المازوت الأنباري… موت في مدافئ السوريين

[ad_1]

فشلت جميع محاولات ربة المنزل السورية أم ضياء، من أجل توفير الدفء لعائلتها المكونة من 5 أطفال، إذ ارتفعت أسعار الوقود بشكل فلكي هذا الشتاء، غير أن استخدامهم لمازوت رخيص انتشر في أسواق درعا، تسبب في انفجار مدفأتهم، وإصابة الأم بحروق من الدرجة الأولى ومقتل طفلها.

تقول أم ضياء لـ “العربي الجديد” بعد تعافيها من الحادث: “اشتعلت النيران في عبوة المازوت التي تزود المدفأة بالوقود، وفي ثوان انفجرت المدفأة وامتدت ألسنة اللهب إلى معظم الغرفة، فقد طفلي الصغير بسبب المازوت الأنباري”.

قتلى وجرحى المازوت الأنباري

لم تكن حادثة أم ضياء هي الوحيدة من نوعها، إذ شهدت محافظة درعا منذ مطلع الشتاء الحالي ستة انفجارات، أدت إلى مقتل 7 مدنيين وحرق أجساد 25 آخرين، ويجمع بين كل الحالات السابقة، استعمالهم لهذا النوع من المازوت والذي يتزايد استخدامه في مناطق متعددة من سورية، من بينها محافظة درعا، بحسب توثيق معد التحقيق، ومن بين أخطر الحوادث المترتبة على ذلك، ما جرى في التاسع من شهر يناير/ كانون الثاني الماضي، إذ انفجرت مدفأة في الطابق الثاني من مشفى تل شهاب القريب من الحدود السورية الأردنية، بسبب وجود أسطوانات أوكسجين في الغرفة التي يوجد بها المازوت الأنباري، ما أدى إلى تدمير الطابق الثاني الخاص بالإسعاف كاملاً، فيما توفّي اثنين من الكادر الطبّي احتراقاً، على ما يقول شاهد العيان صالح الزعبي والذي كان موجودا في المشفى وقت الحادثة.

يضيف الزعبي لـ “العربي الجديد”، “ألسنة اللهب امتدّت إلى الطابق الأول وكاد المشفى يشتعل بكامله، لولا تدخّل المواطنين وإطفاء الحريق بما توفّر من مياه”، وعقب يومٍ واحدٍ من هذه الحادثة، أي في 10 يناير، سقطت عائلة كاملة بين قتيل وجريح جراء انفجارٍ مماثل في ريف درعا، وبحسب الممرضة خولة جميل (اسم مستعار)، التي تعمل في مشفى مدينة جاسم فإن المرأة وأطفالها الثلاثة وصلوا إلى المشفى بعد إصابتهم بحروقٍ شديدة، نتيجة انفجار عبوة الوقود التي تغذّي المدفأة داخل منزلهم، وللأسف سرعان ما فارق الأطفال الحياة نتيجة شدّة الحروق وعدم قدرة الكادر الطبّي على إسعافهم، وفقا للمرضة خولة، التي ذكرت أن مدينة جاسم شهدت حالة إصابة ثانية لشاب من سكّان المنطقة جراء انفجار مدفأة في منزله، موضحةً أن حروقه كانت من الدرجة الثانية، ما تسبب في تأثر الطبقات الداخلية والخارجية من جلده.

وتكرّرت حالات الانفجار للسبب ذاته، في مدن وبلداتٍ أخرى في ريف درعا مثل “داعل، مزيريب، الطيبة وبصرى الشام”، وبذات الطريقة وقعت الانفجارات في محافظة إدلب شمال سورية، وفقا لما وثقه الناشط والمصوّر زكريا الكفراني، والذي قال لـ “العربي الجديد”: “في 15 فبراير الجاري، قُتلت امرأة وطفلتها الصغيرة حرقاً وأصيب ثلاثة أشخاص آخرين بعد انفجار المدفأة داخل خيمة الأسرة في “مخيّم الزوف” للاجئين السوريين على الشريط الحدودي بين سورية وتركيا”.

ما هو المازوت الأنباري؟

تعود تسمية المازوت بـ”الأنباري” إلى محافظة الأنبار العراقية، والتي سيطر تنظيم الدولة الإسلامية على أجزاء واسعة منها، ويتم فيها إنتاج هذا المازوت، بحسب الخبير عبدالله صمادي، الحائز على درجة الماجستير في علم الكيمياء، والذي أوضح لـ”العربي الجديد”، أنه “تم تكرير المازوت بشكلٍ بدائي في مصافي تكرير بدائية عبارة عن براميل وأنابيب معدنية يتم تسخينها باستخدام قطع بلاستيكية محطّمة”، موضحاً أن عملية التكرير هذه لا تستخرج مازوتاً صافياً وتفصل بينه وبين باقي المشتقّات الأخرى للنفط، إذ تبقى فيه نسب من الكبريت والرصاص، تشتعل سريعا جرّاء وضع عبوة المازوت بالقرب من المدفأة، ومن ثم تنتهي بالانفجار، قائلا: “عبوة المازوت القريبة من المدفأة والتي تغذّيها به، تبدأ بإفراز دخّان مع رائحة غريبة كلما زادت حرارة المدفأة، وزادت معها حرارة عبوة الوقود”، مضيفاً أن الكبريت والرصاص الموجود داخل المازوت يساعدان على اشتعال المدفأة بطريقة لا يتمكن معها الشخص الموجود في الغرفة من السيطرة على الوضع، قائلا “العبوة إذا لم تكن ملاصقة فإن نسبة الخطر تقل ولكن لا تزول، إذ يمتلأ هذا المازوت بالشوائب”.

