جهاد عبيد

ما لبث أن وَضع ملك ملوك إفريقيا، الأخ، “الغايد”، “العغيد”، الفيلسوف، المؤلّف، البلياتشو، المايسترو، مَعمّر “الغذافي” لمساته الأخيرة على السينفوني العربية “من أنتم؟”، حتى وضِع على خازوق حار، جعل من موّاله الأخير موالًا ناشزًا، خارجًا عن المقامات المفترضة، والنوتة المكتوبة بعناية وثقة لذلك “الكونشيرتو”.

لكن الباحثين “الموسيسياسيين”، كشفوا -لاحقًا- أن تلك المقطوعة “الموسيسياسية” – من أنتم؟  لم تكن -على الإطلاق- “كونشيرتو” أصيلًا، من تأليف وابداع الأخ “الغايد”، على الرغم من وجود بعض “الميزورات” الإبداعية الخالصة له، ضمن السياق العام للكونشيرتو، مثل “ميزور” “شدّوا الجرذان” ، فإعادة توزيعه “الموسيسياسي” لها في تلك الأوضاع الخاصة التي أحاقت به، قُبيل جلوسه الأخير على عرش فوهة الكلاشنكوف ذي الأخمص الخشبي، أضاع مصدر اللحن الأصلي، وأشكل على بعض المختصين، وكثير من السمّيعة.

أظهرت الدراسات المدعومة بالتجارب الواقعية الراهنة، وبالشواهد التراثيّة الحيّة، إضافة إلى الشهادات والمشاهدات المباشرة طبعًا، والمواويل “الموسيسياسية” ذات الصلة، والمطبّقة على عيّنة اجتماعية عشوائية منتظمة؛ تُعنى بالشأن العام، أن “كونشيرتو” “من أنتم؟” ما هو إلا أهزوجة “موسيسياسية” شعبية اجتماعية عربية، ذات منشأ طبقي، تنحصر -بيانيًا- بين مثقفي “البلوريتاريا” وأنصاف مثقفيها من جهة، ومتمثقفي البرجوازية الصغيرة وببغاواتها من جهة “أخرا”، وبخاصة ذوي التوجّه الديني، أو الميول القومية، أو ملتزمي الأيديولوجيا اليسارية، والفكر الماركسي تحديدًا.

إذ أظهرت العينة العشوائية المنتظمة سالفة الذكر، تحت الاختبار، أن طبقة “البلوريتاريا” الرثة، والعمال، والفلاحين، وصغار الكسبة، أسست واحتضنت “كونشيرتو” “ما حا أحسن من حا”، وتعتمد في قيادة “موسيسياسيها” على آلة الزمّيرة، ولا تكترث لمفهوم “المايسترو” بتاتًا، وذلك وفقًا للقاعدة التنظيمية الخاضعة لها في كونه،” ما حا أحسن من حا”.

بينما تعتمد الطبقة الوسطى على “كونشيرتو” “كل الناس خير وبركة”، ولا تؤمن بغير الربابة، بوصفها أحد أهم عناصر التعبير عن “موسيسياسيها”، وتميل هذه الطبقة إلى التوافق السلمي على مفهوم “المايسترو”، بناءً على جدلية العبء والمسؤولية من طرف، وشرعيّة الإرث وثقله من طرف آخر، والقاعدة التنظيمية التي تخضع لها المتمثلة بـ ” الله يهدّي البال” من طرف ثالث.

الجدير بالذكر أن مؤدو “كونشيرتو” “من أنتم؟”، لا يؤمنون إلا بالدربكّة أو بالطبل إلهة لهم، على الرغم من شكلانيّة ترويجهم الدؤوب، ومحاولاتهم الاستعراضية، توجيه السمّيعة الحثيث ومن جميع الفئات وكل الطبقات نحو، مقطوعات “موسيسياسية” مثل، كسّارة البندق، وبحيرة البجع، ومارش سلاف، والقدر يقرع الباب، إلا أنه “كل شي لحال”! فالاستماع شيء والأداء شيء آخر! إن التداخل الطبقي في نشأة وتكوين هذه الفئة، جعل القاعدة التنظيمية الخاضعة لها حول مفهوم “المايسترو”، مركّبة معقدة بين المطاطة المرنة والناشفة المتصلبة، بحسب ضرورات السوق، ولكنها تتلخص في “ميزور مزدوج”، مضمونه “شوفوني ما أحلاني”، وظاهره “سلفي وكل المعثرين خلفي”.

تتكثف إشكالية وإعجاز “كونشيرتو” السياسية الاجتماعية العربية -السورية على وجه الدقة- في تفصيلين أساسيين، الأول القتال من أجل احتكار قيادة الفرقة “الموسيسايسة”، والحصول على صفة “المايسترو”؛ حتى لو كانت على رأس الخازوق، والثاني في أداء “كونشيرتو” “من أنتم؟” على “أنغام” قرع الطبل أو دق الدربكة. إن “ميزور” “طز مرّة ثانية بأميركا وبريطانية” أحد مقاطع “كونشيرتو” “من أنتم؟” الذي أعاد توزيعه الأخ “العغيد” قبل أن يرحل عن دنيانا، يجسّد أنموذجًا صارخًا لفِرق “موسيساسية” عريضة من “القذاذيف والقذوفيّات”، قياديين وقياديّات، سياسيين وسياسيات، ناشطين وناشطات، إذا قلتَ لهم: سلامًا، قالوا: “من أنتم؟”