للأعداء الخارجيين، إلا أن حساسية وصعوبة المرحلة الحالية تكمن في أن المشكلة انتقلت إلى البيت الداخلي، ما سيسهل تفوق العدو الخارجي في المعركة في حال استمرت الأمور على نفس النهج ما لم يسارع العقلاء من مدنيين وعسكريين إلى صياغة مشروع جامع يحدد فيه التعاطي الداخلي والخارجي، ما سيحد بشكل كبير من تلك الصدامات.