د.عزة عبد القادر

لا أعرف من صاحب مقولة ( إلي نعرفه أحسن من إلي منعرفوش) ، فلم يصلنا إلى الآن مناسبة تلك المقولة الخالدة والغريبة في ذات الوقت ، المشكلة ليست في جملة أو عبارة ولكن المعضلة تكمن وراء الإيمان الصارخ العتيد بها ، فهناك الكثير من الناس في العالم العربي يقدس تلك المقولة أو كما يتداولها الأشخاص بأنها تعد مثل من الأمثال ، وتلك من وجهة نظري الشخصية تبدو قضية معقدة ، لماذا؟ لأن المفترض أن أصحاب الفكر والحكماء هم إناس يتسمون بالتجديد والانفتاح على العالم ، فقد كان الأنبياء المرسلين من الله عز وجل هم أول من عُرفوا بالمجددين ، فقد هدموا الأفكار القديمة ليضعوا موضعها أفكاراً متطورة تناسب العصر الذي نزلت فيه .
وما كان سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم إلا نبياً ثائراً، فقد حطم الفكر التقليدي الذي يدعو إلى الكفر والعبودية ليأتي بمنهج عقائدي متكامل يدعو إلى الحرية والاستقلالية، ولهذا فقد كان أكثر المؤيدين للنبي الكريم هم أصحاب الفكر المنفتح والعقول المستنيرة التي تتسم بالمرونة وقبول الآخر .
كان الصحابة الكرام رضوان الله عليهم هم الأكثر ليونة وسماحة ، فلم يصدر عنهم تمسكاً بما يعرفونه فقط من عقائد وتقاليد أسلافهم من الآباء والأجداد ، أما الكفار فقد كانوا على النقيض من ذلك حيث راحوا يتداولون تلك العبارة اللعينة وهي ( ما نعرفه هو الأفضل بالتأكيد) متحججين بأنهم يسيرون وراء آبائهم
قال تعالى : ” قَالُوا بَلْ وَجَدْنَا آَبَاءَنَا كَذَلِكَ يَفْعَلُونَ” الشعراء 74.
وقال سبحانه :” وإذا قيل لهم اتبعوا ما أنزل الله قالوا بل نتبع ما ألفينا عليه آباءنا أولو كان آباؤهم لا يعقلون شيئا ولا يهتدون” البقرة 170
كان هذا التحجر في العقول هو الذي أدى بطبيعة الحال إلى الكفر الذي يفضي في النهاية بصاحبه إلى النار .
إن الإسلام كان ثورة حقيقية في الفكر والعقيدة ، ولهذا كانت معاناة الرسول صلى الله عليه وسلم معاناة كبيرة بل ومضاعفة لأنه لم يأتي إلى بيئة عادية ، فقد أرسله الله تعالى إلى الأمة العربية في مركز شبه الجزيرة العربية وهم كانوا إناس متشددين يتميزوا بالحدة والقسوة ، ورغم ذلك كان هناك بعض الصفات الحميدة التي يتسمون بها مثل (الكرم- الشجاعة- الغيرة وإغاثة الملهوف) ولكن المشكلة الحقيقية كانت في شدة تمسكهم وتشبثهم بتقاليد القبيلة البدوية التي ينتمون إليها ويقدسونها حتى إذا كانت تلك التقاليد تحرض على العنف أو تدعو إلى وأد البنات
قال تعالى “: وإذا الموءودة سئلت بأي ذنب قتلت” آية 9،8التكوير
لقد جاء الإسلام لتهذيب تلك النفوس وتطهيرها من الدنس والكبر.
بدأت ثورة الرسول الكريم صلى الله عليه وسلم بعدد قليل جداً من المؤمنين ، ففي أول الأمر آمنت به فئة قليلة كان أولهم رجلين وامرأه ، فالرجلين هما ( أبو بكر الصديق رضي الله عنه الصديق الوفي لرسولنا الكريم ، وعلي بن أبي طالب كرم الله وجهه خليله وابن عمه ، والمرأة هي السيدة العظيمة خديجة بنت خويلد ام المؤمنين وزوجة سيد الخلق أجمعين ”
فيما بعد تدرجت الدعوة الإسلامية لتنتقل إلى فئة أكبر ثم قبيلة بأكملها ثم مدينة وهكذا حتى وصلت إلى العالم أجمع، ولكن بكل تأكيد قام الإسلام على أكتاف رجال يزنون أمم.
كل ما يمكن ان نخرج به مما سبق ذكره ، إن الأفكار الجديدة والثورات الفكرية والسياسية تحتاج إلى رجال حقيقين ، فلا يهم القوة العددية ، بل الأهم الكيفية ، والأخطر من ذلك أن الفئة الكافرة بالثورة هم الذين تجمدت أفكارهم فلم تستوعب مستجدات العصر الحديث ، ولم تستطيع أن تتأقلم مع المتغيرات المتسارعة في القرن الواحد وعشرين ، فقد آثر المحاربين لثورات الربيع العربي منذ عام 2011 أن يتمسكوا بأيديهم وأسنانهم بالنظم السلطوية القديمة التي تسقط أمامهم يوماً بعد يوم مثلما سقطت الأصنام أمام أبو جهل وأبي لهب ولكنهم في إصرار غريب وغير مبرر يضعون أفكارهم القديمة المتهالكة في علب من القطيفة الفاخرة معتقدين أن المسألة مجرد مظاهر ، ولا يعرفون إنها قضية محتوى ومنهج .
لقد سمي أبو جهل بهذا الاسم المهين رغم أن كنيته قبل الإسلام كانت “أبو الحكم ” وذلك كما يقال لرجوح عقله وحكمته ، ولكنه أثبت عكس ذلك عندما رفض الإسلام لأنه سوف يخسر مكانته بين قومه ،حيث كان صاحب مقام رفيع ، والغريب أنه كان يعلم أن الرسول كان على حق ولكنه لم يتبعه لغروره وتزمته ، وقد اعترف للرسول بذلك ، بل واخبر الصحابي الجليل المغيرة بن شعبة بأنه لن يدخل الإسلام حتى لا يتساوى بالعبيد رغم انه يعرف بصدق سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم .
عجيب أمر أبو جهل هذا لا يخشى ان يدخل النار التي سيخلد فيها ويرفض الجنة التي سينعم بها إذا قرر فقط ان ينطق الشهادتين ” شهادة ان لا اله إلا الله وأن محمداً رسول الله”
ما أقبح فكر ابو جهل وما أحقره .
وقد تذكرت أبو جهل مباشرة وأنا أرى المؤيدين للنظم العسكرية والديكتاتورية في الدول العربية، حقاً إنهم خلفاؤه، إنهم يعرفون الحق لكنهم لا يرضون إتباعه لأنه يتناقض مع أهوائهم ورغباتهم في الوصول للمناصب والحصول على الأموال، فما أقبحهم وما أجهلهم.
قال تعالى : )قالت الأعراب آمنا قل لم تؤمنوا ولكن قولوا أسلمنا ولما يدخل الإيمان في قلوبكم وإن تطيعوا الله ورسوله لا يلتكم من أعمالكم شيئا إن الله غفور رحيم) آية 14الحجرات

اسم الكاتب
دكتورة عزة عبد القادر