هدنة سوريا الخامسة... هل تأتي بجديد؟!


توصّلت المفاوضات بين وفد المقاومة السورية في أنقرة وبين روسيا برعاية تركية، اﻷربعاء الفائت، إلى الإعلان عن اتفاق شامل لوقف إطلاق النار في سوريا غابت عنه إيران، وقال الناطق باسم وفد المقاومة أسامة أبو زيد: إنه لا يستثني أيّ فصيل أو أيّ منطقة.

تناقض في التصريحات

أكدت أنقرة فور الإعلان عن الاتفاق أنه يستثني المنظمات التي يعتبرها مجلس اﻷمن إرهابية في إشارة إلى جبهة فتح الشام "جبهة النصرة سابقًا" فيما عاد "أبو زيد" ليؤكد أن الاتفاق لا يستثني أيّ فصيل، وتجاهلت التصريحات الروسية في اليوم اﻷول اﻹشارة إلى الموضوع ليؤكد المندوب الروسي في مجلس اﻷمن فيتالي تشوركين في اليوم التالي أن "جبهة النصرة" مستثناة.

مواقف وردود أفعال دولية

قابلت الولايات المتحدة اﻹعلان بالصمت لساعات عدة قبل أن يرحّب الناطق باسم الخارجية اﻷمريكية في بيان بالهدنة، داعيًا إلى استغلالها للوصول إلى حل سياسي، وتزامن ذلك مع قرار أمريكي مفاجئ بطرد عشرات الدبلوماسيين الروس في الولايات المتحدة، ما أدى ﻷزمة دبلوماسية بين البلدين، وقال مسؤول روسي: إنها أتت كرد على "النجاح" الروسي في سوريا.

ولم يختلف الموقف اﻹيراني بدرجة كبيرة؛ حيث أعلنت إيران عن اتصال وزير الخارجية الروسي سيرغي لافروف بنظيره اﻹيراني محمد جواد ظريف ليطلعه على تطورات المباحثات، ليتأخر اﻹعلان عن الترحيب حتى يوم أمس الجمعة، ويؤكّد على المطالبة بمواصلة محاربة "جبهة النصرة وحلفائها" دون التعليق على المطلب التركي بانسحاب الميليشيات الشيعية التي جندتها في سوريا لاسيَّما حزب الله.

من جهته اعتبر الاتحاد اﻷوروبي أن اﻹعلان محل ترحيب، مطالبًا بتكثيف الجهود للوصل إلى حل سياسي، واعتبر أن مجرد وقف النار ليس كافيًا، كما سجلت كندا موقفًا مماثلًا.

ورحّبت كل من قطر ومصر واﻷردن والصين باﻹعلان ودعت اﻷخيرة نظام اﻷسد وفصائل المقاومة للالتزام بالاتفاق وعبّرت عن دعمها له.

مواقف وردود أفعال داخليّة

لقي اﻹعلان ترحيبًا حذرًا في الشارع السوري نتيجة رغبة السوريين بإنهاء القتل والقصف اليومي مع عدم الثقة بروسيا ونظام اﻷسد لاسيَّما مع تكرار أربع تجارب فاشلة سابقة، وعبّرت المظاهرات الشعبية في عموم المناطق المُحرَّرة عن تأييدها له، ورفعت علم الثورة في محاولة ﻹعادة توحيد الشارع تحته، بعد تفاقم الخلافات الداخلية نتيجة الانتكاسات اﻷخيرة والتعقيد الذي شهده الملف السوري وفشل جهود التوحد والاندماج بين الفصائل.

وقال الناطق باسم وفد المقاومة أسامة أبو زيد: إن أصابعنا ستبقى على الزناد، فيما عبّرت حركة أحرار الشام اﻹسلامية عن توجّسها من عدم وضوح معالم الحل السياسي المطروح عقب الهدنة، نافيةً أن تكون من بين الفصائل التي وقّعت على الاتفاق كما قالت موسكو.

أما جبهة فتح الشام فقد تريّثت في الرد حتى أعلن الناطق باسمها حسام الشافعي أمس رفضهم الكامل لها، معتبرًا أن الحل السياسي الذي جاء في مضمون اتفاقية وقف إطلاق النار يسير على إعادة إنتاج نظام الأسد، مؤكدًا أن فتح الشام لم تحضر اجتماع التفاوض، ولم توقِّع على الاتفاقية، التي كان أحد الضامنين لها هو محتل لسوريا، وقال: إن الحل في سوريا هو إسقاط نظام الأسد عسكريًّا، وإن أيّ حل سياسي هو خيانة للدماء ووأد للثورة.

وطالبت الفصائل الموقعة على الاتفاق في بيان لها روسيا بإلزام نظام اﻷسد بالهدنة، مهددة باعتبارها لاغية في حال تكرّر خرقها، كما طالبت مجلس اﻷمن بالتريث في إصدار قرار حولها قبل أن يتم تثبيتها بشكل فعلي.

المآلات والتوقّعات

سجّلت حركة الطيران الحربي انخفاضًا كبيرًا منذ سريان الهدنة؛ حيث توقفت الطائرات الروسية عن القصف، فيما استهدف طيران جيش اﻷسد بالصواريخ الفراغية ريف حماة الشمالي أمس، كما قصفت منطقة وادي بردى بنحو 30 برميلًا متفجرًا و10 غارات من الطيران الحربي مع هجمات برية من قوات اﻷسد وميليشيا حزب الله لاقتحام المنطقة، فضلًا عن حالات قصف مدفعي وصاروخي متفرقة في مناطق أخرى ومحاولة فاشلة لاقتحام الغوطة الشرقية، ما يجعل الاتفاق "في مهب الرّيح"، يقول أسامة أبو زيد.

ويريد نظام اﻷسد تعزيز سيطرته على العاصمة والقضاء على الفصائل في محيطها لاسيَّما وادي بردى والغوطة الشرقية، ليعلن سلطته التامة على أكبر مدينتين في سوريا: دمشق وحلب، وطالبت روسيا باستثناء المنطقتين من الاتفاق إلا أن المقاومة أصرّت على الرفض مهددة بالانسحاب حتى قبلت روسيا بشمول جميع اﻷراضي السورية، إلا أن قوات اﻷسد والميليشيات الداعمة له واصلت هجومها، ليعلن أبو زيد أن روسيا سلّمتهم نسخة مختلفة عن تلك التي وقّع عليها نظام اﻷسد.

ويبقى ملفا محيط دمشق وجبهة فتح الشام نقطتين خلافيتين من الممكن أن تنسفا الاتفاق في أي لحظة، خاصة مع اختلاف تفسير اﻷطراف الموقعة عليه، إضافة إلى غض الطرف عن انتهاكات نظام اﻷسد للاتفاق واعتبار أنقرة أنها "محدودة" و "لاتهدد الاتفاق" وصمت موسكو عنها؛ مؤشرات واضحة على أن الهدنة لاتزال "هشّة" كما وصفها الرئيس الروسي فلاديمير بوتين فور إعلانه عنها.