ارتفع ضحايا تفجير السيارة المفخخة التي استهدفت مدينة أعزاز السبت الماضي لـ63 شخصًا وإصابة 150 آخرين، كما لا يزال نحو 15 شخصًا بعداد المفقودين، وبالرغم من الانتشار الكبير لحواجز ، إلا أن عمليات التفجير لا تزال تستهدف المدينة كل آونة وأخرى، الأمر الذي يطرح سؤالًا من هي الجهة التي تقف وراء التفجيرات وما مصلحتها؟

أعزاز في ظل الثورة السورية

مدينة أعزاز الواقعة في ريف الشمالي وبالقرب من الحدود السورية التركية شهدت خلال الثورة السورية عدة مفصلية، كان أولها سيطرة الجيش الحر عليها في يوليو/ تموز من عام 2012، بعد طرد نظام منها، واشتهرت المعركة حينها باسم “مقبرة الدبابات”، نسبة للعدد الكبير للدبابات التي دُمِّرت، كما شهدت َ بين تنظيم الدولة والجيش السوري الحر؛ حيث استطاع الأخير طرد التنظيم في فبراير/شباط 2014.

لتدخل بعدها المدينة في مرحلة عدم الاستقرار، قد تكون ناتجة عن  أطماع ميليشيات حزب الاتحاد الديمقراطي، ورغبتهم في الاستحواذ عليها لأهمية موقعها الفاصل بين مدينة عين وعفرين؛ إذ إن السيطرة عليها تتيح لهم استكمال مشروعهم في إنشاء إقليم كردي يمتد من الحسكة أقصى شرق سوريا مرورًا بعين وصولًا لعفرين.

ففي شهر شباط/فبراير من العام ٢٠١٦ حاولت الميليشيات الدخول إلى مدينة أعزاز من الجهة الشرقية وبدعم من الطيران الحربي الروسي بحسب ما أكده مسؤولون أتراك (معتبرين تدخل روسيا إلى جانب الميليشيات بمثابة الرد على بعد إسقاطها الطائرة الروسية)، حينها تدخلت مدفعية الجيش واستهدفت القوات المهاجمة، وصرّح رئيس الوزراء أحمد داود أكثر من مرة بأن بلاده لن تسمح للوحدات الكردية بالسيطرة على المدينة، مهددًا بأنها ستواجه “أقسى رد فعل”.

ومن جهة أخرى فإن إدراك تنظيم الدولة، الذي يُعتبر العدو الأول للجيش الحر في المنطقة، أن استقرار المدينة يعني منح الحر مساحة جغرافية كبيرة تفيده في إنشاء معسكرات التدريب، وإنعاش الحركة الاقتصادية كون المدينة واقعة بالقرب من أهم المعابر الحدودية مع تركيا، وتجنيد المزيد من الشباب ضدها، الأمر الذي قد يدفعها لاستهداف المدينة بالمفخخات والعبوات الناسفة، وشن هجمات عسكرية متكررة انطلاقًا من بلدة صوران كالتي جرت قبل بدء عملية “درع الفرات”.

أما بالنسبة لنظام الأسد فإن رغبته في إظهار المدن التي خرجت عن سيطرة أجهزته الأمنية وتسويق فكرة أنه الجهة الوحيدة الضامنة لاستمرار الأمن قد تدفعه أيضًا لزرع خلايا أمنية يكون جزء من مهمتها تنفيذَ تفجيرات بين المدنيين كتلك التي حدثت عام 2014؛ حيث انفجرت في كراج سجو، وألقت المؤسسة الأمنية حينها على الخلية وثبتت تبعيتها للنظام.

 

تردي الوضع الأمني 

منذ استعادة الجيش السوري الحر السيطرة على مدينة أعزاز في 2014 وطرد تنظيم الدولة، تعرضت المدينة لعشرات الانفجارات ناتجة عن سيارات مفخخة وعبوات ناسفة.

وللوقوف على الوضع الأمني في المدينة أجرت “” لقاءً مع أحد الأمنيين (ر.ع) الموجودين في المنطقة، والمسؤول عن عدة حواجز على أطراف المدينة، والذي فضَّل عدم ذكر اسمه.

