أحمد عيشة

احتفل مؤيدو الرئيس، رجب طيب أردوغان، في إسطنبول اليوم الأحد. وأعلن فيه أردوغان انتصارًا في استفتاء يهدف الى توسيع سلطات المنصب. بيتروس كارادجياس / أسوشيتد بريس

تحاول مروة أرسلان، وهي معلمةٌ، أنْ توفق بين تصوّرها الخاص عن الرئيس رجب طيب أردوغان، مع تصوّر منتقديه؛ إذ قالت السيدة أرسلان، 28 عاما: “إنّه ليس ديكتاتورًا”، إنه ديمقراطي.”

السيدة أرسلان، وهي واحدةٌ من أغلبيةٍ ضئيلة من الأتراك الذين صوّتوا الأحد 16 نيسان/ أبريل، لتقديم دعمٍ كامل لأسلوب السيد أردوغان في القيادة “الاستبدادية”، والموافقة الصريحة على نظامٍ سياسي جديد، من شأنه أنْ يمنح رسميًا سلطاتٍ واسعة لمنصبه؛ ابتداءً من عام 2019.

ويطالب حزب الرئيس في ، بإعادة فرز الأصوات بعد أنْ سُجّلت مخالفات في التصويت في استفتاء الأحد الذي فاز فيه أردوغان بنسبة 51.3 في المئة، مقابل 48.7 في المئة.

وزعم الديمقراطي المؤيد للأكراد، والمعروف باختصاره (H.D.P.): إنّ أكثر من ثلاثة ملايين صوت، أكثر بكثير من الفارق الذي حقق النصر، كانت تفتقر إلى ختمٍ رسمي، ومن ثم؛ لا بدَ من أنْ تُلغى أصواتهم.

وفي الإثنين، 17 نيسان/ أبريل، تلقى السيد أردوغان في اتصال هاتفي من ترامب، تهنئةً على “فوزه الأخير في الاستفتاء”، ولم يشر بيان البيت الأبيض إلى مخاوف بشأن التصويت، أو بشأن مستقبل الديمقراطية في تركيا.

احتج معارضو السيد أردوغان في إسطنبول الإثنين. بولنت كيليج /وكالة الصحافة الفرنسية -صور جيتي

غيرَ أنَّ فِرقَ مراقبي الأوروبيين تلقوا شكاوى أيضًا. وقالت منظمة الأمن والتعاون في أوروبا، في تقريرٍ أوليّ: إنّ التصويت قد أُجري “على أساسٍ غير متكافئ”، في إشارةٍ إلى حالة الطوارئ التي فرضها السيد أردوغان، وألقي القبض خلالها على عدد من المشرعين، من أحد أحزاب المعارضة الرئيسة، من بين آلاف الأشخاص الذين ألقي القبض عليهم، كما جرى تخويف حملات “لا” بشكلٍ مادي، إذ كانت تجمعاتهم، والوصول إلى وسائل الإعلام العامة، محدودة، بينما نفت اللجنة الانتخابية أيّ مخالفة.

وأيًّا كانت نتيجة النداءات، فإنَّ الاستفتاء عكس حال انقسامٍ “حاد” في البلد، إذ يميل الناخبون في المدن الكبرى إلى معارضة التغييرات، بينما يصوّت الناخبون في المناطق الريفية الذين عادة ما يكونون أكثر تدينًا ومحافظةً لصالحها.

تركيا، التي كانت (في السابق!) قوةً اقتصادية إقليمية، قد فقدت زخمها في الآونة الأخيرة، حيث الحرب الأهلية السورية عبر الحدود، وعدم الاستقرار داخلها، قد عرقلا الاستثمار الأجنبي وأوقفا النمو.

بعد فشل محاولة الانقلاب ضد السيد أردوغان في تموز/ يوليو، أضفى حالة الشك، وبدأ حملة “تطهيرٍ” واسعة النطاق على أعدائه “المتخيّلين”، فاعتُقل 45،000 شخص، وطُرد أو أُحيل على المعاش 130،000 شخصًا آخر ولم يتضح على الفور ما إذا كان السيد أردوغان سيتواصل مع خصومه، أو سيستخدم النصر تفويضًا لمزيد من القمع.

