أنجيل الشاعر

استقالة الآلهة من ذهن الإنسان، لا تعني بالضرورة أنه متورط بالإلحاد أو عدم الإيمان، أما إيمانه المطلق بها، فهو سقوط لذاته وإنسانيته معًا، هذا ما أوحى به إلينا الكاتب “حبيب عبد الرب سروري” في روايته البديعة “عرق الآلهة”، التي يأخذنا بها الكاتب في رحلة علمية معرفية مزدوجة عبر العصور السحيقة، والمستقبل المفترض.

“عرق الآلهة” رواية في الثورة العلمية/ التكنولوجية، تروى بطريقة إبداعية وسرد سلس وجميل، عبر قصة عشق أسطورية بين “حنايا”، عالمة التكنولوجيا العُمانية، و”شمسان” العالم هو الآخر، من اليمن، وقد طُردا من بيئتيهما؛ بسبب أفكارهما الحديثة التي ترفضها المجتمعات التقليدية والأنظمة الاستبدادية. رواية تجمع بين الحب العذري والرغبة العارمة في تتويجه بالمعاشرة الجنسية المحرمة والآثمة، في ثقافتنا، خارج المؤسسة الزوجية. ولا يزال أثر التحريم والتأثيم ثاويًا في أعماق “حنايا”، التي تعيش في لندن، هربًا من الذل الواقع على في سلطنة عُمان.

أسقط الكاتب عن كاهلنا أسطورة آدم وحواء، وسيف “الخطيئة الأصلية” بحسابات رياضية دقيقة، لانفجار الكون وخلق الإنسان الأول، وتكوين الطبيعي وخصائصه النوعية، وسار قدمًا في حساباته نحو الإمكانات اللانهائية التي يتوفر عليها هذا الإنسان في الابتكار والإبداع. فقد اطمأنت الآلهة أن عملها قد اكتمل، وأن الإنسان بلغ سن الرشد، وصار بوسعه أن يستأنف عملها في الخلق، فاستراحت.

يصعب إخضاع هذه الرواية لمعايير الرواية الأدبية التقليدية، فهي رواية أدبية/ علمية فذة، أبطالها العقل والخيال والشغف الإنساني، بمعرفة الكون وتجلياته في الجسد الإنساني وجماليات الحياة الإنسانية. تُخضع الرواية محتواها للرياضيات والحسابات الدقيقة لنشأة الكون، في محاولة ناجحة لإعادة قراءة تطور الحياة وتحليلها وتاريخ العقل والدين، والعلاقة الجدلية بين المخلوقات والخالق، ومفاهيم البشر المختلفة لماهية الآلهة.

يرى الكاتب أن تطور العلم، ونمو العقل البشري، سيحولان الإنسان من كائن مخلوق، لا حول له ولا قوة، ومن كائن يعتقد بأن مسيّره هو الله الذي في السموات، إلى كائن خالق، متحكم بمصيره ومسيطر على وجوده الإنساني، بإلهٍ داخلي، هو الضمير الإنساني والأخلاقي، والعقل المكٍّون والمفكر والمحلل للظواهر الطبيعية.

حبيب السروري يضع الإنسان في لحظة “الأمية” أو الصفحة البيضاء، حسب تعبير إلياس مرقص، ليعيد النظر في منظماته المفاهيمية وأفكاره وتصوراته المسبقة، ويسائل المسلمات اللاهوتية، ويقلب الأفكار التقليدية المتجذرة في أذهان الأفراد والمجتمعات، ويفككها ويعيد تشكيلها من جديد. وقد أقحم القارئ في مسار جديد من التفكير مختلف عن التفكير النمطي في جوانب الحياة كافةً، السياسية والاجتماعية والدينية، تفكير علمي بعضه مبرهن ومؤكد، وبعضه الآخر لا يزال قيد التجربة والبرهان، فأسقط المقدس والمدنس، وأبقى على الإنسان والروح الإنسانية، بما لا يتنافى مع حاجة هذا الإنسان الضرورية إلى الدين فقط، لا إلى المسلّمات والأفكار والأحكام المسبقة، ولا إلى الطقوس والعبادات. وأكد أن لتداخل الثقافات والاعتراف بالآخر وقبوله، أثرًا كبيرًا وعميقًا في تشكيل الوعي الإنساني وارتقائه إلى مرتبة الإنسانية المجردة عن كل ما يحمله الإنسان من حمولات، سواء كانت سياسية أو دينية أم عرقية.