وينتشر استخدام المازوت الأنباري في المناطق الخاضعة لسيطرة المعارضة السورية بمحافظة درعا وتشمل درعا البلد وريف درعا الغربي والجنوبي والجنوبي الشرقي ويقدر عدد سكان هذه الأحزاء الخاضعة لسيطرة المعارضة بـ 600 ألف مدني (وفقا لتقديرات المعارضة السورية)، “وهؤلاء لم يعد أمامهم سوى الموت بردا أو حرقا بسبب عدم وجود بديل آخر لهذا المازوت”، كما يقول الخبير الصمادي.

إقبال بسبب الأسعار

باتت الغابات الخضراء في محافظة درعا جرداء تماماً، بعد ست سنوات من القطع المستمر لها من قبل الأهالي التماسا للدفء عبر أخشابها وللتجارة بها، ما تسبب في تدمير 70% من المساحة الإجمالية لأحراج درعا التي تبلغ 10324 هكتاراً اصطناعياً إضافة إلى 300 هكتار عبارة عن غابة طبيعية في وادي معرية، بحسب المهندس جميل العبدالله رئيس دائرة الحراج في مديرية زراعة درعا.

ومع اختفاء المازوت الحكومي من الأسواق، وتجاوز سعره 500 ليرة سورية (دولار واحد) مقابل اللتر الواحد الذي يباع في السوق السوداء، انتشر المازوت الأنباري في أسواق محافظة درعا بسبب سعره الذي لا يتعدّى 275 ليرة في مقابل اللتر، في ظل موجة البرد القارس التي ضربت المنطقة من جهة، وغياب أي وسائل بديلة للتدفئة من جهةٍ أخرى ما زاد معاناة رياض العمري، أحد سكّان ريف درعا، والذي قال لـ “العربي الجديد”: “انتشرت عشرات البسطات التي تبيع المازوت الأنباري بأسعارٍ منخفضة ما أدّى لتدافع الناس نحو شراء كميات كبيرة منه للتدفئة والاستحمام وغيرها من الحاجات اليومية”.

وتشكك أهالي درعا في إمكانية وقابلية هذا المازوت للاستخدام المنزلي، ومن بينهم العامل بمجال الإغاثة زكريا درويش والذي لفت في تصريحات لـ “العربي الجديد” إلى أن “الأهالي لم يكن لديهم خيار آخر، كون هذا النوع من المازوت بات الوسيلة الوحيدة للتدفئة، ما أدى إلى بيع مئات الآلاف من الليترات خلال هذا الشتاء إلى الأهالي والمشافي”.

كيف يدخل المازوت إلى سورية؟

يصل هذا المازوت من الأنبار إلى محافظة درعا، عبر الطرق الممتدة بين البادية السورية، والسويداء وصولاً إلى محافظة درعا، وبحسب الناشط المسالمة فإن الطريق الأول يمتد من الحدود العراقية مروراً بالصحراء السورية ويدخل المهربون إلى درعا عبر طريق “رخم – سكاكا” بين ريف درعا الشرقي وريف السويداء الغربي.

ويبدأ الطريق الثاني من الصحراء وصولا إلى “صمّا – المليحة الشرقية” بين ريف درعا الشرقي وريف السويداء الغربي، في حين يعبر الطريق الثالث من الصحراء باتجاه “برَد – بصرى الشام” أيضاً بين ريف السويداء الغربي وريف درعا الشرقي، وتُعتبر هذه الطرق بيئة مناسبة لعمليات التهريب، إذ تمر في مناطق صحراوية وبيئة بادية ثم بيئة جبلية، لذلك غالباً ما تكون بعيدة عن أعين أي جهة قد تضبط عمليات التهريب هذه، كما يقول ماهر خالد (اسم مستعار)، والذي عمل سابقاً في تجارة الوقود بدرعا، متابعا أنه حقق أرباحاً خيالية تصل حتّى الضعف في بعض الأحيان، من وراء بيع هذا المازوت.

ورفض التاجر السوري الكشف عن هويته الحقيقية إذ كان يعلم لدى شرائه وبيعه هذا المازوت أنه غير صالح للاستخدام، وقد يُسبّب أضراراً كبيرة، لذلك لم يبعه إلى أقاربه وأصدقائه كما يقول.

إجراءات وقائية

يدعو الكيميائي المتخصّص عبد الله الصمادي، إلى عدم استخدام هذا المازوت بشكل نهائي، موضحا أنه على الرغم من أن الشتاء شارف على النهاية، إلا أن ذلك لا يعني استغناء السوريين عنه وتوقف استخدامه، إذ يلزمهم في عددٍ من الاحتياجات الحياتية الأخرى، في المشافي والأفران والمعامل.

وحدد الصمادي ثلاث خطوات يجب على مستخدمي هذا المازوت القيام بها، للحد من اشتعاله وليس القضاء عليه بشكلٍ نهائي، أولها فتح كل النوافذ داخل الغرفة التي يتم بها استخدام المازوت، من أجل عدم السماح رائحة الرصاص أو الكبريت بالتمدّد داخل الغرفة، في حين يقوم الإجراء الثاني على ترك مسافة كبيرة بين عبوة المازوت الأنباري وبين مكان الاشتعال الذي يتم تغذيته من المازوت، بحيث لا تؤثّر حرارة الاشتعال على المازوت وتؤدّي لاشتعاله بسبب المكونات الموجودة داخله.

أما الإجراء الثالث والحديث للصمادي، فيتمثّل في عدم زيادة الوقود المحترق في المدفأة، موضحا إنه كلّما زاد اشتعال المدفأة وارتفعت حرارتها، تزايدت إمكانية اشتعال المازوت، ولا سيما إذا كانت العبوة قريبة من مصدر الاشتعال.

[ad_1]

[ad_2]

[sociallocker]
صدى الشام
[/sociallocker]