ليس أن يٌقتل الملازم “جعفر زيد صالح” في تفجير جبلة يوم الخميس الماضي وهو ابن اللواء “زيد صالح” رئيس اللجنة الأمنية والعسكرية في حلب والضابط الأسدي العامل تحت إمرة الروس والمقرب منهم وصاحب الإنجازات الأكبر في حلب وفق منهجيتهم، الصدفة كانت بنجاة اللواء “زيد” من مكان الانفجار، فقاعدة “حميميم” العسكرية رأت في الهجوم الأخير على جبلة  عملية لم تكن تستهدف “المدنيين” بل كانت هجمة مخطط لها، وأنها كانت تستهدف اللواء “زيد صالح” المقرب منها، وليس ابنه، وأشارت قاعدة حميميم نقلاً عن مصادرها الاستخباراتية إلى أن اللواء “زيد صالح” كان من المقرر أن يلتقي بابنه الملازم القتيل في تلك المنطقة ولكن دقائق معدودة كانت كفيلة بنجاة اللواء ومصرع ابنه الملازم. كما قُتل في التفجير، “زين ناصيف خير بك” وهو ابن المسؤول الأمني الكبير في نظام الدكتور “صفوان خير بيك” المعروف بعلاقته القوية مع “منذر ”.

ويُعتبر “خير بيك” من أبرز الأعمدة العسكرية الكبيرة لموسكو في ميليشيات كـ “صقور الصحراء” و”مغاوير البحر”، تلك الميليشيات ذات الولاء المطلق لبشار الأسد ولكنها تتبع عسكرياً وإدارياً ومالياً لقاعدة “حميميم” العسكرية الروسية. وهذا ما أقلق الجانب الروسي واعتبرها رسالة مباشرة موجهة إليه ليس من جانب المعارضة ولا من تنظيم الدولة الإسلامية “داعش” لأن كل هؤلاء ليسوا وراء التفجير ولا يستطيعون الوصول إلى مكان التفجير لعلم الجميع أن رئيس فرع أمن يعمل لدى الأسد سيتم تفتيشه عدة مرات قبل أن يصل للمكان الذي حصل فيه الانفجار، وبالتالي فالجهة التي قامت بالتفجير لديها امتيازات وإمكانيات لتجاوز التفتيش وإيصال تلك السيارة المفخخة للمكان المُعدّ للتفجير دون أي عناء ودون شبهات، كما أن الجهة المنفذة لديها من القدرات الاستطلاعية الاستخباراتية لتعرف تحركات (اللواء زيد) الحليف الروسي، أي أن هناك ما خلف الأكمة وما تحت الرمال من خطط ورسائل وصراعات بدأت تتكشف مع ازدياد النفوذ الروسي داخل سورية والذي أقلق وأزعج ولاية الفقيه في “طهران” وبالتالي فهي حرب “تقطيع الأذرع” قد بدأتها في ضد كل الموالين لموسكو، وعملية التفجير في جبلة واستهداف تلك الشخصيات تذكرنا بعملية خلية الأزمة التي ضمت كبار الضباط الأسديين الأمنيين والعسكريين المحسوبين على موسكو أيضاً. وهذا ما دفع قاعدة حميميم للتهديد بأنها ستقوم بالبحث وراء “الجهات الأمنية” في نظام الأسد التي قصّرت في تنفيذ مهامها لمنع حدوث التفجير، فمن يصل إلى المربع الأمني في جبلة قد يخطط للوصول إلى القاعدة الروسية التي تبعد فقط 3 كم عن موقع التفجير قرب ملعب جبلة.

