مدرعات “جيش حزب الله” ترسم مناطق نفوذ إيران في بلاد العرب
17 تشرين الثاني (نوفمبر - نونبر)، 2016
فؤاد عزام
الولايات المتحدة غير معنية بمسألة وجود “حزب الله” في سورية، بقدر ما يعنيها وجود آليات من صنع أميركي في الاستعراض العسكري الذي أجراه -في الآونة الأخيرة- في القصير في سورية، بحسب ما عبّرت عنه الناطقة بلسان الخارجية الأميركية، كذلك إسرائيل، التي مرت عشرات المدرعات والآليات ومئات مقاتلي هذا الحزب على مرأى من أقمارها الصناعية وطائراتها الاستطلاعية، وحدهم سكان القصير وغيرهم من السوريين، كانوا يراقبون من خلال خيام لجوئهم رئيس المجلس التنفيذي لحزب الله “هاشم صفي الدين” وهو يومئ بسبابته بأن لا خروج لقوات الحزب “التي أصبحت جيشًا” نظاميًا من سورية إلا بالانتصار.
مدرعات جيش حزب الله في القصير المتأهبة لرسم مناطق جديدة، تضاف إلى مناطق نفوذ إيران التي رسمتها في ريف دمشق، وتلك التي تخضع لميليشاتها الأفغانية والباكستانية والعراقية وغيرها، قد تصل إلى حلب حيث مصانع الصواريخ الإيرانية التي استخدمت في حرب تموز عام 2006 ضد إسرائيل، كما قال رئيس الأركان الإيراني محمد باقري، وهي الذريعة التي يبدو أنها البديلة لذريعة حماية المقامات الدينية التي استهلكت.
إيران من خلال استعراض مدرعات جيشها (حزب الله) الذي بات قوة إقليمية، تعلن بوضوح أن وجودها الآن لن يكون موقتا، بل وجودًا دائمًا، فهذا الاستعراض الذي تم على أرض سورية يشبه العروض العسكرية التي كان يجريها الحزب في ضاحية بيروت الجنوبية والبقاع اللبناني، بل؛ وحتى تلك التي تجريها إيران في شوارعها.
حزب الله -بحسب أحد أبرز قادة ميليشيات القوات الإيرانية في سورية، الجنرال محمد علي فلكي- يعترف صراحة بأنه لم يكن ضرورة لبنانية، بل ضمن متطلبات إيران، ويقول: “إن إيران هي التي أوجدت حسن نصر الله، وصنعت منه زعيمًا لحزب الله”.
ويضيف فلكي -بحسب ما نقل عنه موقع مشرق الإيراني المقرب من أجهزة الأمن الإيرانية- إن حزب الله قسمان: “الأول حزب الله – لبنان، والثاني حزب الله – سورية”، المكون -بحسب تعبيره- من “أهالي دمشق ونُبُّل والزهراء”، ويضيف أنه فيما يخضع القسم اللبناني للجيش الإيراني، وهو أحد فيالقه، ينضوي “حزب الله سورية” مع الميليشيات الأخرى ضمن مايسمى بـ “جيش التحرير الشيعي” الذي كشف عنه فلكي، وهو يخضع للحرس الثوري الإيراني، كما “لواء فاطميون” المؤلف من فرق أفغانية، و”لواء زينبيون” المؤلف من الباكستانيين، و”لواء الحيدريون” المكون من الشيعة العراقيين.
ذريعة “حماية مراقد آل البيت” التي تمددت إيران في سورية من خلالها، سقطت أمام مدرعات حزب الله التي بدأت تتمدد في البلاد بعد تهجير أهلها ليس في القصير فحسب، بل في داريا وحمص ومناطق في دمشق القديمة كالسيدة رقية، والسيدة زينب وعدرا، فيما تعمل على أن تكون مناطق مثل الريف الحمصي المحاذية لمناطق حزب الله في لبنان، والزبداني والنبك، مرورًا بتدمر؛ حتى الحدود العراقية، مناطق متصلة تشكل ممرًا مهمًا لها إلى البحر الأبيض المتوسط؛ وهو المشروع الذي تعمل عليه منذ سنوات، كما يقول مسؤول أوروبي لصحيفة الـ “أوبزيرفر” البريطانية.
إيران الدولة، سياسيًا واقتصاديًا، تختلف كثيرًا عما يُعلَن عن إيران “الدينية”؛ فهي غير معنية لا بالعقيدة ولا بالمراقد ولا غيرها، وإنما تستخدم ذلك أداة للتوسع من خلال حشد البسطاء من الشيعة العرب وغيرهم، وتجييشهم للقتال، خدمة لمصالحها الاقتصادية، وليس بعيدًا عن هذا حشود جيش حزب الله؛ فهي لا تختلف عن غيرها من الدول، من حيث الدوافع الاقتصادية؛ لتنفيذ مخططاتها، وإن كانت تغلفت بأشكال مختلفة كما المخططات الأميركية والإسرائيلية وغيرها، لكنها تتفق -بمجملها- على تقاسم النفوذ في البلاد، وقد أعطاها النظام فرصة إيجاد “إرهاب” يكون ذريعة كبرى لمخططاتها التي تحقَّق من منطلق محاربته، لكن الذي يدعو للدهشة هو أن تحارب ميليشيا إرهابية تقتل الشعب السوري الإرهاب كـ “جيش حزب الله” والميليشيات الإيرانية الأخرى.
