لم تصمد طويلاً اشتغالات عدد من النقّاد على تأصيل القصة القصيرة عبر إعادتها إلى النماذج الإحيائية التي ظهرت في القرن التاسع عشر، سعى أصحابها إلى محاكاة الموروث السردي القديم من مقامات ورسائل، كما في أعمال ناصيف يازجي (1800 – 1871) وأحمد فارس الشدياق (1804 – 1887) في لبنان، ومحمد المويلحي (1858 – 1930) في .
تُستعاد هذه المقدّمة كمحاولة لفهم ما اصطلح عليه عربياً بـ”أزمة القصة القصيرة”، عند الإشارة إلى قلّة الإنتاج القصصي، أو عدم وجود ظواهر لافتة، أو في إجراء مقارنات بينها وبين الرواية بوصفها أكثر رواجاً وتلقى “اهتماماً” نقدياً وإعلامياً وعلى مستوى الجوائز.
استقرّ الاعتراف بالقصّ كفن مستقل منذ بداياته الحقيقية في عشرينيات القرن الماضي، وتحديداً على يد كتّاب مصريين، مثل محمود تيمور ويحيى حقي ومحمود طاهر لاشين، وإن ظلّت “الحدوتة” هي العنصر الأساس الذي بُنيت عليه نتاجاتهم، التي لم تحظ بكثير اهتمام أو جدل كما حدث مع شعراء التفعيلة أو النثر.
ورغم الاطلاع المبكّر على القصة في الأدبين الفرنسي والإنكليزي، تحديداً، قبل أن تتداخل تأثيرات أخرى من الروسية والألمانية وأميركا اللاتينية في فترة لاحقة، إلّا أن مرحلة النضج جاءت متأخرة قليلاً لأسباب قد تتعلّق بمكانة السرد القصصي كجنس أدبي مستقلّ في الثقافة العربية.

ويحضر هنا نجيب محفوظ الذي أصدر مجموعته القصصية الأولى “همس الجنون” (1938)، عمله الأدبي الثاني، ولكنه لم يول القصة الأهمية التي أولاها للرواية، بدليل إصداره مجموعته القصصية الثانية “دنيا الله” عام 1962، كما أنه ترك عشرات القصص في المجلّات من دون أن تُنشر في كتاب.
التياران الأبرز في القصة العربية كانا في واقعية يوسف إدريس في الخمسينيات، وغرائبية زكريا تامر في الستينيات، واللتين تشكّلان ذروتين رئيسيتين في تطوّرهما وتأثّر الأجيال اللاحقة بهما، وبعد ذلك لم تجد محاولات التجريب باسم الومضة أو القصة القصيرة جداً صدى وأثراً، لتنطلق التوصيفات حول أزمتها منذ تسعينيات القرن الماضي؛ أي بعد أقل من نصف قرن من ازدهارها النسبي.
في الوقت نفسه، كان انشغال المؤتمرات وتأسيس الجوائز والسجالات الصحافية تتركّز على الشعر ومعاركه بين الحر والتفعيلة والنثر، ولم تنل القصة الحظّ ذاته وظلّ حضورها هامشياً بشكل أو بآخر.
بعد انقضاء القرن العشرين، بدأنا نتلمّس عدم كفاءة السواد الأعظم مما كتبه النقّاد العرب حول الشعر وتقادم الزمن على تنظيراتهم التي لم تفد القصيدة وأصحابها، وانطفأ في الوقت نفسه كثير من التجارب الشعرية التي شغلت الناس عقوداً وحصلت على جوائز وكُتبت عنها مؤلفات عديدة.
هل تعيش الرواية اليوم ما عاشه الشعر في القرن العشرين؟ ربما، لكن السؤال الأكثر إلحاحاً يتعلّق بالقصة القصيرة التي تتسرّب الإشاعات عن إطلاق جائزة باسمها على غرار “جائزة بوكر للرواية العربية”، في إحدى العواصم العربية، عمّا قريب.
هل ستُطبع مئات المجموعات القصصية سنوياً، ونشهد كتابة الآلاف منها على وسائط التواصل الاجتماعي، وتُعقد الملتقيات للتبشير بقصة جديدة، وتظهر المؤلفات النقدية بمقولات “مبتكرة” حولها؟ هل سنرى فعلاً قصصاً قصيرة تستحق أن تُقرأ؟