 

الرسائل المتبادلة بالتفجيرات ليست الأولى ولن تكون الأخيرة، والشارع المؤيد لنظام الأسد أصبح على قناعة كاملة أن كل تفجيرات حمص في حي عكرمة وحي الأرمن وحي الزهراء وكذلك التفجيرات التي وقعت ببلدة “السيدة زينب” وتفجيرات الصيف في مدينة “” و”جبلة” والتي ذهب فيها وحدها أكثر من 140 قتيلًا، الجميع أصبح على قناعة أن تلك التفجيرات هي صناعة داخلية وناجمة عن صراعات بينية حول مناطق نفوذ أو تتعداها لصراعات بين الأسد وحلفائه أو بين حلفاء الأسد أنفسهم كتفجير جبلة الأخير.

تفجير جبلة الأخير تجد فيه موسكو أنه استهداف لمصالحها ونفوذها في سوريا، وتعتبر بأن استهداف الشخصيات المقربة منها في هذا التوقيت بالذات هو مؤشر على وقوف الحرس الثوري الإيراني وذراعه اللبناني “” وراء العملية ولعدة أسباب أهمها الانتقام من الشخصيات “العلوية” المؤثرة في المشهد السوري والواقعة ضمن دائرة صنع القرار ممن ابتعدوا عن طهران وباتوا يخضعون للأوامر الروسية المباشرة كـ”ناصيف خير بك” واللواء “زيد”، وهناك عوامل أخرى تمثلت بمنع موسكو للميليشيات المدعومة إيرانياً من السيطرة على مطار حلب الدولي وأحياء حلب الشرقية.

 

 

وبالعودة إلى تفجيرات جبلة وطرطوس التي حدثت بتاريخ 23-5-2016 فقد نقل موقع “الجديد” ما قال إنها معلومات خاصة عن أن السلطات الأسدية قد أوقفت العمل نهائياً ببطاقات المهمات التي تسهل المرور على الخط العسكري، مع بعض الاستثناءات المحدودة جداً على الحواجز الأمنية في الداخل السوري، وعلى النقاط الحدودية بين سوريا ولبنان. وبحسب المعلومات التي أوردها الموقع فإن هذا القرار جاء بعد معلومات أفضت إليها التحقيقات الجارية في انفجارات جبلة وطرطوس، وتفيد تلك المعلومات باحتمال كبير أن تكون السيارات المفخخة التي تم تفجيرها قد دخلت إلى سورية عبر الحدود اللبنانية ومن معبر “العبودية” وباستخدام بطاقات مهمة للدخول دون تفتيش. ومعروفٌ من هي تلك الجهات المهمة التي تعبر من لبنان نحو سورية دون تفتيش.

التفجير المزدوج الذي وقع بحي الزهراء في مدينة حمص بتاريخ 21-2-2016، وهذا الحي يقع ضمن منطقة موالية للأسد، التفجير كان فضيحة أمنية عندما تم نشر تحذير على أحد المواقع الموالية “شبكة أخبار المنطقة الوسطى- حمص” من حدوث انفجارات، وحدد مكانها وموقعها والمستهدفين (طلاب) وزمنها تقريباً قبل وقوعها بأكثر من 15 ساعة، وأثبتت التحقيقات التي أخفاها نظام الأسد لاحقاً أن الصراع بين ميليشيات الدفاع الوطني واللجان الشعبية ومافيات السلاح والمنافع كانت وراء تلك التفجيرات ومنها ما كانت خدمةً لأهداف سياسية تخدم إيران في سوريا.

 

 

والفضائح لم تتوقف عند تمرير وصناعة التفجيرات من أطراف موالية للأسد لكونها متصارعة بالامتيازات والمنافع بل تعدتها لفضيحة وجريمة بشرية عندما اختفت عدة جثث بعد تفجيرات طالت بعض المواقع، فقد اختفت عشرات الجثث بعد التفجيرات التي حدثت في مدينة جبلة وقد نشر موقع “اقتصاد” بخصوص هذا الموضوع ما مفاده أنه: ما يزال مصير عشرات الجثث التي قضت في تفجيرات جبلة منذ أسبوعين مجهولاً حتى اليوم، وأضاف الموقع: الجثث كانت قد وصلت حينها إلى عدد من المشافي الخاصة والعامة في مدن جبلة واللاذقية وبانياس، ليشكل مصير بعضها حتى اليوم لغزاً محيراً لأهالي القتلى، وللناس في مدينة جبلة الذين وصل بعضهم في تحليله لهذا اللغز إلى أن هناك أيادٍ خفية خطفت تلك الجثث، وهذا ما يدلل على تجارة الأعضاء البشرية التي استشرت بين صفوف الميليشيات ومديريات الصحة بالتشارك مع الأفرع الأمنية.