المسألة العقائدية بالنسبة لإيران هي خطوات تكتيكية، أو كما يوصف بـ “عدّة الشغل”، سرعان ما تتخلى عنها حين تدعو الضرورة، وتجد تبريرًا لذلك يقنع البسطاء الذين غررت بهم، فعلى سبيل المثال، اختفت من شوارع طهران ومساجدها بعد الاتفاق النووي شعارات الموت لأميركا والموت لإسرائيل، وأعلن القيادي في ميليشيات “الباسيج”، التابعة للحرس الثوري الإيراني، العقيد برات زادة، حينها أن منشأ “روح مقارعة الاستكبار” وشعار “الموت لأميركا” و”الموت لإسرائيل” هو من كربلاء وواقعة عاشوراء، وأن المساجد هي خنادق؛ لحماية “الثورة الإسلامية”، في حين رفعت الولايات المتحدة اسم إيران من “محور الشر”، وظهرت لافتة كبيرة في أحد شوارع “تل أبيب”، مرسوم عليها العلم الإيراني إلى جانب العلم الإسرائيلي مع عبارة تقول: “ستفتح هنا السفارة الإيرانية”.
الأماكن التي يوجد فيها مقاتلو حزب الله في القصير والقرى المجاورة، أو من خلال احتلالهم المنازل التي هُجّر أصحابها منها، أصبحت الآن مستوطنات عسكرية، بعد أن مُنع السكان من العودة إليها، وتشكل نقاط تجمع متقدمة، كما المناطق المحيطة بالمقامات الدينية في السيدة زينب والسيدة رقية والسيدة سكنية، لرسم نفوذ إيران، وقد أعطاهم النظام “الشرعية” في ذلك حين قال: “سورية ليست للذي يعيش فيها، ولا للذي يحمل جواز سفرها، بل للذي يُدافع عنها”، وهذا الاحتلال بصيغة النفوذ بالوكالة يسعى -الآن- للتمدد باتجاهات مختلفة، ليس أقربها على ما يبدو حلب.
لا شك في أن إسرائيل سعيدة بذلك، وإن كان حزب الله بعيدًا عن حدودها، ولا يشكل خطرًا عليها بعد قرار مجلس الأمن رقم 1701 لعام 2006، وفي ضوء ما يتسرب عن لقاءات سرية إيرانية – إسرائيلية، وهي أكثر سعادة بتنسيقها الجوي مع الروس، الذي يرعى ليس قوات النظام في تقدمها وقصفها مناطق الثوار فحسب، بل إيران وميليشياتها كذلك، ومن تلك المليشيات “جيش حزب الله”؛ فإسرائيل -كما قال رئيس وزراء روسيا، ديمتري ميدفيدف، خلال زيارته الأخيرة لإسرائيل- أبلغته أنها تعدّ رئيس النظام السوري أفضل لها من سواه، على الرغم من أنها لا تؤيده، في حين ترددت أنباء مفادها أن روسيا تدخلت في سوريا لحماية الأسد؛ بناء على طلب إسرائيلي.
تكتفي وزارة الخارجية الأميركية بالتعبير عن قلقها الشديد، بحسب الناطقة باسمها، في حال تبين لها إن هناك آليات أميركية كانت ضمن الاستعراض العسكري الذي أجراه حزب الله في القصير السورية، قد تكون وصلت من خلال الجيش اللبناني، أو أي طرفٍ آخر إلى “حزب الله”، الذي تعده الولايات المتحدة منظمة إرهابية، لكنها لن تحاربه، كما تحارب المنظمات الإرهابية “السنية” الأخرى، فهو بحسب التسريبات الشهيرة لوزير خارجيتها جون كيري، “لم يُلحق بها ضررًا”.
السوريون -وحدهم- لا يشعرون بالقلق من جيش حزب الله وإيران وميليشياتها، والروس وغيرهم من الذين مازالوا يُدمّرون بلدهم، ويقتلون أهلها ويشردونهم؛ فلم يعد لمعنى القلق أي أهمية أمام سخطهم وغضبهم على المجتمع الدولي البعيد، ومن الأشقاء الأقربين الذين فشلوا في امتلاك أي مشروع عربي يواجه مشروع إيران الأخطر، والذي عاجلًا أم آجلًا ستصل مدرعاته إلى صحرائهم وواحاتهم.
[ad_1] [ad_2] [sociallocker]
[/sociallocker]