وكان السيد أردوغان قد أشاد، الإثنين، بالتصويت خطوةً كبرى، وضرورية لاستعادة الاستقرار قائلًا: إنها المرة الأولى التي تُغيّر فيها تركيا نظامها السياسي من خلال “السياسة المدنية.”

ومن الواضح أنّ ما يقرب من نصف الناخبين الأتراك وافقوا، وصوتوا بسعادةٍ لرجلٍ يُصوَّر عادةً على أنّه مستبد.

السيدة أرسلان تساعد في تفسير السبب. من وجهة نظرها، وسّع السيد أردوغان بعض الحريات الديمقراطية في تركيا، ولا سيما حرية الدين. قبل عشر سنوات، لم يكن ممكنًا للسيدة أرسلان أن تدخل جامعةً تركية؛ لأنَّ مثلها اللواتي يرتدين الأوشحة الرأسية كنّ ممنوعاتٍ من الدراسة هناك، نتيجة للقواعد التي وضعها أسلاف السيد أردوغان، وكان يُنظر إليها على أنها تنفذ شكلًا قمعيًا من العلمانية.

لقد أنهى السيد أردوغان تدريجيًا هذه القيود؛ ما سمح للنساء اللواتي يرتدين الأوشحة الرأسية بدخول الحرم الجامعي منذ عام 2008، والعمل في الخدمة المدنية ابتداءً من عام 2013، والخدمة في الجيش، منذ وقت قريب في شباط / فبراير. وبالنسبة إلى قسمٍ كبير من السكان، فإنّ السيد أردوغان يمثل الحرية من نوع من القمع، الذي ميّزَ تركيا طوال معظم القرن العشرين.

وقالت السيدة أرسلان: “لا أريد أن أعود إلى تلك الحقبة”، حيث شرحت لماذا صوتت تأييدًا للسيد أردوغان يوم الأحد.

وقبل أن يبدأ اقتصاد تركيا بالتعثر أخيرًا، حقق السيد أردوغان -أيضًا- مكاسب مادية كبيرة في معظم أنحاء البلاد، سواء بالتخطيط أو بالحظ، فخلال السنوات الأولى من ولايته، عزّز البنية التحتية في البلاد، من بناء الطرق، والجسور، وتحسين المستشفيات -التي أضافت إلى شعبيته.

“لقد زادت القوة الشرائية للناس، والرعاية الصحية كانت سيئة حقًا، ولكن الآن أصبحت أفضل بكثير،” كما قال سيكين أوزدمير، وهو وكيلٌ عقاري يبلغ من العمر 45 عامًا، وصوّت تأييدًا للرئيس يوم الأحد: “كان التضخم يتراوح بين 70 و80 في المئة قبله، وهذا الرقم وصل إلى 9 في المئة في الوقت الحاضر،” مستشهدا بأرقامٍ من بداية العام.

وبالنسبة إلى السيد أوزدمير، فإنّ الأزمات الراهنة في الاقتصاد التركي تتطلب منح مزيد من السلطة للسيد أردوغان بدلًا من أن تقوضه.

تُسهم قومية أردوغان في شعبيته أيضًا، وقد شعر المراقبون الغربيون بالرعب بسبب توتراته الأخيرة مع أوروبا، حيث اتهم السيد أردوغان السياسيين الهولنديين، والألمان، بالنازية، لرفضهم السماح لمعاونيه بحملةٍ هناك من أجل الاستفتاء التركي، إضافة إلى أنّه خاض مع المسلحين (عندما تلاءمت مع مقاصده!!)

وبالنسبة للاتحاد الأوروبي، فإنّ النتائج في تركيا قد تجعل من غير المرجح أنْ يُدعى البلد إلى الانضمام إلى الكتلة، إذ قال وزير الخارجية الهولندي بيرت كوندرز: “إنَّ هذه التعديلات الدستورية تركز سلطة أكثر في يدّ شخصٍ واحد”. وأضاف “على أنْ يُقيّم تقييمًا حاسمًا التطورات الجديدة.”

