Written by
MICRO SYRIA ميكروسيريا
on
on
الساحل السوري: هل وقع في فخ التشييع السياسي؟
بقلم حازم مصطفى (اسم مستعار).
قدم السوريون تفسيراً لأزمة الوقود التي ضربت البلاد الشهرين الماضيين وشلّت الاقتصاد والعباد، بأنّ “الإيرانيين قطعوا الإمدادات عن البلاد للضغط على النظام لتسليمه أحد المرافئ السورية أسوة بتسليم مرفأ طرطوس للروس، مما استدعى سفراً عاجلاً للحكومة إلى طهران لتوقع خمسة اتفاقات، من بينها تسليم منطقة البسيط (شمال اللاذقية) ومناجم الفوسفات شرقي تدمر وأراض زراعية في منطقة الغاب للإيرانيين”، وذلك وفق ما يتداوله السوريون في الشارع في الساحل السوري، والتي تم رصدها من قبلنا، الأمر الذي يعكس وعياً بطبيعة التدخلات الدولية وأثمانها. أتاح “كسر العظم” هذا فرصة مراجعة الموقف من قضية التشييع السياسي لسكان الساحل السوري، والطائفة العلوية أولها، التي يعمل عليها النظام الإيراني بشكل مخفي وعلني منذ عقود، موضحاً أنّ الشراكة الاستراتيجية معه والمبنية على ديماغوجيا المقاومة والممانعة “لا تمانع” وجود فواتير لا بدّ من دفعها، وأنّ هذه الشراكة ليست بتلك الصورة “الزاهية” التي يحاول النظام تقديمها، وأنّها تتعدى إلى سباق مصالح قوي بين شركاء الخراب السوري وعلى حساب السوريين طبعاً، شاء النظام ذلك أم أبى، متوسمة أدوات تتخفّى في لباس ديني وباحثة عن موطئ قدم تاريخي على شواطئ المتوسط. مصطلح التشييع السياسي: في قضية التشييع الحاصلة منذ عقود، لا بدّ من التأكيد دوماً على أنّ الطوائف ليست كيانات مجرّدة ذاتية النمو، وهي لا تكون “طوائفاً إلا بالدولة، لا بذاتها، والدولة هي التي تؤمن ديمومة الحركة في إعادة إنتاج الطوائف كيانات سياسية، هي بالدولة وحدها، مؤسسات” 1، من هنا نفهم أنّ “العلوية” كما “السنية” و”الشيعية”، في راهنها السوري، كما في غيره، هي بنية سياسية قبل أن تكون دينية يقع فضاؤها في قلب الإسلام السياسي وحركيته، وأحد تمظهراته في المنظومات المتقاتلة على الأرض السورية، وهي من أهم أدواته الفاعلة. نميز بين التشيّع والتشييع، فالأول تحوّل ديني (روحي) إلى المذهب الشيعي لأسباب دينية عقائدية، وعادة ما يكون فردياً، بمعنى أنّه اختيار ذاتي، أما الثاني فهو يضيف إلى التشيع حواملاً سياسية، مثل الأحزاب والتنظيمات ومنها المسلحة (حزب الله)، أو الجمعيات، أو أفراد، ممن يتبنون (مثلاً) قدسية ولاية الفقيه 2، والتعصب والمذهبية وثقافة الطقوس الشكلية، عدا عن التدخلات المؤكدة في الشأن العام والسياسي من منطلق مذهبي، ولذلك يعرف “بالتشييع السياسي” 3، وهذا يعني أن مواطناً / دولة / حزباً ما [قد] يتبع وينفذ سياسات [دولة أخرى] وتوجهاتها بناء على اتفاق المذهب، وهو ما يمثل خرقاً كبيراً لأية سيادة وطنية في ظل “التربية على التوحش وإعادة التنشئة الاجتماعية لهذه الفرق الخلاصية ولسيناريو الفتن والملاحم” 4، وبدلاً من أن تكون معايير علاقات الأفراد والجماعات والدولة بعضها ببعض مرتبطة