الفقير في بات مهدداً حتى في صحته، فبعد رفع أسعار الأدوية لأضعاف مضاعفة مؤخراً، وما صاحب ذلك من انفلات واضح في التسعير المزاجي لها، لم يعد أمام السوري الفقير، إلا أن يصبر على ألمه.

للأدوية في سوريا وروايات، فبعد أن رفعت وزارة الصحة في حكومة أسعارها بنسبة 50% لجميع الأصناف، ها هي تتبرأ من قرار رفع أسعار نحو 500 زمرة دوائية هامة بنسبة تراوحت ما بين 200 إلى 600%، وما زالت تنفي إلى هذه اللحظة بأنها قامت برفع الأسعار، وخاصة إذا علمنا أن قرار رفع أسعار الأدوية الأخير والذي حمل الرقم 30370/28 جاء بعد أن أكد رئيس حكومة عماد خميس بأن خط أحمر ولا يمكن رفع سعره، إلا أنه وبعد تصريحه بساعات تم رفع أسعار الأدوية!

ومع أن وزير الصحة نفى القرار، ولكن كما يقال في العامية “وقع الفاس بالراس وراحت على المواطن”، فالقرار صدر، والصيادلة رفعوا أسعارهم وفق النشرات الجديدة.

 

بالحبة والحبتين

“أبو حسن” موظف في القطاع الخاص، وأب لثلاثة أولاد ويتقاضى راتباً شهرياً قدره 35 ألف ليرة، أكد أن المواطن سابقاً كان يعتمد على الصيدلي بشكل كبير لكي يصف له الدواء دون أن يلجأ إلى أي طبيب، وهذه الظاهرة انتشرت كثيراً وخاصة مع مزاجية وضع التعرفة من قبل الأطباء، لكن حالياً بات الدواء أيضاً مرتفع السعر، فحبة الالتهاب بـ 125 ليرة، وحبة المسكّن بـ75 ليرة، فهل سيعيش المواطن هنا أيضاً على الحبة والحبتين؟..وهل سيرضى الصيدلي أن يبيع الدواء بالحبة..طبعاً لا، فظرف الالتهاب يحوي على 6 حبات وسعره لا يقل عن 600 ليرة.

“أبو حسن” أكد أنه عندما يشعر أي ولد من أولاده بوعكة صحية، فإنه من جانبه يُحسّ بإحباط وخوف من فاتورة الأدوية، عدا عن فاتورة الطبيب، فالاستشفاء حالياً، يستنزف أكثر من ثلث راتبه وخاصة مع فصل الشتاء، حيث تكثر الأمراض من التهابات وإنفلونزا، فأي مرض يكلف ما لا يقل عن 4 آلاف ليرة وربما تصل فاتورته إلى 6 آلاف ليرة للشخص الواحد من الأسرة، مع الإشارة إلى أن الدواء فقدَ جودته ولم يعد ذا فاعلية حقيقية كما كان عليه سابقاً.

 

 

تحكُّم

أحد الصيادلة أكد في تصريح خاص لصدى الشام أن أسعار الأدوية ارتفعت بنسب متفاوتة، وبشكل كبير، وزاد الأمر سوءاً تحكم مستودعات الأدوية بالأسعار، مؤكداً أن معظم مستودعات الأدوية تحتكر الأصناف الهامة من الأدوية وتعرِضها على الصيادلة بأسعار مضاعفة عن سعرها الحقيقي مع إلزام الصيدلي بشراء أصناف ليست هامة في حال أراد أن يشتري أي دواء مطلوب، فمثلاً يقول الصيدلي “تفرض مستودعات الأدوية علينا شراء بعض المراهم وأدوية ليس عليها طلب، مقابل أن تزودنا بدواء الضغط، أو دواء حرق الدهون أو الأعصاب الخاص بالأمراض المزمنة، وبأسعار مضاعفة كثيراً، حيث قام أحد مستودعات الأدوية في برفع سعر دواء حرق الدهون لأكثر من 600% عن تسعيرته النظامية، مقابل أن يزودني به.

ولفت الصيدلي إلى أن الاحتكار من قبل المستودعات، وفقدان الكثير من الزمر الدوائية الهامة، أدى إلى جعل سوق الدواء مجالاً للمتاجرة، بل وخلق سوقاً سوداء للدواء، بالمقابل نجد أن الكثير من الأدوية السورية تهرب إلى الأسواق المجاورة، وتباع بأسعار مضاعفة، كما هو الحال في ، في حين أن الأدوية غير المتوفرة “المقطوعة” في الصيدليات يتم جلبها من وبأسعار مضاعفة يتحمل تكلفتها المريض وحده، وهذا ما يحدث في بعض أنواع مراهم الالتهابات النادرة، وكذلك بالنسبة للقاحات الخاصة بالأطفال والتي أصبحت مفقودة في المستوصفات الحكومية، كلقاح السل والخماسي وغيره، إذ لجأ بعض المواطنين إلى شرائه من ، بمبلغ وصل إلى 30 ألف ليرة للقاح الواحد.

