إذا ما كان “نيلسون مانديلا” الذي عارض جنوب إفريقيا وسياساتها العنصرية تم اعتقاله لمدة 27 عامًا، فهنا في سوريا آلاف الأشخاص كـــ مانديلا قضوا عمرهم في أقبية سجون من عهد الأب حافظ إلى الابن بشار لكن الفارق هو أن نيلسون أفرج عنه وخرج حيًا بعكس مئات السوريين الذين دخلوا المعتقلات أحياء وماتوا في زنزاناتهم ولم يبصروا نور الحياة من جديد بتهمة السياسية لنظام الأسد.

في حديث لصحيفة صدى الشام يرى “خالد العقلة” المنتمي لإحدى العشائر في ريف إدلب الجنوبي والمعتقل خلال حكم حافظ الأسد والذي درجت بعض وسائل الإعلام على تسميته بـ مانديلا سوريا، أن نظام المقاومة والممانعة لم يكن سوى عميل لإسرائيل، “وحتى ابنه بشار لا يختلف عنه بشيء سوى أن أباه هو مهندس السياسة الحاقدة والمستبدة في سوريا”.

“العقلة” الذي اعتقله عام 1978 بتهمة الانتماء لحزب البعث العراقي، وحكم عليه بالإعدام من ثم تم تخفيض الحكم إلى المؤبد مع الأعمال الشاقة عام 1992، قضى 27 عامًا في سجون الأسد ما جعله يُلقب بــ “مانديلا سوريا”.

خضع “العقلة”  لفترة تحقيق طالت 5 أشهر بين الأفرع الأمنية في دمشق عاين فيها أساليب تعذيب من قبيل: “الشبح، وبساط الريح وكرسي الكهرباء” قبل أن يتم نقله إلى في 15 أيار 1980 حيث بقي فيه لمدة 21 سنة تم نقله بعدها إلى دمشق وبقي هناك 3 أعوام ليتم الإفراج عنه وليتحقق ما كان يعتبره مستحيلًا طالما أن آل الأسد هم من يتقلدون حكم سوريا، حسب قوله.

 

النفسي والجسدي

يتحدث “العقلة” بشيء من التفصيل عن وسائل التعذيب الجسدية والنفسية التي مارسها السجانون عليه وعلى رفاقه بسجن تدمر، وعن انعدام الفرق بينها وبين المتبعة من قبل النظام حديثًا في ظل الثورة السورية.

ويقول: “إن وسائل التعذيب التي ذقناها لم يشهدها أحد، ولقد كانت على زمن حافظ أشدّ بكثير مما يقع على معتقلي المعارضة الآن كون أعدادنا كانت قليلة مقارنة بمئات الآلاف حاليًا، والسياسة الحالية تقتضي تصفية فور تعذيبهم، في حين كانوا سابقًا يستمرون بتعذيبنا حتى الموت الذي نعيشه حقيقة مئات المرات يومياً، ناهيك عن أننا في الثمانينيات دخلنا وكان عددنا 41 ألفًا وخرج منا 10 آلاف يندر أن تجد بينهم السليم جسديًا ونفسيًا بفعل التعذيب الوحشي”.

ويتابع: “كنا نتعرض للجلد بشكل يومي يومي على مرّ 21 سنة في سجن تدمر وهو ما نتج عنه آثار جسدية دائمة لدى المعتقلين، وأنا كان لدي 4 كسور بأضلاع صدري، وبالإضافة لذلك تعرضنا للتجويع فكنا نقضي يومًا كاملًا على بضع حبات الزيتون مع فتات الخبز وملعقة برغل لكل منا مما أدى إلى انتشار مرض السل بيننا بنسبة 80%”.

كان المعتقلون يبقون معصوبي الأعين ليلًا نهارًا، فضلًا عن جلدهم بالكرباج من لحظة إخراجهم للحلاقة واصطحابهم إلى أماكن الاستحمام عراة بالكامل لحين إعادتهم لمهاجعهم، وهذا الأمر كانوا يواجهونه مرة أو مرتين في الأسبوع من بداية الثمانينات، ناهيك عن الشتائم المتواصلة.

 

صاحب أكبر مجزرة في سجن تدمر

أما الإعدامات فأسبوعيًا كان هناك 4 أيام لها فقد كانت عبارة عن “حفلات إعدام” مما أسكن اليأس في قلوب المعتقلين، وأنهى أي أمل بأن يخرجوا أحياء، ويضيف “العقلة”: كان مدير السجن يدخل علينا ويقول “مطلوب مني أن يموت 60% منكم تحت القتل وهذا ما لا يحصل!”.

لكن المجزرة الحقيقية في سجن تدمر كانت على يد سرايا الدفاع التابعة لرفعت الأسد بتاريخ 27 كانون الأول 1980 عندما تمت تصفية كل معتقلي المهاجع رميًا بالرصاص. عن ذلك يتحدث “العقلة” ويقول:” قدرنا عددهم آنذاك بقرابة 2000 خلال 3 ساعات، باستثناء مهجعنا الذي يقبع فيه 26 شخصًا. مات منا بعدها 6 رجال، وحتى الآن لا نعلم سبب استثنائنا من التصفية لكننا رجحنا أن يكون ذلك بسبب اعتبارنا معتقلي المعارضة السياسية في السبعينيات قبل أحداث الإخوان في الثمانينيات والمرسوم 49 القاضي بتصفية سجناء الإخوان.

“كان يتم تبديل الجلادين كل 6 أشهر لأنهم ملّوا التعذيب والقتل، وهم مع إدارة السجن لا يهمهم ما هي تهمتك حتى الشخص البريء تلقى التعذيب نفسه” في إشارة من العقلة إلى ما كان يجري ليصل معدل الموت بالجلد شهريًا إلى 50 شخصًا و31 ألفًا أعدموا في سجن تدمر.

