د.عزة عبد القادر
بعض العرب والمسلمين ينسون أو يتناسون أن الإسلام ليس حكراً لأحدٍ منهم وليس ملكية خاصة لفرد أو مجموعة، فإن دين الإسلام كان منهاجاً ونوراً لكافة البشر في العالم أجمع.
إن الله تعالى لم يعطي العرب فضلاً على غيرهم من شعوب العالم ولم ينزل القرآن الكريم على سيد المرسلين سيدنا محمد وعلى آلة وصحبه وسلم لكونه نشأ في بيئة عربية ، لكنه أوحى إليه لأنه على خلق عظيم ، قال تعالى :”وإنك لعلى خلقٍ عظيم” صدق الله العظيم .
فليس للإعراب من سمات تجعلهم في درجة أعلى من البلدان الأخرى حولهم ، ربما تكون للقبائل البدوية في شبه جزيرة العرب صفات فريدة في الشجاعة – الكرم والغيرة بحكم البيئة الصحراوية القاسية التي يعيشون فيها ولكن أبداً هذا لا يرفعهم عن غيرهم ، فالجميع عند الله سواء ، فقد ساوى سبحانه بين الناس كافة ولم يعلي أحد على أحد أو يجعل مكانة فلان أعظم من فلان لجنسه أو لغته أو مظهره ، فالكل يستوي عند الله باستثناء المتقين قال تعالى :” يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنْثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوباً وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ” الحجرات:13، فلا يتميز إلا ذوي الأخلاق الحسنة والنوايا الطيبة ، الذين يجاهدون أنفسهم ويسارعون في الخير والإحسان للآخرين يبغون فقط وجه الله ، فإنهم يخافون الله ولا يخشون أحداً غيره ويطمعون في جنته ورضوانه ، فقد قال تعالى في وصف أنبيائه ورسله 🙁 إنهم كانوا يسارعون في الخيرات ويدعوننا رغباً ورهباً وكانوا لنا خاشعين) الأنبياء:90 وقال تعالى في وصف عباده المؤمنين: (إن الذين هم من خشية ربهم مشفقون ،والذين هم بآيات ربهم يؤمنون، والذين هم بربهم لا يشركون والذين يؤتون ما آتوا وقلوبهم وجلة أنهم إلى ربهم راجعون، أولئك يسارعون في الخيرات وهم لها سابقون) المؤمنون:57-61.
إذن فقد كانت التقوى والأعمال الصالحة لهي المعيار والفارق بين البشر ، ولهذا لم يجامل الله العرب لكون رسول الله جاء منهم ، بل إنه سبحانه ينصر كلا بحسب اجتهاده وعمله حتى ولو لم يكن مسلماً ، فإن رب العالمين جعل للعدل قوة وميزان يسمو على رؤوس البشر في كل العالم ، ولهذا انتصرت الشعوب الغربية والولايات المتحدة الأمريكية على الشعوب العربية الشرقية والإسلامية ، لماذا؟ لأن تلك البلدان العجمية كما يقول بعض العرب طبقوا سنن الخالق سبحانه في الكون ، انهم ساروا على الناموس الإلهي في إعلاء القانون والعدالة ، فكانت النتيجة هي الفلاح، لقد كان الصدق ونبذ الفساد ميزاناً لهم فاستحقوا العلو، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم في خطبة الوداع : (( يَا أَيُّهَا النَّاسُ، أَلَا إِنَّ رَبَّكُمْ وَاحِدٌ، وَإِنَّ أَبَاكُمْ وَاحِدٌ، أَلَا لَا فَضْلَ لِعَرَبِيٍّ عَلَى أَعْجَمِيٍّ، وَلَا لِعَجَمِيٍّ عَلَى عَرَبِيٍّ، وَلَا لِأَحْمَرَ عَلَى أَسْوَدَ، وَلَا أَسْوَدَ عَلَى أَحْمَرَ إِلَّا بِالتَّقْوَى، أَبَلَّغْتُ ؟ قَالُوا: بَلَّغَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ.
لن ينجح الطلبة في الدراسة بالبركة والعشوائية ، ان الثمار والجوائز تأتي بالجد والاجتهاد ، ان السماء لا تمطر ذهباً ولا فضة ،فإنه بالعمل والكد يأتي الفوز وليس بالجهل والكذب ، الشعوب لا تبنى بالوساطة والمحسوبية ، فالحضارات لا تقوم إلا على أكتاف الرجال ، وليس المقصود بالرجال هنا تحديد الجنس بأنهم ذكور ، ولكن المعنى هو الإنسان صاحب المبدأ ، الناس ذوي الأخلاق والقيم ، سواء كانوا إناثاً أم ذكوراً .
