Written by
MICRO SYRIA ميكروسيريا
on
on
“توثيق الظلام”.. يطرق أبواب السجون السورية
“لقد أتيتم إلى مثواكم الأخير، هنا جهنم، هنا حيث (الله) لا يدخل، بأمر من الرئيس حافظ الأسد، فلا تستنجدوا بأحد!”بهذه العبارات يبدأ “حفل الاستقبال الرسمي” للواصلين الجدد إلى المعتقل الصحراوي، كما يروي علي أبو دهن، المعتقل اللبناني السابق في سجن تدمر، خلال افتتاح مؤتمر “توثيق الظلام”، الذي عقد في العاصمة السويسرية منتصف كانون الأول الجاري. فرج بيرقدار، وعلي أبو دهن، وبراء السراج، ومحمد برو، ووائل السواح، خمسة معتقلين سابقين في تدمر، اجتمعوا في مدينة برن قادمين من بلدان متفرقة، على مدار يومين، بدعوة من مؤسسة “أمم” للأبحاث والتوثيق و”إيتانا”، ليرووا قصة السجن الكبير، الذي لم تُمح بعد آثاره في نفوسهم وأجسادهم. يقول أبو دهن، رئيس جمعية المعتقلين اللبنانيين في السجون السورية، وفي صوته بحة بدأت بعد ابتلاعه قسرًا لعصفور ميت، جرح الحبال الصوتية في حنجرته، إنه لا يمكن أن ينسى ما مر معه في سجن تدمر “أبدًا” بعد 16 عامًا من خروجه منه، وكل ما مر معه محفور بذاكرته “كنقش الحجر”. لم يعد مهمًا تعداد أشكال التعذيب، فهي نفسها في كل مكان يحكمه جلاد، هي نفسها لا تفرق بين الجنسيات والانتماءات والتهم، لكن الأهم في الموضوع، هو كسر المعتقلين لـ “تابوه” تجربتهم في السجون السورية، “التابوه” الذي كان قد عقد ألسنة معتقلين آخرين في سنوات التسلط الحديدية، وعلى اختلاف جنسياتهم، يقول أبو دهن. ويضيف المعتقل السابق، وهو واحد من 782 لبنانيًا وثقت مؤسسة “أمم” اعتقالهم في السجون السورية، “ما شهدناه وخبرناه وطبع في ذاكرتنا نحن، ما تشاهدونه أنتم اليوم في الصور المروعة عن معقتلين قضوا جوعًا وبترًا لأعضائهم التناسلية وألسنتهم، هو نفسه ما سنشاهده اليوم وغدًا من تعذيب وترهيب وإرهاب، إلى قتل ودماء وإجرام، ما لم تتحرك الأمم المتحدة والقوى العظمى، مع الجمعيات غير الحكومية المعنية بتطبيق شرعة حقوق الإنسان، لإيقاف هذه المهزلة اليومية غير الإنسانية بحق المعقتلين السورييين واللبنانيين وغيرهم، في كل سجون النظام السوري”. يختصر المعتقل اللبناني في السجون السورية تجربة 13 عامًا قضاها في “جهنم”. يقول محمد برو، معتقل سوري سابق في تدمر، “إذا أراد المعتقل أن يتكلم عن وجبة إفطاره في السجن فقط، فسيحتاج إلى عشر ساعات على الأقل”. برو، اعتقل في السابعة عشرة من عمره في أيار 1980 بتهمة الانتماء للطليعة العسكرية في جماعة “الإخوان المسلمون”، ونجا من الإعدام لعدم بلوغه السن القانونية حينها، فحكم عشر سنوات، امتدت إلى 13 سنة، ونقل إلى سجن تدمر، ليقضي فيه 12 عامًا، وليكون شاهدًا على حقبة من التعذيب الوحشي، وعمليات الإعدام الميدانية التي نفذها حافظ الأسد. استهل محمد برو كلمته في المؤتمر بقول لبطل فيلم “خيالات أرجنتينية”، الذي يحكي قصة الاختفاء القسري في الأرجنتين، “إن الناجين لا ينسون أبدًا”، مردفًا “ماذا يبقى إذا نحن نسينا؟ فحياتنا مجرد ذاكرة مضت، وإذا نفدت أو ضاعت لا يبقى شيء”. يعتبر برو أن سرد الحكايات آلية من آليات مقاومة ما يجتهد النظام فيه لطمس الحقائق، وأن التوثيق يرد الاعتبار للضحايا، وإن لم يرد لهم الحق، فهو يخلدهم في ذاكرة الأمة والمجتمع، وأيضًا يطبع المجرم ويدينه. وتبلغ ذروة أهمية التوثيق، برأي برو، في الكم الهائل من الشهود والضحايا والناجين، ممن عاشوا الأزمة السورية منذ الثمانينيات حتى الآن، الذين يسردون رواياتهم ويدلون بشهاداتهم حول ما واجهوه من انتهاكات وظلم، لمحاصرة الجناة وإدانتهم، وهو الحد الأدنى الواجب على طريق العدالة. يقول برو إن تدمر شهدت إعدام ما يزيد عن 15 ألف معتقل، بدون أن يصدر أمر خطي واحد من رئيس الجمهورية، وكانت معظم الأوامر تعطى شفهيًا، لإدراك النظام المبكر لأهمية الوثائق والأوامر المكتوبة في إدانته لاحقًا في أي محاكمات أو مساءلات، وهو ما يعتبره أحد أهم تحديات توثيق الجرائم في سوريا. واستحدث سجن تدمر في عام 1966 قرب مدينة تدمر الصحراوية وآثارها الشهيرة، وهو مخصصٌ للعسكريين، لكن النظام السوري، في عهد الأسدين (الأب والابن)، زجّ فيه أبرز المعتقلين السياسيين والمعارضين للحكم، حتى وصفته منظمة العفو الدولية بأنه “مصمم لإنزال أكبر قدر من المعاناة والإذلال والخوف بالنزلاء”. لقد “باركتني” بلادي بسياط لا يحصي عددها إلا الله، عدد السياط التي تلقيتها يكاد يعادل عدد الكلمات التي كتبتها، هل تصدقون ذلك؟ يعبر فرج بيرقدار، الشاعر والسياسي السوري الذي اعتقل ثلاث مرات في زمن الأسد الأب، كانت آخرها لـ 14 عامًا، عن تجربته المريرة في سجني تدمر وصيدنايا. يقول بيرقدار إنه مع مرور الزمن وتوالي الصفعات والشتائم والكرابيج تعلم أن يقدم نفسه “السجين رقم 13”، فالسجن محاولة حثيثة لإلغاء معنى السجين، ويضيف “لذلك كنت عميق القناعة بأن إبداع أو خلق أي معنى عبر الكتابة أو الفن، أو حتى الثرثرة، إنما هو شكل من أشكال مواجهة السجن ومفاعيله… استطاع الشعر أن ينقذني ويعطي لحياتي في السجن معنى مختلفًا وقيمًا مختلفة عما كان يراد لي”. لقد خرج السجين رقم 13 من معتقله بست مخطوطات شعرية ومخطوطة عن تجربة السجن في أهم محطاتها.

تدمر.. سجننا.. بيتنا.. وحافظ أسرارنا
لقطة جوية لسجن تدمر الصحراوي
ناشطون وسياسيون يناقشون المسألة السجنية في سوريا
جانب من المشاركين في مؤتمر “توثيق الظلام” في سويسرا – 14 كانون الاول 2014

عقدت مؤسستا “إيتانا” السورية و“أمم للأبحاث والتوثيق” اللبنانية، مؤتمرًا حول المسألة السجنية في سوريا، في مدينة برن السويسرية، ما بين 12 و14 وكانون الأول الجاري، وذلك بدعم من معهد العلاقات الخارجية الألماني، وقسم الحماية الإنسانية في وزارة الخارجية السويسرية.نحو 20 ناشطًا وسياسيًا (من سوريا ولبنان)، يمثلون منظمات حقوقية وبحثية وإعلامية، حضروا على مدار يومين لمناقشة المسألة السجنية في سوريا بأبعادها المختلفة، وحفل المؤتمر بالكثير من الحوارات والمداخلات، أضاءت على واقع الانتهاكات الإنسانية والقانونية التي يتعرض لها المعتقلون في السجون السورية، والجهود الرامية إلى تحقيق العدالة في سوريا. المؤتمر افتتح بشهادات حية لمعتقلين سابقين في سجون النظام السوري، ومنهم فرج بيرقدار، علي أبو دهن، براء السراج، وباسمة جبري. عرضوا خلالها تجاربهم السجنية، وسردوا بعضًا من قصصهم اليومية في المعتقلات. كما تناول الأبعاد السياسية للمسألة السجنية في سوريا، من خلال مشاركة كل من وائل السّواح، مدير “مركز الحرية والتعبير ببرلين”، ورضوان زيادة، مدير “المركز السوري للدراسات والأبحاث السياسية بواشنطن”، الذين تحدثا عن تاريخ قضية الاعتقال في سوريا، وكيف انتهت إلى ما هي عليه الآن. وخصصت جلسة للبحث في الجهود التوثيقية والإعلامية في سوريا ودور المؤسسات الحقوقية والإعلامية في خدمة قضايا المعتقلين، وشارك فيها كل من أويس الدبش، منسق “مركز العدالة والمحاسبة”، وبسام الأحمد، مدير