صفاء مهنا

لم تتزامن قضية في سجون مع الحراك الثوري، منذ أكثر من ست سنوات فحسب، فهي مسألة قديمة بعمر وطغيانه، إذ قضى آلاف المعتقلين داخل السجون وبقيت قصصهم حبيسة أدراج السجانين، أو خرج من خرج منهم إلى الحياة مجددًا بحزمة من الأمراض والعاهات، إن لم يكن إلى مثواه الأخير بعد أيام قليلة من فك محبسه.

تظهر قضية المعتقلين إلى واجهة المآسي السورية، ويكثر الحديث عنها بين الحين والآخر، لكنها تظل في كل الأحايين أشد القضايا تعقيدًا وأكثرها إيلامًا، سواء على المعتقلين أو على ذويهم؛ فإن وقع الموت خارج جدران الزنازين سيكون أكثر رحمة منه داخلها، في عالم افتقر للرحمة، إذ إن المعتقلَ يموت، في اليوم الواحد، أكثر من عدد الثواني فيه.

مع كل جولة تفاوض بين والنظام، يكون ملف المعتقلين في مقدمة الملفات التي تطالب بها ، وتتعلق آمال من له ببصيص نور، ولو كان أقرب إلى السراب، لكن سرعان ما تغلق قاعات التفاوض ويبقى كغيره من الملفات العالقة التي لا يلبّي النظام منها شيئًا. في هذا الإطار يرى المحامي بسام العيسمي أن النظام “لم يتعرض لضغوط جدية تجبره على هذا الملف، أو غيره مما تتطلب العملية الانتقالية، حسب بنود بيان جنيف1”.

لكن النظام، بحسب رأي المحامي العيسمي، لا يرى نفسه مضطرًا إلى التعامل مع هذا الملف؛ “لأن الإفراج عن المعتقلين سيأتي في سياق عملية سياسية وقانونية، تؤدي إلى خفض سقف ابتزازه وتخويفه للسوريين، وهذا له أثر كبير -برأيه- في الحدّ من تصعيد الحراك ضده”.

هذا النظام الذي لم يردعه أي قانون، ولم يحرجه أي اعتبار أو ميثاق دولي، وقد مارس كل صنوف القتل والإجرام بحق الشعب السوري وعلى مرأى العالم، وقد سُرّبت 55 ألف صورة لأحد عشر ألف معتقلٍ، عذبوا حتى الموت في سجون النظام، كان “قيصر” أو “سيزر” المصور العامل في الشرطة العسكرية قد التقطها قبل انشقاقه عن النظام.

يضيف العيسمي لـ (جيرون): “قام النظام منذ الأيام الأولى للثورة بتصفية المعتقلين في سجونه، بأبشع الطرق إجرامًا، متوقعًا إفلاته من المساءلة على غرار مجازر الثمانينيات، وأنه سيكون بمنأى عن العقوبات، حيث يظن أنه لن يخسر معركته، وهو النظام الأمني القمعي”.

يمارس السجانون النفسي على المعتقلين بالدرجة نفسها التي يطبقون عليهم الجسدي، وهم يدركون أن الآثار النفسية ستظل مرافقة للمعتقل مدى الحياة، لكنهم يعمدون إلى تحطيمه آنيًا لجعله كتلة من اللحم فقط، ربما ستغدو رقمًا بعد أيام أو ساعات.

وارتكب النظام مجازر إضافية بحق المعتقلين حيث عمد إلى إحراق جثث القتلى تحت التعذيب للتخلص منها، وهذا ما أوردته الخارجية في تقرير لها، اتهمت فيه بإحراق الجثث في سجن صيدنايا لإخفاء أي دليل على عمليات القتل.

وقال الكاتب المسرحي والمعتقل السابق في سجون النظام ضاهر عيطة لـ (جيرون)، وكان يشهد موت أربعة معتقلين يوميًا: “في ما يتعلق بحرق الجثث، كنا نعلم سابقًا أن السجانين يستخدمون مادة الحمض لتذويب الأجساد فيها، ومن المرجح أن يكونوا قد فعلوا ذلك بالمعتقلين وهم أحياء”. وأضاف حول تفسير تلك المحارق: “يبدو أن العدد الهائل من المعتقلين في السجون والفروع الأمنية بلغ حد قدرتهم على الاستيعاب مكانيًا، وأمام هذا العدد الضخم من الكتل البشرية والمقابر الجماعية التي ستعلن عن نفسها يوماً، يكون الحرق أفضل وسيلة -حسب اعتقادهم- فهو لا يترك معلومات عن أي معتقل لديهم باسمٍ أو صفاتٍ محددة، وبذلك يغيب أثر الإنسان تمامًا، ويتحررون من عبء المسؤولية”. يعتقد عيطة: “أن تسعين في المئة من المعتقلين، بسبب مدة الاعتقال الطويلة والتعذيب، أصبحوا ضحايا معطوبين جسديًا ونفسيًا”.

وطالبت حملة “أنقذوا البقية” الخاصة بالمعتقلين في سجون النظام في بيان لها، تزامن مع انطلاق جنيف 6، طالبت المعارضة بأن يكون صوتَ المعتقلين، إضافة إلى تأكيدها على “إبعاد هذا الملف عن المساومات والصفقات”. فيما يبادر الناشطون إلى تفعيل حملات واعتصامات للمطالبة بالمعتقلين والتذكير بقضيتهم، علّها تطرق مسامع المجتمع والمنظمات الدولية المعنية. وكانت منظمة العفو الدولية قد أصدرت في شباط/ فبراير الماضي تقريرًا تتهم فيه نظام بتنفيذ إعدامات بحق ثلاثة عشر ألف معتقل، معظمهم من المدنيين في سجن صيدنايا أيضًا.

لكن مهما كثرت تسميات وتوصيفات السجون السورية من المسالخ البشرية إلى المحارق إلى الفظاعات، أو وصف أحدها بـ “السيئ الصيت”، وكأن السجون الأخرى منتجعات حسنة الصيت! ومهما أُصدِر من بيانات وتقارير لمنظمات ولجان دولية، يظل النظام السوري على عهده بإخفاء كل ما يتعلق بالمعتقلات والمعتقلين، وتبقى ورقة المعتقلين لديه باهظة الثمن، ولا يتوانى عن الإنكار والكذب وهو غير آبه بتبعات ذلك الإنكار.