علاء كيلاني

لم يحجب ضجيج الطائرات والدبابات التي يستخدمها ، في صراعه مع شعبه، ضجيجَ الحرب الموازية التي تخوضها حكومته سرًّا، بمشاركة نخب اقتصادية وتجارية؛ لمعاقبة المواطن السوري وإفقاره، ضمن خطة انتقام مُحكمة، لا تختلف في نتيجتها عمّا تُلحقه القذائف والصواريخ من أذى بحياة المدنيين.

ففي أوج المأساة المروعة، تتبادل حكومة الأدوار مع حيتان التجارة وكبار المستوردين، للاستحواذ السريع على الغنائم وتقاسمها، في سياق لعبة مكشوفة، تنمّ عن توحشٍ وتغوّلٍ استوطن معدة نظامٍ يحاول مع رموزه اليوم التهامَ كلّ ما يقع أمام عينيه.

في واحد من جوانب اللعبة، ارتفعت أسعار البطاطا والبصل الأسبوع الماضي، أهم مادتين شعبيّـتين تعتمد عليهما موائد الطبقات المسحوقة الثلاث (ما دون الفقيرة، والفقيرة، وصاحبة الدخل المحدود) نظرًا إلى انخفاض سعرهما مقارنة بأسعار بقية أنواع الخضار، في سوق غذائية، تصاعدت الأسعار فيها تدرُّجًا؛ حتى وصلت إلى نسبة 600 في المئة، في الأقل، بحسب مؤشرات رسمية.

ومن المؤكد، كما يعتقد الخبير الاقتصادي محمد الزعبي، أن يزيد الحُؤول دون وصول هذه المادة ـ آخر وجبة غذائية معتدلة السعرـ إلى معدة المواطن. بؤس الطبقة الفقيرة والطبقات التي تراجعت قوتها الشرائية، طبقة الدخل الثابت مثلًا، والتي تواجه الغلاء هي الأخرى، بمرتبات فقدت قيمتها، ازداد على خلفية انهيار سعر العملة الوطنية أمام الدولار الأميركي.

وأضاف لـ (جيرون): “ما يعكس الفشل الذريع الذي منيت به الحكومة، على خلاف ما تصرح به، في إدارة نشاطها الاقتصادي، وإخفاقها في المحافظة على المستوى المعيشي للمواطن، بحدوده الدنيا”، وأشار إلى أن “إنفاق المواطن على المواد الغذائية، ازداد في السنة التي تولى فيها الأسد قيادة البلاد، بمعدل 300 في المئة، نسبة إلى قيمة إنفاقه في 1987، وخلال السنوات الأربع الأولى، ارتفعت تكاليف المعيشة، وأصبح إنفاق الأسرة على المواد الغذائية -وحده- يتجاوز رواتب حملة الدكتوراه. ومع دخول الحرب عامها السابع، تدهورت معيشة جميع الشرائح الاجتماعية، وازدادت نسبة الفقر أضعاف ما كانت عليه في السابق، وارتفعت نسب التضخم أكثر، حتى بات من المستحيل أن توفّق الأسرة بين متطلبات إنفاقها على الغذاء، ومدخولها الذي لا يتجاوز 0,1 من حاجاتها وفق الأسعار الرائجة”.

وبموجب النسخة الأخيرة من مؤشر Numbeo لمتوسط الراتب الشهري في العالم سنة 2017، أتت سورية في ذيل القائمة؛ إذ بلغ متوسط الرواتب نحو 99 دولارًا، ما أدى إلى تدهور القدرة الشرائية وتراجعها، بحسب مؤشر تكاليف المعيشة، إلى 14 في المئة، وهي نسبة منخفضة جدًا قياسًا إلى مؤشر جودة الحياة.

يقول فايز م ، يعمل في مؤسسة حكومية، إن نظام الأسد، يحارب بجميع الوسائل، بدءًا من الدبابات والطائرات، وانتهاء بفوضى الأسعار وتدني الرواتب والأجور. فالعملة الورقية التي يجري تداولها لم يعد لها أي قيمة تذكر، ولذلك ارتفعت كُلَف المعيشة بشكل جنوني، فيما بقيت الرواتب والأجور على حالها. وتابع لـ (جيرون) “وبهذا الأسلوب يحاول النظام أن يكسر إرادة شعبه في التغيير، ورغبة الناس في بناء البلد خارج هيمنة عائلة، اختطفت السلطة ونهبت ثروات الوطن”.

وأدت زيادات الأسعار المتوالية في السوق الداخلية، وانخفاض القوة الشرائية الحقيقية، إلى اختلال وتشوهات اقتصادية، ساعدت في إفراغ الرواتب والأجور من قيمتها الفعلية. ومنذ سنوات، تخضع الأوضاع المعيشية لعملية تجميل، تحاول حكومة الأسد استثمارها في الترويج لاقتصاد تقول إنه يعدو إلى الأمام بسرعة. بينما تؤكد الوقائع أن الحرب المستمرة تقيّد أقدامه بأوزان ثقيلة، امتصت تكلفتها إجمالي الناتج المحلي وإجمالي الناتج القومي معًا.

ويؤكد الباحث الاقتصادي، طريف البكري، أن متوالية تدهور الاقتصاد كانت متوقعة، فهي محصلة طبيعية لحرب دمرت شرايين الحياة الاقتصادية، مثلما دمرت حياة السوريين وأدخلَتهم في نفق معتم يصعب تجاوزه. وقال في تصريح لـ (جيرون): “إن تزايد معدلات الفقر وتراجع نصيب الفرد من إجمالي الناتج المحلي، دفع مجموعة البنك الدولي إلى أن تصنف سورية ضمن أشد البلدان فقرًا في العالم. وهي خطوة تؤكد مخاطر الوضع القائم، وحجم الضرر الهائل الذي ألحقته حرب الأسد باقتصاد البلاد”.

في المدى القريب، لا تلوح بارقة أملٍ توحي بوجود زيادة على رواتب وأجور العاملين في دوائر ومؤسسات الدولة؛ فوفق العرض الذي قدمه رئيس حكومة الأسد، عماد خميس، أمام أساتذة الاقتصاد في جامعة الأسبوع الماضي، حلّت الحاجات الأساسية والخدمية للمواطنين في المرتبة الثانية، بعد أن اقتضت خطة العمل الحكومية التنموية أن تكون الأولوية لمواصلة توفير متطلبات صمود جيش الأسد ودعمه، والاهتمام بذوي قتلاه وجرحاه. ولفت، في مناسبة أخرى، إلى ضرورة أن يتحمّل المواطن مدة سنة، أو سنتين، في ضوء هذه الأولوية، ريثما تأتي الحكومة في دعم الإنتاج أكُلها.

ومن المؤكد أنّ الإقرار المتكرر بأولوية دعم “الجيش”، وتجاهل حاجات المواطن وأوضاعه المعيشية السيئة، يزيد من سوداوية الصورة التي يحاول النظام، من خلالها، دفعَ ما تبقى من قدرات البلاد الاقتصادية التي أنهكتها الحرب، إلى محرقة، قد تكون هي الأعنف؛ بهدف المحافظة على سلطة فقدت مقومات استمرارها، وأمست في الرمق الأخير.