منظمة “سوريون من أجل الحقيقة والعدالة”، وجواد شربجي، رئيس تحرير “عنب بلدي”. وقد وجه بعض المشاركين انتقادات إلى الدور “الخجول” للإعلام السوري، في دفع قضية المعتقلين إلى الرأي العام المحلي والدولي، وحثوا المؤسسات الإعلامية والمؤسسات التوثيقية على توحيد استراتيجياتها، ووضع خطط عمل مشترك في خدمة منتج “احترافي” يخاطب الرأي العام ويؤثر به. التوثيق ودوره كأداة من أدوات العدالة الانتقالية، حاز على مساحة كبيرة في نقاشات المتحاورين، وخصصت له جلستان شارك فيها كل من محمد برو، مدير “مركز صدى لاستطلاعات الرأي”، والصحفية الفرنسية غارانس لوكين، وعمر شنان مدير برامج في منظمة “اليوم التالي”، وسلام الكواكبي، نائب مدير “مبادرة الإصلاح العربي”. “توثيق الظلام”، اختتم أعماله بعرض لفيلم “تدمر”، الذي أنتجته مؤسسة “أمم”، ومدته ساعتان، حضره المشاركون وعدد من المهتمين السويسريين. يصور الفيلم جوانب من معاناة المعتقلين اليومية في سجن تدمر، من خلال مشاهد تمثيلية أداها خمسة سجناء لبنانيين، أمضوا سنوات في المعتقلات السورية، وأسهمت شهاداتهم وتجاربهم الذاتية في إعداد الفيلم، الذي صور في بناء تم إعداده خصيصًا ليحاكي سجن تدمر الصحراوي.
ماذا بعد هذا المؤتمر؟
لقمان سليم، مدير مؤسسة “أمم”، اعتبر أن انعقاد المؤتمر حول موضوع المسألة السجنية في سوريا والنقاش فيها بصراحة وشفافية هو “مكسب”، وأنه قد يسهم في دفع حكومات غربية لإيلاء المزيد من الاهتمام بهذه القضية، في الوقت الذي وضعت فيه قضية المعتقلين على القوائم الثانوية في جداول الأعمال. وبرأي سليم، فإن المؤتمر شكل فرصة مهمة لإجراء مجموعة من اللقاءات بين المؤسسات المعنية، وخرج بمجموعة من الأفكار الجديرة بالمتابعة، معبرًا عن اهتمام “أمم” بمتابعة مخرجاته. مضيفًا أن المؤسسة تعمل على مشروع إقليمي حول المسألة السجنية، وأنها باشرت لقاءات واتصالات استكشافية مع بلدان أخرى لمحاولة بلورة القضية السجنية بوصفها قضية عابرة للحدود في البلدان العربية، لا سيما أن لغة العدالة الانتقالية أصبحت جزءًا من المساحة المشتركة في العالم العربي.تطويع القانون لإسكات المعارضين
إبراهيم حسين – أمين سر مجلس القضاء الأعلى

من يقتل المعتقلين؟
قماش من قميص أحد المعتقلين، كتب نبيل شربجي عليها بالدماء والصدأ أسماء رفاقه في الزنزانة، وأخرجها الصحفي منصور العمري معه حين أطلق سراحه – (خاص عنب بلدي – منصور العمري)
قماش من قميص أحد المعتقلين، كتب نبيل شربجي عليها بالدماء والصدأ أسماء رفاقه في الزنزانة، وأخرجها الصحفي منصور العمري معه حين أطلق سراحه – (خاص عنب بلدي – منصور العمري)
هل قتلْنا نبيل شربجي؟
نبيل شربجي، معتقل سياسي، قتل في معتقلات النظام السوري في أيار 2015

صورة من رسالة كتبها نبيل شربجي من داخل سجن عدرا المركزي في 2013.
اعترى نبيل الأمل بالنجاة أكثر من مرة، وخذلناه كل مرة
قال عمر الشغري، أحد الشهود على وفاة نبيل في المعتقل: “كان السجان يأتي صباح كل يوم، ويصرخ “عرصات المهاجع مين عندو فاطس؟”، يومها أجاب شاويش زنزانة مجاورة أنه لديه أحدهم، فسأله السجان عن الاسم الكامل واسم الأم وتاريخ الولادة، أجابه الشاويش: نبيل شربجي. ثم ذكر اسم والده ووالدته وتاريخ ميلاده، أتذكر ذلك اليوم جيدًا، فقد كان صديق نبيل المقرب معي في الزنزانة ذاتها، وبكي حين سمع اسمه، وتدهورت حالته النفسية والصحية كثيرًا لسماعه خبر وفاة أعز أصدقائه”.المصدر
[/sociallockerr]