وحول المحاكم الميدانية الموجودة في تدمر قال العقلة:” كان لدينا أسبوعيًا 4 محاكم لتنفيذ حكم الإعدام، ومن ينجو من ذلك يبقى مسجونًا ولو كان بريئًا، ومثال ذلك صديقي المحامي الذي أخبره القاضي أنه بريء إلا أنه لم يستطع إخراجه من السجن فبقي 16 عامًا معتقلًا”.

 

 

 

الموقف من النظام

 يتحدث العقلة عن معارضته لنظام حافظ بالقول: “أولًا وأخيرًا أنا من الشعب السوري الذي سخّره النظام لخدمته وسلبه كل حقوقه بعد أن تقلد كرسي السلطة مع عائلته”. ويعرّج العقلة على أحداث أيلول الأسود في عندما تمت تصفية المقاومة الفلسطينية هناك من غير أن تقدم القوات السورية دعماً لها، وكان وقتها حافظ الأسد وزير الدفاع السوري عام 1970 قبل تولّيه الحكم بستة أشهر، ليعقب تسلقه الرئاسة إبعاد كل الضباط المعارضين له، وتسليم الأمور لمن دربهم هو ومن والاه من طائفته، واعتقال المعارضين السياسيين ممن يشكلون خطرًا عليه.

ويوضح العقلة :”كان نشاطنا قبل اعتقالنا هو التوعية السياسية والتعريف بالنظام وتوزيع منشورات مناهضة له سرًا من جهة، والتهيئة السياسية للسكان إذا ما كانوا يريدون تنظيم أنفسهم بصفوف المعارضين من جهة أخرى”.

 

 

عملاء مرفهون في السجون

“شعارات يتباهى بها آل الأسد من زمن الأب للابن كشفت زيفها أمور كثيرة قديمًا وحديثًا” يشير العقلة لبعضها عندما يشرح الفروقات بين معاملتهم ومعاملة عملاء إسرائيل في سجنَي تدمر وصيدنايا بدمشق.

كان لجواسيس إسرائيل في تدمر باحتهم الخاصة ولا يشعرون بالخوف إطلاقًا ولديهم زيارات من أهاليهم ومعاملتهم جيدة عمومًا، حتى في صيدنايا بلغ عددهم 70 جاسوسًا كانوا يتقاضون رواتب شهرية من أحد الأشخاص الذي كان يأتي ليوزعها عليهم.

أما عن خصوصية سجن تدمر يقول العقلة “الموجودون في ذلك السجن لا يخرجون منه إلا بأمر من حافظ وهم ممنوعون من الزيارات، فأنا وبعد عشرين سنة تلقيت زيارة من عائلتي الذين كانوا يحسبونني بعداد الأموات في صيدنايا. في تلك اللحظة لم نستطع التعرف على بعضنا البعض، لأني دخلت ظلمة السجون بعمر الثلاثين وخرجت وأنا أبلغ من العمر 57 عامًا”.

إذاً وبعد هذه المسيرة الطويلة من العذابات خرج العقلة من أقبية لكن كيف ومتى؟ وكيف تأقلم مع الحياة الطبيعية بعد خروجه؟

يجيب العقلة: “نقلوني إلى صيدنايا عام 2001 لأبقى هنالك 3 سنوات حاولت خلالها اللجنة الأمنية مرارًا إقناعنا بتسوية أوضاعنا للإفراج عنا وبالفعل أطلقوا سراح من وافقهم، ليقتصر عددنا نحن الرافضين للتسوية والمحكومين مؤبد على 300 رجل، وبقينا كذلك إلى أن أصدر بشار الأسد مرسوماً جمهورياً بتخفيف حكمنا وإطلاق سراحنا”.

ويتابع:” بعد خروجي وبين عامي 2004 و 2011 تمنيت لو أني بقيت خلف القضبان لشدة ما عانيت من نظرات احتقار الموظفين أينما ذهبت إلى الأفرع الأمنية أو الدوائر الحكومية فكانت فترة قاسية جدًا عشتها بخوف وحذر مرتقب وشعور بالإهانة والتقييد النفسي”.

 

 

جمر الثورة تحت الرماد

لكن ماذا عن الثورة السورية التي انطلقت في آذار 2011 وهل كان يتوقعها وماذا عن مصيرها؟ يقول العقلة إنه توقع حدوث ثورة منذ السبعينيات وهم داخل السجن لكن الجرائم التي ارتكبت بحق الشعب في الثمانينات جعلته صامتًا لفترة طويلة، وجاء شعوره السابق كونه يعرف ما مارسه نظام الأسد على الشعب من استعباد. ويضيف :”هناك أمور دولية وداخلية أخرّت النصر إلا أنها ستنتصر لا محال ولو بعد حين، وستتم محاسبة كل من ارتكب جرائم ضد الشعب السوري الذي انتفض بوجه الطغاة ولم يعد يخشى الموت”.

وحول عمل السياسية في الخارج اعتبر العقلة أنهم لا يتحملون كل المسؤولية “فهم كغيرهم من المعارضة بأية دولة تتحكم بهم وتقيدهم وتسيّر موقفهم الظروف الدولية ومصالح الدول الكبرى المتدخلة بالنزاع السوري ما ينعكس سلبًا على علاقتهم بالشعب داخل سوريا والذي يتحمل النتائج أيًا كانت “.

وفي ختام حديثه وجّه العقلة رسالة عتب إلى الفصائل المقاتلة داخل سوريا مشدداً على ضرورة وحدتهم لينتصروا ويحققوا هدفهم الواحد مع الشعب في نيل حريتهم المنشودة.