“شمسان” بطل الرواية من الجزيرة العربية، له قلبان شغوفان بالمرأة، قلب يحتضن “فردوس” زوجته منذ ثلاثين عامًا، وهي شاعرة رومانسية، يحبها بشغف عاشق مراهق، ويحرص على بقائهما معًا إلى نهاية حياتهما، وقلب يحتضن “حنايا” الباحثة في علوم التكنولوجيا، وهي فتاة لأب عُمانيّ وأم بريطانية، سلبتها الذهنية الخليجية كل ما يمكن أن تتمتع به المرأة من حقوق (كغيرها من الخليجيات أو العربيات)، ومنحتها كل أنواع الظلم والاضطهاد والتعذيب والسجن في قصر العائلة، مما اضطرها إلى الاستعانة بمنظمات حقوق الإنسان عن طريق والدتها، للهروب من عُمان  إلى إنكلترا، بحيلة ذكية استخدمتها “حنايا” مع أحد أبناء عمومتها الذي كان يُفترض أن يكون زوجها.

أما حيلة الكاتب الروائية، وتعتبر في مرتبة العبقرية والإبداع فهي مختلفة تمامًا، فقد اعتمد حبيب السروري، في سرده، على العاطفة الرومانسية؛ ليتغلب القارئ على جفاف المادة العلمية، ويتقبل خروج الكاتب عن المحتوى التقليدي للرواية، والخروج عن المألوف الاجتماعي والديني في آنً معًا، فبرنامج الحاسوب العبقري لقراءة الدماغ البشري، وأسماه الكاتب “الفيلسوف كاشف الأسرار”، لم يستعرض عمله في مختبر الجامعة، إنما تارة في غرفة نوم “فردوس” حيث قرأت طريقة عمل هذا الكاشف للدماغ البشري، من خلال الفواصل بين الشعر والحب الرومانسي الذي دام ثلاثين عامًا، وتارة في غرفة نوم “حنايا” عشيقة “شمسان” في السكن الجامعي، بكثير من الحب المتدفق الذي ظل عذريًا إلى ما قبل نهاية الرواية بسطور معدودة. اعتماد الكاتب على “كاشف أسرار الدماغ البشري” طريقة ذكية للدخول إلى دماغ الإنسان العربي، لمعاينة نمط التفكير والمعتقدات، ومن ثم ليستطيع أن يمرر الكثير من الحقائق العلمية المجهولة من قِبل الفكر العربي، والكثير من الآراء المخالفة لمعتقداته المقدسة على مر السنين.

المرأة لم تغب من الرواية منذ السطر الأول من سطورها، وقد توجه الكاتب إلى المرأة العربية بوجه عام، وإلى نساء الجزيرة والخليج العربي بوجه خاص؛ فألهب خيال المرأة بضروب مدهشة من دلال عاطفي، وهو ما تفتقده في الحياة الواقعية، وملامسة شعورها بالغزل والحب، والرحلات، ووجبات الطعام على ضوء الشموع، والهدايا من أفخر أنواع العطور والحرير، كان ملامسةً ناعمة لجراح تغلغلت في مشاعر الأنثى وعواطفها مذ تكونت المجتمعات البشرية.

أنا -الأنثى القارئة- تارةً كنت أختال دلالًا، وعيناي تتنقلان فوق سطور الرواية، بوجود تلك الرومانسية والحميمية، بين “شمسان” وامرأتيه، حميمية تلقائية وشفافة من دون تكلف أو عناء، وتارة أشعر بغصة تحشرج حنجرتي لما تكابده النساء من ظلم وقهر في المجتمعات الذكورية المستبدة.

ليس غريبًا على كاتب مبدع كحبيب السروري، المتحرر من العقد الذكورية والمناصر للمرأة، أن يطرح أسئلة عميقة عما يخص الوجود والعدم، “والمرأة في لب الموضوع”، كما قرأناه في “طائر الخراب”، و”المملكة المغدورة” وغيرها من الروايات الجميلة والقيمة. ولا أظن أن “الانفجار الكوني” سوى تحرر الروح الإنسانية وخروجها إلى العالم لتعيد تشكيله من جديد.

ومما لا شك فيه أن قضية الوجود الإنساني، وتعدد الآلهة، والأفكار المتجذرة في ذهنية الكائن البشري، والأساطير الخرافية، والمعتقدات الدينية الثاوية في القيعان والمنقوشة على صليب الحاضر، لا تستطيع الروايات أو المؤلفات الفكرية أن تدحرها في زمنٍ قصير، لكن حبيب السروري وغيره من المفكرين سوف يؤثرون، عاجلًا أم آجلًا، في تغيير ذهنية المجتمعات والأنظمة العربية القائمة على إقصاء الآخر وتهميشه.

“عرق الآلهة”، هي عرق النساء المعنفات، وعطر الرجال المعنفين للنساء، عطر المجتمعات الذكورية التي تضع المرأة خارج منظومة الإنسانية. باستطاعة الناقد/ ة أن يكتب أو تكتب فيها عشرات الصفحات، مديحًا وإعجابًا. وإن اختلفت الآراء ووجهات النظر، فهي رواية إبداعية فحسب. ولكن، بقي أن نتساءل: هل الزوجة المحبوبة والعشيقة العالمة، في هذه الرواية، وجهان متكاملان للمرأة التي ستولد من المعاناة؟