نزار السهلي

لو قُدّر لحكمة البشر جميعًا أن تستقر في عقل طفل سوري، من أو أو أو دير الزور أو أو درعا، فإنها تبقى عاجزة عن إقناعه بتنحية التفكير عن البؤس والألم، وتجاوز مشاعر الغضب المتدفقة للبحث عمّا يمكن أن تحققه مفاوضات، تدور بين مدفع وصاروخ طائرة واحتجاز الآلاف وتهجير الملايين، إضافةً إلى الابتكارات المتنوعة لصنوف القتل، على مرأى ومسمع العالم أجمع. وفضلًا عن السيل الجارف لعذاب الملايين، يأتي خبر مجزرة السلمية على يد ()، بعد خبر تفحيم الضحايا بالأفران، ليكرس هذه الحقيقة: أهمية النتائج المترتبة على كل المجازر وخطورتها لا تستحق المجازفة لتجريب عقلية التفاوضية، أمام عجز عن توظيف كل الأحداث الدامية سياسيًا لكشف طبيعة الوحشية؛ ذلك بسبب الخلل الفاضح للمجتمع الدولي، أو بسبب الحرص على عدم الإخلال بقواعد اللعبة المتفق عليها، بين وتل أبيب وواشنطن وأنقرة وطهران.

كم هو بائس وعقيم التفكير بأن السورية -إذا ما تحققت على الورق أو على الأرض- ستجلب للسوريين الانتقال المأمول نحو الحرية والعدالة، ليتوقف معها مسلسل الجرائم المتواصلة، أو أنها ستقنع الشعب السوري بالعدول عن السعي لرفع الحيف الواقع عليه، ووضع حد للبؤس الذي يرزح تحت وطأته، بسبب الاعتداءات الصارخة والانتهاكات المتواصلة، منذ الإقرار، قبل خمسة أعوام، ببيان  جنيف 1 مرورًا بتعاقب الموفدين الدوليين، وبدءًا من الاعتداء على حق السوري في حريته وأرضه التي هجر منها، مرورًا بالعديد من المجازر التي تقدم الدليل مجددًا على بعض الحقائق الجوهرية التي تطبع الصراع مع النظام بطابعها، لعل أبرز هذه الحقائق هي أن إزاحة النظام، وتحقيق الانتقال المرجو بالتفاوض، أبعد ما يكون عن واقع المفاوضات بنسخة جنيف السادسة أو السابعة.

تتطاير أوراق من سلاله، ويتكسر بيض المعارضة في جنيف، بينما تحصد قذائف النظام مزيدًا من الأرواح على الأرض التي سُمّيت “مناطق آمنة” أو تحت بند وقف إطلاق النار المعلن قبل ستة أشهر، يعني أن ممثل المجتمع الدولي الراعي لجولات المفاوضة شاهدٌ على مسرح الجريمة، بإخراج ورقة ومقترح في كل جولة، قيمتها صفرية أمام ريح القنابل، في المقابل ما الذي يجبر النظام على تغيير سلوكه، والقبول حتى بمبدأ التفاوض لتحقيق “الانتقال السياسي والحكم والانتخابات وما إلى ذلك” حتى لو انخرط  ممثله الجعفري في كل الجولات، أو صرح الأسد بقبوله صندوق الانتخاب؟

بند المفاوضات ومبدؤها يجب أن يستند، قبل كل شيء، على إزاحة الأسد وتقديمه للمحكمة الدولية، بتهم ارتكاب جرائم ضد الإنسانية؛ ومن ثم يسهل التفاوض على كل البنود الأخرى. حتى الآن لم يخضع النظام السوري، لتهديد وجودي، يجبره على القبول بالتنحي أو الانخراط بمفاوضات تفضي إلى رحيله، مشاركته في المفاوضات أو إرساله إشارات لحلفائه، تنطوي على جوانب تكتيكية؛ للضغط بإسراع عملية الإجهاز على المناطق الثائرة، من جنيف 1 إلى جنيف 6، الديموغرافيا شهدت تبدلات كثيرة وعملية التجريف السكاني والتهجير تتم برعاية دولية من دون معارضة، وممارسة السياسة القهرية وتصفية الحساب برسائل واضحة؛ إذ بين فعل المجازر والتدمير والتهجير وردة الفعل عليها يحكم مسار المفاوضات الجارية لنزع اعتراف يقبل النظام، من خلاله، بأن يكون مكونًا من مكونات المرحلة الانتقالية والإقرار باندماجه لصياغة الخارطة السياسية والجغرافية لسورية تضمن مصالح الإقليم على حساب الهوية القومية.

مقابل كل ذلك، تبدو جولات جنيف كأنها تطالب الشعب السوري أن يقدم دفعة واحدة ثمن تحمّله كل المحن والمآسي والجرائم التي نزلت عليه خلال الأعوام الستة الماضية، من دون أدنى وقفة حقيقية من المجتمع الدولي أو من المعارضة السورية، لإعداد جردة حساب بالخسائر المتزايدة، من جرّاء ملهاة الأوراق والسلال والمقترحات، وإذا قدر وفرضت شروط موضوعية وقاسية، بالاستناد إلى خلل ظرفي تحكمه موسكو وطهران وتل أبيب وواشنطن، فإنه من الصعب أن يقبل العقل حسم النظام للمعركة مع الشعب السوري، هذا من ناحية، ومن ناحية ثانية أي محاولة جادة لتحرير العقل من آثار قيود اللحظة الراهنة ورؤية الواقع ستؤول بدحض فكرة أن يكون الأسد ونظامه مستمرًا في ذاكرة ومستقبل السوريين، ويصعب تقبل المنطق الذي تروّجه موسكو وطهران وأوراق وسلال دي مستورا، ولا سيما أنّ تلازم هذا الطرح بينهم لم يعد بحاجة إلى تأكيد.