جمال الشوفي

ليست المرة الأولى في التاريخ التي تمر بها سورية في مخاض دم عسير، وليست المرة الأولى التي يكون فيها تقسيم سورية مشروع هيمنة وسيطرة لم تكتمل مخططاته. لكن الطريق إلى الجمهورية الثالثة، أو سورية الثورة، كما نرغب أن نسميها، تبدو صورتها مبهمة وغير واضحة المعالم إلى اليوم، على الرغم من يقيننا من قرب بداية تشكلها، فسورية الثورة، ومنذ 15 آذار/ مارس 2011؛ وحتى اليوم، هي المنعطف الأصعب، بل ربما الأقسى في تاريخ سورية والمنطقة عامة. كيف لا، ومعالم التغيير الديموغرافي ما زالت قائمة على قدم وساق، في أماكن ومناطق سورية عدة، وتحت عين الأمم المتحدة، وبرعاية دولية وإقليمية؛ مسوّغة بمكر ودهاء.

منذ أن بدأت عمليات “المصالحات” المزعومة، وتثبيت حدود المناطق الثائرة عن غيرها، إلى عمليات تهجير القسرية واقتلاع مدنهم، مدينة تلو الأخرى، والمناطق التي يحدث التهجير فيها ذات مدلول واضح إلى اليوم، لا تكاد تخطئه العين المتفحصة، وإن كانت لا ترغب الاستعجال في الاستنتاج، إذ تعلو أسهم مؤشر التقسيم على حساب أي حل سوري آخر! فبدءًا من داريا، مرورًا بكل البلدات والمدن السورية في الغربية المحيطة بدمشق، وصولًا إلى ومضايا اليوم، فيما سمي باتفاق المدن الأربعة في مبادلة فاقعة بين -مضايا- وكفريا – الفوعا! ليبدأ الغمز لسكان الغوطة الشرقية يعلن عن نفسه في وقاحة أيضًا.

في التاريخ مرت سورية بمرحلتين مفصليتين: مرحلة الجمهورية الأولى المتشكلة بين عامي 1932 و1963.

كانت الفترة من 1932 إلى 1950 مرحلة نيابية انتخابية، بُنيت على أساس دستوري أعطى الحياة السياسية وحريتها بعدها النيابي الحقيقي. فالجمهورية السورية الأولى أتت بعد انتخاب ، أول رئيس سوري منتخب حتى عام 1936، لتستمر هذه المرحلة في طريقها النيابي الانتخابي إلى أن أتى عسكر البعث، وانقلبوا عليها في ما يسمونه “ثورة” 8 آذار/ مارس 1963، أو الجمهورية الثانية الممتدة إلى اليوم، معلنة انتهاء الحياة السياسية السورية وتحولها إلى دولة الحرمان السياسي، “دولة البعث” والقهر المجتمعي، وكل أشكال التنكيل والهيمنة؛ وصولًا إلى ما نحن فيه اليوم من تدمير وتهجير وموت جماعي.

يرغب كثير من القوميين وغيرهم عد الجمهورية الأولى السورية هي تلك التي بدأت بعد 17 نيسان/ أبريل 1946، بعدّها مرحلة انقلابات عسكرية، استمرت حتى أتى حكم “البعث” في ما يسمونه بـ “ثورة” 8 آذار/ مارس، وتشكيل الجمهورية الثانية المستقرة إلى اليوم! وما يؤلم السوريين اليوم، ليس أنهم باتوا في مواجهة أقسى الخيارات في تاريخ الإنسان، الخيار الأنطولوجي الأول: الحياة أو الموت! فكل ما يتلوه من خيارات سياسية أو مادية أو اجتماعية، على أهميتها وضرورتها، قابلة للحوار أمام لغة الموت المستمرة بكل صنوف أسلحة القتل والتدمير، وما يجعل الألم مضاعفًا، أن معظم السوريين ضحية وثوقهم بنظام العسكر هذا المدعي بناء سورية الحديثة منذ استيلائه على الحكم عام 1963! إذ تدافعت الخيارات العربية والشعور الوطني في تلك الفترة للبحث عن بدائل للانقلابات العسكرية المتتالية في سورية، ولفشل الوحدة المصرية السورية الممتدة بين عامي 1958 و1961 للبحث عن دور رائز لسورية عربيًا وإقليمًا، ليتمكن حكم العسكر من التلاعب بالمشاعر الوطنية هذه، وتحويلها إلى جمهور عاطفي. بداية يرغب بشعارات “الوحدة والحرية والاشتراكية”، و”دولة المقاومة والممانعة” وما بينهما من دحر ورميها في البحر، إلى قوة هيمنة أيديولوجية وسياسية على قوى المجتمع قاطبة، أحالته، إلى طغم محكومة سيكولوجيًا واجتماعيا بمؤسسات أمنية وبوليسية عميقة، تدير الحياة السياسية والاجتماعية والاقتصادية السورية بقبضة من حديد، وتترك لتلك الهياكل الحزبية والنقابية الهشة دور المصفق والمهلل تحت شعار قيادة البعث للدولة والمجتمع.