أما تفجيرات السيدة “زينب” في جنوب دمشق فقد كانت تفجيرات “ذات نكهة خاصة” فالجميع يعلم أن تلك المنطقة تخضع لرقابة أمنية مشددة من قبل “حزب الله”، وتتواجد فيها عناصر أمنية من ميليشيات شيعية “إيرانية وعراقية” أكثر من عدد سكان البلدة المحمية بأكثر من أربع أطواق من الحواجز الأمنية، ومع ذلك اخترقتها السيارات المفخخة ولأكثر من مرة، وأوقعت الكثير من القتلى في صفوف المدنيين، وهذا ما دفع بحزب الله وبحسب معلومات مُسرّبة من داخل نظام “الأسد” إلى اعتقال العديد من ضباط الجيش الأسدي المتواجدين في محيط بلدة “السيدة زينب” وتوجيه تهمة الخيانة لهم بل وتقريعهم وإهانتهم أمام المدنيين أثناء اعتقالهم.

إذاً نحن أمام صراع مخفي تدور رحاه بين ميليشيات الدفاع الوطني واللجان الشعبية وأفرع الأمن من أجل النفوذ والسيطرة وابتزاز المواطنين الذين وقعوا فريسة بين أيدي تلك الميليشيات التي تقتات على دماء السوريين الموالين والمعارضين، وصراع مخفي آخر يجري بين بعض ضباط الأسد وجيشه من جهة وبين ميليشيات شيعية خدمةً لأجندات مخابراتية تنظمها أفرع المخابرات ويذهب ضحيتها الأبرياء في الشوارع. وهنا لا مشكلة حتى وإن قُتل بتلك التفجيرات الموالون للأسد ومن طائفته أيضاً. كما أن هناك صراعاً أهم وأكبر يجري بين الأذرع الإيرانية الشيعية وبين شخصيات عسكرية وأمنية سورية محسوبة على الجانب الروسي. ويبقى الشعب السوري ضحية لتلك الخلافات وتلك التناحرات وتلك الصراعات يدفع ثمنها من دماء أبنائه.

 

 

الآن أصبحت على قناعة بأن إيران مستعدة لأن تمشي بمخططاتها حتى النهاية ولن تستسلم أو تنسحب من سوريا ولا حتى هي مستعدة لتقاسم النفوذ مع “بوتين”.

اتفاق وقف إطلاق النار “الشكلي” عرّى الجميع وكشف أوراق الجميع، وما حصل باتفاق خروج المدنيين من حلب وما يحصل الآن في وادي بردى أظهر وبوضوح عمق الخلاف بين النهج الإيراني والأجندة الروسية، ولكنه بقي تناحراً مخفياً كالجمر تحت الرماد.

فهل يخرج “بوتين” عن صمته ويفجرها مدوية ويعلنها صراحة بأن إيران وميليشياتها الشيعية الطائفية هي المسؤولة عن كل القتل في سوريا، وأنها عبر أذرعها الطائفية تعطل كل الحلول السياسية، وأن ربيبها “بشار الاسد” لا يخرج عن طوعها ويتحمل معها كل الآثام والجرائم التي ارتكبت بحق الشعب السوري؟؟

أم أن “بوتين” سيرضخ لإرادة قاسم سليماني؟

قليل من الصبر وتتكشّف كل الخبايا