نهاية الدولة الأسدية


ثائر الزعزوع

أواخر سبعينيات القرن الماضي، وبداية ثمانينياته، اندلعت انتفاضة شعبية في عدد من المدن السورية ضد نظام الحكم، اختُصرت تلك الانتفاضة لاحقًا لتُعرف بأحداث حماة، نسبة إلى مدينة حماة التي ارتكبت فيها قوات النظام السوري مجزرة، ما زال الرقم النهائي لعدد ضحاياها غير موثق بدقة، وإن كانت مصادر عديدة ودراسات تؤكد أن الرقم تجاوز أربعين ألف شهيد، معظمهم من المدنيين، إضافة إلى مئات الآلاف من المُهجّرين، داخليًا وخارجيًا. حينذاك لم يستغرق الأمر وقتًا طويلًا؛ حتى حاصرت قوات النظام المدينة واقتحمتها ونفذت مجازرها خلال أقل من ثلاثين يومًا، وقد أشار -أخيرًا- قائد المخابرات الجوية في نظام الأسد الابن، وكان ضابطًا شابًا في تلك الأيام، أن ما حدث في حماة كان يجب أن يحدث في العام 2011 مع الثورة السورية. برأي الجنرال جميل حسن، هذا هو الحل الناجع للتعامل مع الشعب وفق مفهوم الدولة الأمنية العنيفة التي أنشأها حافظ الأسد، وهذا الحل كان قد طالب به في وقت مبكر من الثورة صحافي كان حتى ما قبل منتصف آذار/ مارس 2011، تاريخ اندلاع الثورة، محسوبًا على قوى التمرد والمعارضة، حيث طالب نبيل صالح فِي مقالة عنوانها “يا حافظ الأسد”، نشرها في موقعه الإلكتروني “الجمل” في تشرين الثاني/ نوفمبر من العام نفسه، بعودة دولة حافظ الأسد، بكل ما تحمله تلك الدولة من معاني البطش والعنف والتدمير، وهو كان مُصرًا في مقالته تلك على استخدام مفردات مثل التطهير، والقضاء على… وإلى ما هنالك من عبارات ومفردات رأى أنها كفيلة باستعادة “أمجاد” دولة حافظ الأسد.

على الرغم من العنف الذي ووجهت به ثورة السوريين الحالية، ومنذ يومها الأول، إلا أنه وفقًا للمقاييس التي بنى عليها حافظ الأسد منظومته الأمنية ليس كافيًا، وليس هو المطلوب على الإطلاق، فلربما كان المقصود أن يسحق الناس تحت جنازير الدبابات منذ اليوم الأول، وألا يُكتفى بإطلاق النار واقتلاع أظافر الأطفال في المعتقلات.

صحيح أن النظرة الخارجية للحدث السوري تقول إن دولة حافظ الأسد ما زالت مستمرة، لكن التعمّق في تفاصيل الصورة أكثر يقول إن الدولة الأسدية تفككت كليًا، وهي آيلة للسقوط قريبًا، وهذه الـ “قريبًا” التي امتدت لسنوات ست هي زمن قياسي نظرًا لعمق تلك المنظومة وتشعباتها داخليًا وخارجيًا، وهذا الأمر لا يعني الاستهانة بالخسائر الجسيمة التي لحقت بسورية أرضًا وشعبًا وتاريخًا، وكلها خسائر كارثية وفجائعية، لكن أي حل آخر لتفكيك تلك الدولة الأسدية لم يكن ليكون قادرًا على التأثير فيها وزعزعة أركانها.

داخليًا، ومع بداية الحراك الشعبي بدا المقصود تمامًا هو حافظ الأسد، وليس وريثه القاصر، فكانت شعارات الثورة في كثير من الأحيان موجهة إلى تحطيم ذلك الماضي وتلك الذاكرة التي تركتها آثارها عميقًا في نفوس السوريين جميعًا، ولعل بشار الأسد نفسه كان واقعًا تحت تأثير تلك القبضة، فلم يستطع الخروج من جلباب أبيه، ولذلك؛ استجلب بعض رجال أبيه المخلصين؛ ليساعدوه في قمع الثورة بالطريقة التي يتقنونها أكثر من رجاله هو، وهؤلاء لم يكونوا أقل عنفًا ودموية على الإطلاق، لكنهم ربما كانوا متأثرين بموجة الحداثة التي ضربت العالم بأسره، وقد يكونون قد فقدوا شيئًا من “مهاراتهم” في أن يكونوا جلادين وقت الحاجة، والحقيقة أن اجتماع الجيلين من القتلة على ضحية واحدة أنتج تلك المجازر المتلاحقة، لكنه في المقابل لم يتمكن من أن يوقف الثورة أو أن يعيدها إلى بيت الطاعة الأسدية… لماذا؟ لأن ذلك البيت، بكل بساطة، بدأ بالانهيار حين اندفع شباب سوريون هنا وهناك ليحطموا تماثيل حافظ الأسد، ويحطموا معها أسطورة الخوف التي جرى تصنيعها على مدى عقود، وفي تلك المشاهد المتلاحقة لتحطيم الأصنام وُلدت عقيدة جديدة لدى الطرفين، عقيدة الشجاعة واستمرار الثورة لدى الشعب الثائر، وعقيدة الانهيار لدى السلطة الحاكمة التي لم تنفع معها محاولات الإنعاش التي استخدمت قمعًا وتنكيلًا وتهجيرًا.

خارجيًا، حوّل بشار الأسد منظومة التحالفات التي بناها أبوه إلى طرف أساسي في المسألة الداخلية، وبسذاجة استجلب، ومنذ الأيام الأولى، مستشارين إيرانيين ليقفوا إلى جانبه، بمن فيهم قياديو حزب الله اللبناني الجنسية الإيراني الانتماء والولاء طبعًا، وصار أولئك المستشارون لاعبين أساسيين، وشيئًا فشيئًا صاروا يديرون الأمور من ألفها إلى يائها، ففقدت دولة حافظ الأسد مكانتها بوصفها حجرًا أساسًا في ما يسمى محور الممانعة، وصارت دولة متداعية ينبغي إنقاذها، حتى لو استلزم الأمر فتح أبوابها لقطعان المرتزقة ليدخلوا كيفما ووقتما يشاؤون، وتصير لهم الكلمة الأولى، فصارت قيمة أكبر جنرال في منظومة حافظ الأسد أقل بكثير من قيمة مقاتل من حزب الله أو ميليشيا أبو الفضل العباس، وفيما بعد ومع بدء التدخل الروسي عسكريًا وبشكل مباشر، بدا أن آخر مسمار في نعش دولة حافظ الأسد قد تم وضعه، من قبل وريثه، ولم تعد صورة حافظ الأسد توحي سوى بعهد بائد ينتظر أن تتم إزالته قريبًا، بقرار قد يكون روسيًا أو ربما إيرانيًا، حسبما تقتضي المرحلة ومصالح الدول، طالما أن الشعب قد تمكن باكرًا من إزاحة تلك الدولة عن كاهله وتخلص منها.

لذلك يبدو لزامًا على السوريين القابضين على جمرة الثورة، والمتمسكين بحلم الحرية، أن يُصدّقوا أنفسهم، وبأن ثورتهم تسير في طريقها الصحيح، فهي حققت أول شعاراتها، فقد سقط النظام، ولم تعد دولة الأسد موجودة إلا في أذهان بعض السذج والحمقى، بل ربما نستطيع القول: إن هذا الولد لم يصن سر أبيه.




المصدر