الواضح جلياً الآن إننا أمة مهزومة عاجزة عن الدفاع عن دينها وتراثها ، والله لا يعجزه شيء في الأرض ولا في السماء ، بل نحن من نحتاج إلى عونه ورضاه ، وما نحن عند الله إلا مجرد ذرات وفتات صغيرة ، فالعرب إذا لم يقوموا بدورهم المحدد سلفاً في الجهاد في سبيل الله والدفاع عن دينه ورسوله صلى الله عليه وسلم والقيام بشئون الدعوة والزود عن المسلمين وتطبيق العدل فيما بينهم فلن يضيره سبحانه استبدالهم بأفضل منهم ، وقد رأينا بالفعل من هم أعظم ، وليس منا ببعيد ، أفلا يرى العرب الدول الغربية أمثال ( بريطانيا – ألمانيا- فرنسا- كندا – أمريكا) لقد أظهر الغربيين إنسانية ورحمة لا نجد لها مثيل في شعوبنا العربية .
لقد اعتنق كثير من الغربيين الإسلام وطبقوا جوهره ومبادئه الأساسية قبل أن يطبقون مظاهره وشعائره ، لقد ضرب كثير من الصحفيين والكتاب الغربيين مثلا في الصدق والخلق يعجز كثير من كتابنا العرب ان يقوموا به ، فكان مصير الغرب هو الصعود ونحن مصيرنا الهبوط ، نرى عالماً غربيا يبكي وهو يقرأ آيات الذكر الحكيم بعد ان كان بالأمس يحارب الإسلام وكاتباً إنجليزيا هناك يمتدح النبي الكريم صلوات الله وسلامه عليه ورئيساً في كندا يحارب العنصرية ويدعو إلى الأخوة والمساواة ، فرغم انه ليس على الإسلام لكنه يدعو لمبادئ الدين في أقواله وأفعاله ، وأخيرا رأينا الفرنسيين يصوتون للحرية والوحدة والمساواة (فوز ماكرون) ضد العنف والعنصرية ، أما نحن فإننا بعيدين عن المنهاج الديني والسماحة الأخلاقية ، فقد اختارت الشعوب العربية الذل والعنصرية ، لقد صوتوا للطغاة من القادة والحكام فترى مصريا يضع بفخر صورة الجنرال السيسي ولا يشعر بأي ضير وآخر عراقياً يضع صورة صدام حسين منتشي به ولا نعرف لماذا؟ وليبياً عاشقاً لمعمر القذافي ، انها الأصنام الزائلة التي تمجدها بلادنا العربية ، فأين أجدادنا الذين ماتوا هنا بالأمس ، أين الخلفاء الراشدون العادلون ، هل راح زمان عمر بن عبد العزيز ، هل ولت سنون هارون الرشيد ، بل لماذا لم يعد صلاح الدين الأيوبي ؟
لن يعود الزمان ولن ترجع السنون للخلف ، بل فقط يبقى الإنسان ، ولا تخلد الا آثاره الجميلة ، أما الرديئة فإنها تموت وتفنى كما تفنى العظام ، واليوم لا أعرف هل سيستمر العرب ، ام هذا هو الاستبدال الذي ذكره الله تعالى في كتابه الكريم ، هل سيرفع العالم الغربي راية الإسلام ويستكملون الطريق أم انه لا يزال هناك فرصة أمامنا .
أفيقوا ياعرب فأنتم لستم أفضل من العجم ، افيقوا يا من تركتم الجهاد فسوف تندمون على تهاونكم ، فقد اقترب الحساب ،فإما ان تتحركوا او تستبدلوا .
قال تعالى :” هَا أَنتُمْ هؤلاء تُدْعَوْنَ لِتُنفِقُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَمِنكُم مَّن يَبْخَلُ ، وَمَن يَبْخَلْ فَإِنَّمَا يَبْخَلُ عَن نَّفْسِهِ ، وَاللَّهُ الْغَنِيُّ وَأَنتُمُ الْفُقَرَاءُ ،وَإِن تَتَوَلَّوْا يَسْتَبْدِلْ قَوْمًا غَيْرَكُمْ ثُمَّ لَا يَكُونُوا أَمْثَالَكُم ( سورة محمد 38)

اسم الكاتب
دكتورة عزة عبد القادر