بعقدهم الاجتماعي الخاص ببلدهم، تصبح عابرة للحدود ومبنية على سياسات دولة أخرى تتخفّى في الإطار المذهبي، والأهم أنّ التشييع السياسي يكاد يكون جزءاً من المشروع الاستبدادي العربي بالتضافر مع نظام ولاية الفقيه الاستبدادي هو الآخر. إنّ ثقل وقوة مشروع التشييع السياسي في سوريا هو في الطائفة العلوية، فاستمراره في المناطق الأخرى (وأوسعها كان في الجزيرة السورية حتى 2009) 5 محكوم بعوامل مقاومة دينية وسياسية واجتماعية تكاد تنتفي في الساحل السوري، فالعلويون تاريخياً من مشتقات الشيعة، وهم غالبية سكان جبال الساحل ومدنه (بدرجة أقل) وبنسبة تقترب من 12% سورياً (تقديرياً 2.1 مليون إحصاءات 2011)، وثالث الأسباب الأقوى: الأمية الدينية العلوية الكبيرة الانتشار والتشقّقات التي تضرب المجتمع العلوي منذ العام 2012 للآن. استثمار المظلومية التاريخية: يشكل الشيعة أقلية إسلامية كبرى (100 مليون من مليار) ظهرت للوجود في القرن التاسع الميلادي 6 نتيجة لخلاف سياسي حول مسألة حكم الدولة الجديدة بعد وفاة النبي 7، ولاحقاً انقسم الشيعة أنفسهم إلى فرق متعدّدة ارتبطت كلّ منها باسم أحد الأئمة أو أبنائهم، ويشكل الاثني عشريين غالبيتهم 8، ومن فرقهم الكبرى الإسماعيليون والزيديون والعلويون، وجميعهم تعرّضوا إلى الملاحقة والقتل من قبل السلطات الحاكمة العربية (الأموية والعباسية) 9 والأجنبية (مماليك وصليبيين وعثمانيين)، بفتاوى أصدرها فقهاء السلاطين لغايات سياسية، لذلك فقد كان إعلان الشاه إسماعيل الصفوي إيران دولة شيعية عام 1501 بمثابة ولادة جديدة في العصر الحديث أتاحت لهم دولةً تجسد رؤيتهم السياسية والدينية للعالم ومركزاً ثابتاً لممارسة طقوسهم، ولنشر التشييع بوسائل مختلفة (عسكرية، مادية، تبشيرية 10.
لوحة فنية بالخط العربي كتب عليها “لا للطائفية “للفنان منير الشعراني.

إحدى صفحات وثيقة “العلوي في المجتمع، إعلان وثيقة إصلاح هوياتي” التي لم يعلن مطلقوها عن أسمائهم. المصدر: الأنترنت، وتستخدم الصورة بموجب حقوق الاستخدام العادل والصورة محفوظة للمصور.
Notes:
- [1]مهدي عامل، في الدولة الطائفية، طبعة أولى، دار الفارابي، بيروت، 1986.ص 23 ↩
- [2]تطور الفكر السياسي الشيعي من الشورى إلى ولاية الفقيه، أحمد الكاتب، بيروت، دار الجديد، ط1، 1999، ص 281، و460.ويرى أن ما قام به علي والحسن والحسين نوع من التشيع السياسي. ↩
- [3]محمد علي مقلد، الشيعية السياسية، بحث في معوقات بناء الدولة، الدار العربية للعلوم ناشرون، بيروت، ط1، 2012، ص13. من الواضح أن غالبية حركات الإسلام السياسي تقع في حيز مفاهيمي مشترك، انظر: عزيز العظمة، سوريا وتصاعد المد الأصولي، رياض الريس للنشر، ط أولى، 2015، ص 12، 18، 90 وغيرها. ↩
- [4] عزيز العظمة، مصدر سابق، ص18 و26. ↩
- [5] “البعث الشيعي”، المعهد الدولي للدراسات السورية، بتمويل من حركة العدالة والبناء، 2009، لندن، ص 172 و173. ↩
