في عجز الثورة السورية

[ad_1]

[ad_1]

عمار ديوب

عرف السوريون بطش السلطة الأمنية وخافوا منها كثيراً، ففي ذاكرة الثمانينات، عانى منها المجتمع بأكمله، لا سيما مدينة حماة، ولم تقتصر المواجهات على تنظيم «الطليعة» الأصولي، بل كذلك طاول القمع القوى اليسارية السورية المتعددة من شيوعيين وقوميين. هؤلاء السوريون «الضعفاء» وجدوا أنفسهم لاحقاً في مرحلة ثورة عربية جامحة. الثورات تتحرك من حولهم في تونس ومصر وليبيا واليمن وهم يتفرجون عليها في التلفاز. هنا اجتمع لدينا عنصران، ثورات عربية ورغبة في التغيير على رغم الخوف. حُسمَ الأمر سريعاً لمصلحة الثورة، فما إن بدأت حتى عمّت وتطوّرت وأصبحت لاحقاً ثورة كاملة. الخوف دفع الشعب إلى التنبه العميق لأي شعارات أو أفعالٍ قد تستفز النظام. المشكلة أن النشاطات الثورية وُوجهت برفض قاطع من النظام، فهي بِعرفهِ إما مؤامرة خليجية، أو فتنة طائفية، ولاحقاً تطور الخطاب حتى وصل إلى مفهوم الجماعات السلفية والإرهابية.

التنبّه ذاك، وعلى رغم تراجع الهوية الوطنية، دفع السوريين إلى تبني وطنية جديدة، وهي ترتكز على وعي قديم وطني أيضاً. لم يُمهل النظام الشعب لتطوير وطنيته تلك، فقال بالفتنة الطائفية، أي أن الثورة تقوم بها الطائفة السنية، والنظام حامي الأقليات وحامي كل من يرفض تلك الثورة من السنة، وأن ما أُجِلَ لسنوات طويلة من إصلاح سياسي سيُنفذ بالتدريج. الإصلاح هذا كان مستبعداً بالكامل، فالنظام ومنذ 2000 تكلم عن إصلاح إداري واقتصادي ورفض كل دعوات المعارضة والمثقفين بخصوص الإصلاح السياسي، وكان لهذا الإصلاح دور كارثي في انهيار الاقتصاد الوطني وازدياد المفقرين، فإصلاحه كان لمصلحة تحالف المافيا الأمنية المالية، والمرتبطين بها. وبالتالي ما أجبر النظام على إلغاء قانون الطوارئ وتجنيس الأكراد والثرثرة عن قانون ينظم التظاهرات، هو الضغط الثوري المنبعث في المدن السورية كافة، وميله الوطني العام. خطاب النظام ذاك وُوجه بخطاب شعبي وطني عام، وبمطالب عن ضرورة أن يصلح النظام ذاته ويقيل قادته الأمنيين والمحافظين في شكل خاص، لكن النظام ولغ في الاعتقال والقتل، وكان هذا الأمر يتصاعد بالتدريج. كذلك أطلق سراح مئات من الجهاديين من السجون، وتلاقى هؤلاء مع سلفيين كانوا بالأصل ضمن السياق الثوري. قوة الثورة وتوجهها الوطني العفوي منعا هؤلاء من البروز في السنة الأولى، ولكن قوة القمع وتراجع المظاهر الثورية السلمية، وتقدم الثورة المسلحة، دفعت هؤلاء إلى أن يظهروا سريعاً، فما إن انتهى 2011، حتى كانت حركات كالنصرة وأحرار الشام وجيش الإسلام على الساحة. يُميزُ هذه الحركات أنها عابرة المدن والدول، وتبين لاحقاً أن مهمتها ليست محاربة النظام، بل إنهاء الثورة بالتحديد، ومع إخفاقها في ذلك شُكّل «داعش»، والذي كان كارثياً على مناطق واسعة في سورية، وتوسع إلى مختلف المحافظات. «داعش» كان واضحاً بعدائيته للثورة بالتحديد، ونادراً ما خاض معارك ضد النظام.

العجز الذي أشير إليه هنا، يكمن في أن الثورة، وعلى رغم تنبّهها إلى تاريخ النظام وشموليته، لم تستطع تشكيل استراتيجية ثورية تمنع عنها الانحراف، الانحراف الذي تجلى بسيطرة السلفية والجهادية، والتحكم الإقليمي والدولي فيها، كما لم تستطع تشكيل قيادة ثورية. هذا العجز منعها من الاستمرار بهويتها الوطنية الجامعة، بالتالي دفعها النظام إلى إظهار الهوية ما قبل الوطنية، لا سيما أن مختلف ممارساته ضد الثورة كانت ذات صبغة طائفية، وكذلك تحالفاته الأولى مع «حزب الله» وإيران والميليشيات الشيعية المُستقدمة من الخارج. الروس ظلوا خارج المعادلة، فتدخلهم الأساسي كان بسلاح الطيران. المعارضة والنخب السورية لم تمتلك مشروعاً لمواجهة هذه المشكلات، بل كانت أداةً للتحكم الإقليمي والدولي بالثورة!

إذاً، لم تستطع الثورة نزع التعجيز أو العجز الذي أوصلها إليه النظام، وبالتالي ارتدت إلى ممارسات محلية ومناطقية، ومع الحصار الإقليمي والدولي لها ذهبت نحو التدين والسلفية والجهادية. عداء الأخيرة للشعب لم يسمح له بالعودة إلى التظاهرات الأولى. وعلى رغم التظاهرات في أكثر من مناسبة كاتفاقيات إيقاف اطلاق النار والهدنة وسواها، فإن العجز ظل مكبلاً إياها، فلم تستطع إبعاد القوى السلفية والجهادية وهيمنة الفصائل عن مدنها ومناطقها، أو تبني استراتيجية وطنية تُنهي أشكال التدخل الخارجي كافة وإظهار قيادة ثورية تمثله.

“الحياة”

[ad_1]

[ad_2]

[sociallocker]

المصدر

[/sociallocker]