 

فكّا كماشة

ولفت الصيدلي إلى أن سعر الدواء بات غير مقبول مقارنة مع دخل المواطن، وهذا يجعل من الأمن الصحي مهدداً في سورية، ويجعل من التعافي والاستشفاء حكراً على الأغنياء والمقتدرين مادياً..فالعلاج في المشافي الحكومية يعتبر أمراً صعباً ويحتاج إلى واسطات عدا عن كون خدماتها سيئة للغاية، وأما في المشافي الخاصة فلا يمكن للمواطن العادي أن يدخلها كونها باتت “فنادق من فئة 5 نجوم”، لذا نجد أن المواطن كان يعتمد كثيراً على الصيدلي في وصف حالته المرضية ليصف له الدواء المناسب دون أن يزور الطبيب، فماذا على المواطن أن يفعل حالياً؟..”أنصحه أن يحافظ على صحته، فأي مرض بات مكلفاً للغاية”.

وتابع الصيدلي: للأسف بات المواطن بين فكي كماشة، فـ “كشفية” الطبيب العام لا تقل عن ألف ليرة، ووصلت عند بعض الأطباء إلى 6 آلاف ليرة وخاصة في دمشق، وكان المريض يحسب ألف حساب قبل أن يخطو إلى عيادة الطبيب، وحالياً أصبح يحسب مليون حساب قبل أن يخطو للصيدلية أيضاً”.

هذا الواقع الصعب للمواطن ينسحب أيضاً على المشافي الخاصة التي أصبح همها الوحيد الربح الفاحش، وحولت خدماتها إلى “بازار” فقامت هي الأخرى برفع أسعار جميع خدماتها، بحجة ارتفاع أسعار الأدوية وصعوبة توفر المواد الأولية، وارتفاع أسعار الأجهزة وكذلك أجور الأطباء، فحالياً العملية القيصرية تكلف أكثر من 100 ألف ليرة، والولادة الطبيعية تكلف نحو 60 ألف ليرة، وعملية زرع شبكة في إحدى الشرايين تكلف ما لا يقل عن نصف مليون ليرة.

والمفارقة أنه رغم ارتفاع تكاليف المشافي الخاصة فخدماتها منخفضة الجودة، فالنظافة في أسوأ حالتها، كما أنها لا تدخل أي مريض قبل أن يدفع سلفة مقدماً وإن كان في حالة إسعافية.

 

الوضع الصحي يواجه حقيقياً

 باحث اجتماعي فضل عدم ذكر اسمه أكد في تصريح لصدى الشام أن الوضع الصحي في سورية يعاني الأمرّين، وخاصة مع النقص الحاد في الأدوية الهامة والنوعية، وانخفاض جودة أغلب الأدوية، وترافق ذلك مع ارتفاع أسعار الأدوية ورفع أجور الأطباء بشكل تلقائي، بالإضافة إلى الخدمات المقدمة في المشافي، ولا يمكن إغفال الهجرة التي أقدم عليها الكثير من ذوي الاختصاصات الطبية والصيدلية ما جعل من المشافي العامة والخاصة تعاني نقصاً حاداً في الكوادر البشرية المؤهلة، حتى أن الكثير من الأطباء أغلقوا عياداتهم، وهاجروا، وكذلك الأمر بالنسبة للصيادلة.

واعتبر الباحث أنه يمكن توصيف الوضع الصحي في سورية بأنه يواجه أزمة حقيقية، وللأسف لم يتم اتخاذ أي خطوة جادة في إيقاف نزيف هذا القطاع الهام الذي يتعلق بصحة المواطن، فوزارة الصحة بحكومة النظام ما زالت تقوم برفع أسعار الأدوية ضاربة عرض الحائط بالحقائق والمؤشرات الخطيرة التي يعاني منها المجتمع السوري، ذلك أن 80% من المواطنين يعيشون في فقر مدقع، ونسبة البطالة بلغت 60%، كما أن الدخل الشهري لمعظم يغطي بالكاد نفقات الطعام.

وأضاف الباحث: ترافق ذلك مع خروج العشرات من معامل الأدوية عن الإنتاج، واحتكار المعامل التي ما تزال تنتج للسوق الدوائي في سورية وفرض النوعية التي ترغبها دون أية رقابة حقيقية من الصحة، مع تراخٍ واضح في الرقابة على مستودعات الأدوية وحركة التهريب المنظم للأدوية السورية للخارج، بهدف الربح الكبير، وأمام أعين الجميع.

ولفت الباحث إلى أن شركات الأدوية لعبت دوراً “مشبوهاً” في رفع أسعار الأدوية، فمنذ نحو عام قامت بالالتفاف على جميع القرارات ورفعت الأسعار بنفسها وبشكل غير مباشر عندما خفضت كمية الأدوية ضمن العبوة الواحدة، مع بقاء السعر على حاله، كما نجد أن معظم الأدوية حالياً تباع دون أي عبوات كرتونية، ما يسهل عملية التلاعب بعدد حبات الدواء.

وأكد الباحث أن المواطن السوري يعيش خطراً حقيقياً نتيجة هذا الوضع الصحي الرديء، فالصحة مطلب أساسي لأي مواطن في العالم، وليست أمراً ثانوياً، إلا أن حكومة النظام توجهت لإرضاء شركات الأدوية بدلاً من المحافظة على صحة الناس في ظل انتشار الكثير من الأمراض لغياب الأغذية الصحية والغش، وانتشار التلوث.