- [6]هاشم عثمان، تاريخ الشيعة في ساحل بلاد الشام الشمالي، مؤسسة الأعلمي للمطبوعات، بيروت، 1404 ه، ط1، ص 18 وما بعدها، ويقول الشيخ المظفر بوجودهم في دمشق من القرن الأول الهجري (السادس أو السابع الميلادي)، تاريخ التشيع للشيخ المظفر، دون تاريخ ولا دار نشر (مطبوع)، ص20. ↩
- [7] المشترك في العبادات بين السنة والشيعة واحد تقريباَ (حج، صلاة، الخ)، أما المختلف عليه، فيقع في الحقل السياسي، فالسنة يناصرون (نظرياً) حق الأمة في اختيار حكامها أما الشيعة فيحصرون الحق في أبناء الإمام علي وذريته (أئمة أهل البيت). ↩
- [8] من يوالي 12 إماماً، بدءاً من الإمام علي وانتهاء بمحمد ابن الإمام الحسن العسكري. ↩
- [9]هل العلويون شيعة؟ هاشم عثمان، مؤسسة الأعلمي للمطبوعات، ط1، 1994، ص 29 و30. ↩
- [10]هناك دول أخرى شيعية مثل الفاطميون في مصر، والأدارسة في المغرب العربي، ولكن التحول الإيراني كان نقطة تحول مفصلية. ↩
- [11]ولكل إمام باب، شخص ثقة، يتلقى منه علوم آل البيت السرية والمعلنة، وهي مرتبة سياسية ودينية تحتل في العلوية مركزية منطلقة من سلمان الفارسي الذي كان باباً للإمام علي، وهو وارد في الأدبيات العلوية، أنظر هل العلويون شيعة، مصدر سابق، ص44. ↩
- [12]ديوان الخصيبي، شرح إبراهيم مرهج، منشورات دار الميزان ـ بيروت ـ دون تاريخ، ص14. ↩
- [13]هاشم عثمان، هل العلويون شيعة، مصدر سابق، ص 16. ↩
- [14] وردت في ديوانه بتحقيق وشرح الشيخ إبراهيم مرهج (على مولاه) والقصيدة على النهج العرفاني ترفض موت الحسين بل (شبه لهم) مماثلة بالسيد المسيح، انظر القصيدة في الديوان، ص 202، أو https://archive.org/details/Murheg ، على أنه في قصيدة أخرى يمدحهم ممجداً خصالهم، انظر ص243 نفس الطبعة. ↩
- [15] انظر: العلويون في دائرة الضوء، الشيخ علي عزيز الإبراهيم، دار الغدير، بيروت، 1999، ط1، ص 163 وما بعدها. ↩
- [16] علي عزيز الإبراهيم، العلويون، مرجع سابق، ص 166 وما قبلها. ↩
- [17]علي عزيز الإبراهيم، العلويون، مرجع سابق. ص 167 وما بعدها لنهاية الفصل. ↩
- [18]تاريخ سوريا المعاصر، كمال أبو ديب، دار النهار، ط1، 2011، ص 44. ↩
- [19] لقبه “علامة الجيل”، من كبار محدثي وفقهاء العلوية، من قرية “السلاطة” ريف اللاذقية، والد الشاعر بدوي الجيل، وأول من درّس البنات في الجبل العلوي. ↩
- [20] مقدمة كتاب شرح العلامة سليمان الأحمد لديوان المكزون السنجاري ـ مؤسسة البلاغ ـ بيروت ـ 2009. ↩
- [21] تكوّن جمهورية، محمد الهواش، مكتبة السائح، طرابلس، 2005، ص230، و231 وحتى 258. ↩
- [22] تكوّن جمهورية، مصدر سابق، ص 238. ↩
- [23] من أهم شيوخ ومناصري تيار عودة الفرع إلى الأصل مع المحافظة على الصوفية العلوية، له عدة كتب مهمة وزعت على نطاق واسع، من القرداحة. ↩
- [24] عقيدتنا وواقعنا نحن المسلمين الجعفريين العلويين، الشيخ عبد الرحمن الخير، 1999، ص 92. ↩
- [25] تتحدث مرويات علوية محلية، أن الشيخ مغنية بعد انتهاء اللقاء سأل عن زواج المتعة لدى العلويين، فأجابه الشيخ “محمود الصالح” [بعدم جوازه لدينا]. ↩