ولكن داخل تركيا، تتوافق تكتيكات السيد أردوغان توافقًا جيدًا مع السكان القوميين الذين يتقبلون رواية رئيسٍ قوي يدافع عن تركيا محاصرة ضد معتدين خارجيين.

منشورات متناثرة دعمًا للسيد أردوغان في إسطنبول. بولنت كيليج / وكالة الصحافة الفرنسية – صور جيتي

وقال يوسف بارلايان البالغ من العمر 60 عامًا، وهو عاملُ مصنعٍ متقاعد، في تجمع الشهر الماضي في المدينة الشمالية، كاستامونو: “إننا نصوت بنعم؛ لأنَّ الاتحاد الأوروبي يقول: لا.”

وقد يكون السيد أردوغان صادف أيضًا عثرةً صغيرة، ولكنها مهمة في الدعم الذي تلقاه من الأقلية الكردية التركية، إذ لا تزال المقاطعات الجنوبية الشرقية التي يسكنها أكراد، تصوّت بأغلبيةٍ ساحقة ضد السيد أردوغان، ولكنها فعلت ذلك بدرجةٍ أقل مما كانت عليه في الانتخابات الأخيرة، على الرغم من أنّ كثيرًا من هذه المقاطعات هزّها التمرد الكردي في العام الماضي، الذي دمرَّ مراكز عدة مدن، وشرّد مئات الآلاف من الناس.

ففي سيرناك، على سبيل المثال، عارض 71.7 في المئة من الناخبين السيد أردوغان، ولكن هذه النسبة انخفضت عن 83.7 في المئة في الانتخابات العامة في تشرين الثاني/نوفمبر 2015. وشارك في المدينة نفسها، عددٌ أقل من الناخبين في الاستفتاء بنحو 10،000 ناخبٍ مما كان عليه في الانتخابات السابقة، وفقًا للنتائج الرسمية، ولكن الفرق كان صغيرًا جدًا بحيث لا يفسر الانخفاض في معارضة السيد أردوغان.

وقال بعض الأكراد الذين وقفوا مع السيد أردوغان يوم الأحد، إنّهم فعلوا ذلك على وجه التحديد لأنهم يأملون في أنْ يُحقق الاستقرار اللازم لإبعاد المتمردين جانبًا. وقال علاء الدين بارلاك، (43 عاما)، وهو رجلُ أعمال من ديار بكر: أظهر الناس بطاقةً حمراء” للمقاتلين مشيرًا إلى عقوبة الطرد في مباراة كرة القدم. وأضاف “إنهم يريدون الاستقرار والسلام والتوظيف.”

لكنَّ أكرادًا آخرين رفضوا هذا التفسير، وقال مراقبو الانتخابات الأوروبيون: إن نزوح مئات الآلاف من الأكراد في جنوب شرق البلاد، ترك كثيرين من دون عنوانٍ ثابت، ومن ثم؛ من دون حق التصويت.

وقال أحمد ترك، وهو سياسيّ معارض اعتُقل لفتراتٍ من العام الماضي: إنَّ التحولات الانتخابية كانت صغيرةً جدًا، وقال لوكالة أنباء دوغان: إنَّ التحولات كانت نتيجة “ضغط شديد” من جانب الحكومة التي سجنت، وسرحت المئات من السياسيين الأكراد في الأشهر الاخيرة.

وفي هذا الصدد، أظهر الأكراد “بطاقة حمراء” للسيد أردوغان، وليس للمعارضة، على حد تعبير السيد ترك.

اسم المقالة الأصليIn Supporting Erdogan, Turks Cite Economic and Religious Gains
الكاتبباتريك كينغسلي، Patrick Kingsley
مكان النشر وتاريخهنيويورك تايمز، The New York Times، 17/4
رابط المقالةhttps://www.nytimes.com/2017/04/17/world/europe/turkey-referendum-erdogan.html?_r=0
ترجمةأحمد عيشة