(ر.ع)عزا تردي الأوضاع لعدة عوامل في مقدمتها أن المدينة نقطة استقبال وإرسال مئات الشاحنات النفطية القادمة من مناطق التنظيم بشكل يومي، ما يعني إمكانية دخول أي سيارة أو شاحنة مفخخة، منوهًا بأنه من غير الممكن إجراء تفتيش كامل لجميع تلك الآليات؛ تجنبًا لحدوث ازدحام قد يغلق الطرقات لأيام أو حتى أشهر.

والعامل الثاني هو أن المدينة على تماسٍّ مباشر مع مناطق حزب الاتحاد الديمقراطي “عفرين”، التي تعتبر مركزًا أيضًا لوجود مخابرات نظام الأسد، ومقصدًا لخلاياه المزروعة في الشمال السوري، التي لها دور أيضًا في تجنيد عناصر لصالحها كتلك الخلية التي ألقت المؤسسة الأمنية القبض عليها مطلع العام الماضي بقيادة المدعو علاء عبد الفتاح الصن الذي اعترف وبالأدلة بقيامه بإرسال إحداثيات حواجز ومقرات الجيش الحر في أعزاز للنظام.

بالمقابل حمَّل الناشط الإعلامي، وأحد أبناء المدينة (محمود حسانو) أكبر قدر من المسؤولية للجبهة الشامية والمؤسسة الأمنية، كونها المسيطرة على جميع الحواجز داخل وخارج المدينة، بالإضافة لامتلاكها جهاز مراقبة “كاميرات تصوير” موزعة على كامل المنطقة.

وأضاف حسانو: أن الحواجز للمؤسسة الأمنية تحولت من كونها أمنية إلى اقتصادية؛ حيث يتركز عملها على موضوع “الرسوم والترسيم” (أخذ مبالغ مالية من الشاحنات الداخلة إلى مدينة أعزاز والراغبة في التوجه لمدينة عفرين) للسيارات القادمة من مناطق تنظيم الدولة، وعدم إبدائها أي اهتمام في عملية التفتيش، متسائلًا عن عدم بثِّ “المؤسسة” أي فيديو يُظهر حركة السيارات الداخلة والخارجة من المدينة، رغم وجود نظام مراقبة حديث.

وسُجلت أول عملية تفجير لسيارة مفخخة في أعزاز بشهر أبريل/ نيسان 2014، أي بعد خروج تنظيم الدولة بعدة أشهر؛ حيث انفجرت سيارة “مركونة” بالقرب من السوق، وتبعتها سيارة أخرى بعد عشرين يومًا، استهدفت كراج سجو، الذي يقع بالقرب من معبر الحدودي مع تركيا، في حينها أعلنت المؤسسة الأمنية إلقاء القبض على منفذي عملية سجو، بعد أقل من 24 ساعة، وتبيَّن أنها خلايا تابعة لنظام الأسد، وتم التخطيط للعملية في فرع فلسطين، وبإشراف الرائد “محمد علي”.

وقد ضرب مدينة أعزاز ونواحيها العشرات من السيارات المفخخة، كان آخرها سيارتين: الأولى مركونة انفجرت الخميس الماضي على طريق القسطل، والثانية في يوم السابع من يناير/ كانون الثاني؛ حيث انفجرت بالقرب من المحكمة المركزية، وأودت بحياة 63 شخصًا و150 مصابًا فضلًا عن 15 مفقودًا.

وحول الجهات والأيدي الخفية المسؤولة عن المفخخات أفاد “قيادي في الفوج الأول” بأن السيارات المفخخة نوعان: الأولى مركونة، والثانية يقودها انتحاري، أما الثانية فلا يوجد مجال للشك أن مصدرها غير تنظيم الدولة، والأولى (المركونة) مزروع بداخلها عبوات ناسفة أو مادة متفجرة، فيعود مصدرها إما لحزب الاتحاد الديمقراطي أو عملاء نظام الأسد أو حتى التنظيم.

وقد تختلف الآراء حول الجهة التي تقف وراء تلك العمليات، إلا أنها تتفق على أن المتضرر الأكبر منها هم المدنيون، وأنه لا بد من اتخاذ مجموعة إجراءات مثل الحد من دخول وخروج الشاحنات ومراقبتها بشكل أدق وتشكيل جهاز أمني تكون مهمته الكشف عن عملاء نظام الأسد وحزب الاتحاد الديمقراطي وخلايا تنظيم الدولة سيساهم بشكل كبير في كبح تلك العمليات.