بشرى البشوات

مجموعة أيمن الأحمد –البدوي الذي حصلت مجموعته القصصية (أنثى الماء) على جائزة الشارقة للإبداع العربي، الإصدار الأول سنة 2016- تبدأ عنوانها بالاحتيال على اللغة، فالماء صار أنثى تمشي مع ابن البادية هذا وتؤاخيه، فيمتزج عطشه وخيال الماء، ليقدم لنا واحة من جمال.

ضمن المجموعة القصصية التي كتبها خلال العامين: 2008 و2009، ثلاث عشرة قصة قصيرة، تدور عوالم ضمن بيئة واحدة قاتمة وشحيحة. مرة يأخذ المكان دور البطل، وتارة تتصدر الطبيعة المشهد. حيث ترتدي قصصه ثوب الشجن؛ لأنها تستند أساسًا إلى مفاصل الحياة المهملة.

قد تنتهي بعض القصص، ويظل قلبك مسكونًا بصدى سؤال دام، ماذا بعد؟!

حياتية تمامًا وعادية، حافلة بالسخط، رافضة سوء توزيع الضوء بين الناس.

يعتمد فيها الكاتب في قصصه أسلوب التقطيع، ويقدم علاقة إشكالية تنوس بين مدينة قاحلة، وأبنائها الذين غمرهم الجدب.

لن أنقل طينًا في سلة حين أكتب عن قصصك أيها السوري.

فأيمن الذي شقت حجارة جبل عبد العزيز قدمه الصغيرة، وهو يلاحق غزالاته في الجزيرة السورية، البدوي الذي قنصه العطش فكتب بأصابع مبتلة بحكايات أخرى للماء، يعرض مفرداته بدراية العارف، وتتحول المفردة إلى جملة فنية تسحبك من رأسك وتهرول بك.

تتكىء أكثر نصوصه، على المفارقة لاستحضار دهشة ملونة، لا تشبه عواصف الغبار في مدينة الحسكة، يقدم لنا أيمن حكاياته.

الأبواب التي ورّط فيها قصصه ورطة لذيذة، أضافت وهجًا للمجموعة.

ففي باب اللون: يروي في أربع قصص منها سيرة إيقاع الحزن في مدينته. (قصة علبة السردين) التي حملت عنوانًا مخادعًا، يسرد قصة النهر العقيم نهر الخابور وكيف يمكن لعلبة سردين فارغة في يدي صبي صغير أن تطيّر يومًا.

يطلُ ضمير المتكلم في أغلب قصصه، ويفتح تقطيع النص الواحد شهيتنا للقراءة، النهايات الفجائعية والجملة التي تدق برجليها جدران القلب: (لذا أبحث عن حجر مظلم وأشارك الآخرين نباحهم).

يبدو الشكل الفني للقصة متقنًا تمامًا، الحدث وبناء الشخصيات والسرد العذب واضح للعيان.

يروي أيمن قصصه بعذوبة تنسى معها طعم المرارة.

في باب مجموعته الثاني (باب الدفلى) يُحكم سيطرته على السرد الذي يلقيه بخبرة العارف المتمكن من أدواته من كلمة –جملة– أو شبه جملة؛ فتبدو الجمل حمّالة للتأويل، فالقاص هنا لا يمسك بأيدينا حتى نهاية النص.

تتوزع نصوص باب الدفلى في مجموعة عناوين تبدأ (بغبار المستطيل – سماء لظل عار- النهر يعبر النافذة- خيط الشمعة).

المكان المدهش هنا هو بادية، بكر أمّ القحط، سليلة الجزع.

ففي قصته (سماء لظل عار) التي كتبها سنة 2008، تسقط الشمس شاحبة في قلبه ولا تغيب.

يعوّل أيمن في قصصه على الزمن، وكأنه يريد فعلًا هذا الزمن أن يمضي؛ لذلك، فهو يكتب معظم قصصه في زمنها الماضي. الزمن الذي تدخله مدينة الحسكة بعد عام 2000، هو البطل الحقيقي في قصص أيمن.

البطل الذي يظهر ماردًا قويًا في الباب الأخير من المجموعة (باب الحدس)؛ ولأن آخر الحدس هو أول اليقين، تأتي قصصه الزاخرة بالتفاصيل، عابقة بوفرة اللغة، لتنبه القارىء إلى حضور قاص مجتهد.

يكتب أيمن في هذا الباب أربع قصص أخيرة، تحمل المجموعة اسم واحدة منها:

هذا بياضك، فرح، أنثى الماء، هامش الحدس.

تأخذك قصة أنثى الماء في شهقة طويلة، تحبس أنفاسك بانتظار أن يغمرك الماء، فيشدك اليباس.

تنتظر أن تظهر لك الأنثى سليلة العطش.

يقول أيمن: كل شيء على ذمة الماء افتراض. تبدو القصة هنا حفلة موسيقية رهيفة وفيها من الماء كثير. وفيها من النار كثير.

أحدس بشيء ما…. ولا أعرف أي ماء يبقيني على اشتعالي!!

هو جاءني رجل في الحلم وقال لي: ثق بحدسك.

قلت كيف؟

قال لي: الماء يحترق.

يقول أيمن: فكر بهذا الماء الذي يوصلني إليك.

تنتهي المجموعة، ويظل حلقنا جافًا، ويكمل نمل ما طريقه في رأسنا.

يقول النمل: هناك قمح كثير سيأتي، هلمّوا إلى حصاد جديد مع هذا البدويّ.