دلال البزري يكتب: يساريون يضربون أنفسهم مجدداً


دلال البزري

“حزب الله” يمنع أغاني فيروز في الجامعة اللبنانية، فتنطلق الأقلام مستنكرة. وتتدفّق التعليقات الفايسبوكية ومقالات الرأي والبيانات السياسية. كلها مع حرية الفن والرأي وإلى ما هنالك. وكالعادة، ثمة “تحفّظ” يساري، يشبه ذاك الذي ظهر في وقائع منع أخرى، من نوعية أنها “حالات فردية”، أو “تضخيمات إعلامية”، أو “الثقافة التقليدية” الخ. هذه المرة أيضاً، توزّعت “الآراء” بين ذكر الواقعة واستنكارها طبعاً، ولكن من دون الإشارة إلى بطلها، أي “حزب الله”. هكذا فعل الحزب الشيوعي اللبناني، في بيان تنديد بها، فتكلم عن “تردّي الأوضاع في الجامعة اللبنانية”، بفعل “بعض الممارسات الفئوية القمعية”، مكتفياً، للدلالة على موضوع بيانه، بالإشارة إلى كون الواقعة حصلت في “مجمع الحدث الجامعي”؛ ومن دون تحديد من المسؤول عن تلك الممارسات ولا نوعيتها، ولا حتى ذكر اسم فيروز. ولكن هناك من بين أولئك اليساريين من تكلّم بوضوح مختلف، فسطّر بكلمات من ذهب ما يجول في بواطنهم، ما لا يجرؤون على إعلانه هكذا صريحاً، خشية التضارب بين الأيديولوجيتين، اليسارية والدينية. ماذا يقول أفصحهم في منع “حزب الله” أغاني فيروز في هذا الصرح العلمي؟ ماذا يريدها أن تعلم، جماهير “القاعدة اليسارية والليبرالية”؟ يذكرها أولاً، ما أغفلته، من ان الحزب “هو حزب إسلامي اثني عشري”، وان “الناس” نسيت ذلك، أو تناست حفاظاً على “حبها لحزب الله” (وصفة النسيان حفاظاً على الحب!)، وصاروا يرونه “كما يحبون أن يكون، لا كما هو في الواقع”. والحزب حرّ بمنع أغاني فيروز، وبناء عليه، “تدبروا أمركم”! فالحزب “لن يبث، ولن يسمع الموسيقى التي يريدها ذوقكم الفني”. هو ساير التركيبة اللبنانية المتعددة طويلاً، وذلك “لمصلحة التعايش” و”حسابات المرحلة”. ولكنه لا يمكن “أن يسلخ جلده”، وأن لا يكون إسلاميا. والعبْرة من كل ذلك، دعوة تنْضح حكمة لليساري، أو الليبرالي الممانع: “خذه (أي الحزب) كما هو، وإن شئتَ فخذْ ما يناسبك منه”. ومع الدعوة، “تذكير” بـ”سوابق” لأحزاب سبقت “حزب الله” إلى الساحة، وهي أيضا منعت ونهرَت، إليكَ حرفيتها: “التعبئة الطلابية (الحزبلهية) تمنع. سابقاً طلاب حركة “أمل” منعوا أيضاً. ما من حزب سواء في الغربية او الشرقية، بحسب تقسيمات الحرب الأهلية، إلا ومارس المنع”… هكذا تبنى البيئات الحاضنة وتتوسع؛ بالتدريب على الطاعة. وهكذا يرمّم الكاتب اليساري الممانع ذاكرته الحربية؛ بغمس عقله في عفاريتها. يتوجه إلى جمهور من الدائرة الواسعة، لا الضيقة الملتزمة تعاليم الحزب الدينية، الجمهور-النواة. الجمهور “المودرن”، الذي راهن لفترة على ان الحزب سيغضّ الطرف عن مزاجه المحبّ للفن والحياة، سيتهاون مع فيروز أو غيرها. خصوصاً ان هذا الجمهور دعم الحزب سابقاً بسخريته من خصومه الذين يرفعون الحياة بوجه موت حتمي لا يعدنا الحزب بغيره. وها هو الآن يعلن استسلامه، بالصمت حينا، بالمغْمغمة، بالعموميات، بأنصاف الحقائق حيناً آخر؛ أو بالدعوة، ومن المنطلق اليساري نفسه، إلى الإذعان للممنوعات المتجدّدة للحزب على تفاصيل الحياة الفنية او الثقافية. على أساس ان الحزب “حرّ”، أما انتم فـ”اصطفْلو”، دبّروا أمركم، ولكن لا تعودوا عن إحتضانكم للحزب. وكأن إفلاساً ما أصب حجته الممانعة. في السابق، عندما كانت تفوح روائح تخريب وإجرام وفساد من الحزب، لم يكن هناك سوى حجة واحدة: مهما شنّع الحزب بالأشياء، فهو في النهاية يحارب الصهيونية؛ أي قدسية الأولويات. الآن، تبدّدت هذه الحجة، فالحزب يحارب اليوم في سوريا إلى جانب بشار الأسد، وبأمرة إيرانية، لا ينفيها، ويساهم مع الإثنين في تدمير سوريا. ولا يستطيع اليساري الممانع أن يرفع حجة “أولوية الحرب في سوريا”، كما رفع “أولوية الحرب على الصهيونية”. على الأقل لا يستطيع في العلن. وإذا حصل أن تغاضى اليساري الممانع، وكبّر عقله، فبدّل الحجة وقال “أولوية محاربة التكفيريين”، كما يقول الحزب نفسه، فسوف يقع في إنفصام مريع: فكيف يقتل هذا الحزب المحبوب التكفيريين، وطلائع تكفيريته بادية للعين المجرّدة؟ كيف يكون معادياً للتكفيريين ويمنع ما يمنعه التكفيريون؟ وكيف ليساري ممانع أن يحتج على منع أغاني فيروز، ويستمر بتأييد صاحب المنع في حربه على من يمنع كل الأغاني؟ اليساري الممانع يضرب نفسه مجدداً، وسوف يستمر بالضرب حتى يصبح عقله نسخة مقلّدة، صينية، عن العقل الحاكم في بيئته. شريط قديم لحسن نصر الله، يحرم فيه الغناء.

المصدر: المدن

دلال البزري يكتب: يساريون يضربون أنفسهم مجدداً على ميكروسيريا.
ميكروسيريا -


أخبار سوريا 
ميكرو سيريا