“دولة البعث” -هذه- ليست مقتصرة على حزب البعث بجناحه العسكري وحسب، بل هي نظام حكم قانوني الطوارئ والإرهاب، وكل ما أنتجه من فساد ومظلوميات، طريقة معاقبة المجتمع بإضعاف ووهن الشعور القومي، ومعاداة الاشتراكية في البلد؛ لكونك صاحب رأي فحسب، وكل ما بني على أساسه من اجتثاث السياسة من المجتمع، ونزع الحالة المدنية عنه، بحيث يصبح القانون هو ما تراه السلطة الحاكمة، لا شرعية القانون الوضعي المنصوص عنه دستوريًا! هذا كله قبل سورية الثورة التي اجتاحتها قوى بكل حلولها العسكرية والأمنية لقمع مسارات تحولها إلى الجمهورية الثالثة، جمهورية الحريات والقانون، وأقله دولة سورية لكل السوريين، لا لمتنفذي البعث ومن خلفه المنظومة الأمنية العسكرية المتمكنة من كل مفاصل الدولة اقتصاديًا وسياسيًا وحياتيًا.

إن الفرق بين طبيعة وهوية شكل الجمهورية السورية الأولى أو الثانية، هو ذاته الفرق القائم بين مسوغات وضرورات قيام ومناصروها من عدمهم، فالموقف من الحياة السياسية المدنية، والتنافس البرلماني والكتل السياسية وحرية الانتخاب والعقد الاجتماعي السوري المتآلف حول الوطن، هي النقاط الأساسية التي سوغت موضوعيًا قيام ثورة الحرية والكرامة ضد حكومة العسكر والدولة الأمنية التي جسّدها نظام الحكم البعثي طوال ما يزيد على خمسين عامًا لليوم. وهي المسوغات ذاتها اليوم التي تجتاح السوريين في تقاربهم السياسي من مشروعهم الوطني، خلاف مخططات التقسيم أو التفتيت العمودي للبنية الاجتماعية والنسيج السوري، تلك التي أسست لها سياسات وممارسات نظام الحكم البعثي في ما يسمونه سورية العصرية، وهو ذاته الفرق بين قيم الثورة وروحها النابذة للعنف، أو قتل المدنيين واستهدافهم، في مقابلة توزيع الحلوى مع قتل أطفال الغوطة وخان شيخون! فالحرب التي يشنها النظام ونتائجه الكارثية التي حولت الثورة من عمل مدني وسياسي يستهدف التغيير إلى عمل عسكري طويل الأمد استنزف جميع بنى المجتمع السوري؛ ما دفع معظم الساحة السورية إلى معركة دامية استجرت خلفها كل أشكال التدخلات الإقليمية الإيرانية والروسية، إضافة إلى نمو وتطور قوى التطرف والإرهاب المتمثلة بالقاعدة وتنظيم الدولة الإسلامية.

في الطريق إلى الجمهورية الثالثة السورية، يختلط الحديث بين منابر فكرية متعددة أو سياسية، متخالفة أو متخارجة، وتصطدم جميعها لليوم في موضوعة الحسم السياسي أو العسكري في مسألة الحل السوري، هذا الحل الذي بات اليوم هو أعقد من اشتباكات الحرب العالمية الثانية المتسعة على ساحة الكوكب، كيف لا والساحة السورية التي تصر على الاحتفال بذكرى الاستقلال و”سيادة سورية واستقلال قرارها السيادي” المبتذل، باتت ساحة عالمية تتكثف فيها ساحة الصراع العسكري والمحاور السياسية الإقليمية والدولية ومحورها الأساس، هي ثورة شعب أراد العالم كله الاستفادة والاستثمار فيها، بغية قطع تحولها للدولة الوطنية والجمهورية الثالثة، فمهما ادعت الدول الداعمة أو ما يسمى الصديقة وقوفها إلى جانب الشعب السوري في حق تقرير مصيره، إلا أنها متفقة ضمنًا على عدم حسم قرارتها -إلى اليوم- في المسألة السورية فعليًا وتركها تُستنزف من كل جوانبها حتى يسهل استثمارها وادارتها.

إن عمق التجربة السورية وطول طريقها وغزارة دمها تجعل السوريين اليوم يتمسكون أكثر بدولة القانون والحريات ونظام الحكم البرلماني والانتخابي، ونبذ التطرف ودولة العسكر والمحسوبيات، مهما طال أمد هذه المرحلة، وكل مجريات الأحداث الحالية والراهنة والممتدة للتغير الديموغرافي وسطوة فيها ليست إلا حلقة من حلقات الاستبداد الذي أسسه نظام الحكم البعثي، وما إن يبدأ بالزوال من الحياة السياسية السورية؛ حتى تبدأ مخلفاته ومنتجاته بالزوال معه وخلفه، حينئذ -فحسب- يمكن للسوريين الاحتفال بذكرى فعلية لاستقلالهم وحريتهم، لا من الاستعمار الخارجي وحده، وإنما من أعتى نظم الاستبداد في العالم وأكثرها عنفًا.