- [26] وهي أول حوزة شيعية أقيمت بجوار ما يعرف الآن بمقام السيدة زينب (دمشق). ↩
- [27] عقيدتنا وواقعنا، الخير، مرجع سابق ص93 ↩
- [28] من حديث مع بعض أقرباء الشيخ عبد الرحمن الخير، والعائلة من العائلات الإقطاعية (النبيلة) ومرجعية لشؤون الطائفة الدينية. ↩
- [29] الأسد والصراع على الشرق الأوسط، النسخة العربية، باتريك سيل، دار الساقي، لندن، ص 279 ↩
- [30] وفي رواية أخرى لحسن صبرا أن الأسد طلب ضم العلوية إلى شيعة لبنان، ↩
- [31] الأسد والصراع على الشرق الأوسط، مصدر سابق، 279، وغيره. ↩
- [32] معلومات محلية، كما وردت في “البعث الشيعي”، المعهد الدولي للدراسات السورية، بتمويل من حركة العدالة والبناء، 2009، لندن. http://almoslim.net/documents/IISS-7.pdf ↩
- [33] انظر تحقيقنا المعنون: المدارس الجعفرية رحلة الألف ميل الشيعية، على الرابط. ↩
- إجمالي عدد المتشيعين في عهد حافظ الأسد هو 52596 شخصاً سورياً من مختلف الطوائف في ثلاثين عاماً. أما في عهد بشار الأسد حتى عام 2007 فقد تشيع 22282شخصاً سورياً من الطوائف (السنية والعلوية والإسماعيلية)، وبالتالي فإن المعدل السنوي لانتشار التشيع لمختلف الطوائف هو 2785 سورياً في السنة، ووفقا لهذا الحساب فإنه يعني أن نسبة التشيع من مختلف الطوائف زادت في عهد حافظ الأسد عما قبله بـ 89 مرة! وفي عهد بشار الأسد تضاعفت النسبة 1.6 مرة عن عهد أبيه، و142 مرة عما كان في 1970 فما قبل! المصدر: البعث الشيعي ـ 1919-2007، مصدر سابق، ص 170 (ملخص الدراسة). ] ↩
- [35] المصدر السابق. ↩
- [36] يبرز اسم طبيب الأسنان المهلب حسن الذي صفي على ما يقال في فرع الأمن العسكري في اللاذقية بعد مطالبته بمرجعية علوية على غرار المرجعيات الشيعية، انظر البعث الشيعي، ص 61، مصدر سابق. ↩
- [37] هذه الحالات تروى في المجتمع المحلي. ↩
- [38] طرد أحد المشايخ العلويين الأصوليين سيدة كانت تقرأ القرآن مرتلاً من جنازة عسكري في منطقة بانياس علناً. الواقعة محلية. ↩
- [39] سميت كذلك لوجود اشتراط خاص فيها يقول: (لا تسعى هذه الوثيقة لابتدار إصلاح ديني سواء في المعتقدات أو في طرائق)، انظر نص الوثيقة كما نقلته الـ BBC في 5 نيسان 2016 وكتب بشأنها كثيرون، يرى بعضهم أنها مفبركة، ويرى آخرون أنها تقض مضاجع النظام، راجع مقالة ساطع نور الدين في موقع المدن أو راتب شعبو https://hunasotak.com/article/21286 ↩
- [40] مهدي عامل، في الدولة الطائفية، ص19، وينطبق إلى حد كبير ما ذكره على سوريا وقتها، فالزعيم فوزي السلو وغيره هم من أصدر التشريعات الطائفية، دون أن يلغي ذلك طبعاً أن السلطات اللاحقة كرست الأمر بشكل أقلياتي ومنها سلطة الأسد التي لم تكن طائفية بقدر ماكنت عائلية وعشائرية. انظر فلاحو سوريا، حنا بطاطو، المركز العربي للأبحاث ودراسات السياسات، الطبعة الثانية، ص 455، جدول رقم 19-3. ↩
المصدر
