حاتم محمودي

في سابقة هي الأولى من نوعها، سيتمّ حجب مشروع تخرّج طلّاب المعهد العالي للفنون المسرحيّة في سوريّة، بقرار من إدارة المعهد الذي أُسّس في أواخر السبعينيات من القرن الماضي، وربّ عذر أقبح من ذنب؛ إذ صرّحت عميدة المعهد “جيانا عيد”، بالقول: “إنّ هذا القرار كان بإيعاز من وزارة الثقافة ولجنة الانضباط، بعد اتّهام بسوء سلوكهم تجاه أساتذة المعهد”، متجاهلةً الأسباب العائدة إلى التزامات معظم هؤلاء الأساتذة بمشاريعهم الفنّية، أو عدم تواجدهم في المعهد، كما وضّح العديد من لوسائل الإعلام، أو في مواقع التواصل الافتراضي.

لن ندخل في سجال عقيم، يبحث عن صدقيّة هؤلاء الطلّاب من عدمها، ولكن، ألا يبدو قرار كهذا، شبيهًا جدّا بكتاب الأمس الذي وجّهته “العميدة”، تدعو فيه الطلابَ إلى التطوّع في ما اصطلحت عليه بالفيلق الخامس؟ رُبَّ توجّه يُفرَض الآن على أبناء المعهد، لن يجعل منهم -بالضرورة- غير محاربين أو عدميين، وإلا كيف تتحوّل مؤسسة مسرحيّة إلى ما يشبه الكتيبة العسكريّة، أو هي تتحوّل إلى جهاز للمراقبة والمعاقبة، تمنع الطلاب من تقديم مشاريع تخرّجهم أمام الجمهور، بجعلها مجرد امتحان نظري، بينما يفترض أن تكون جواز سفرهم من المعهد إلى حياتهم الفنّية المستقبليّة؟

إنّ حجّةَ إدارة المعهد المتمثّلةَ في سوء العلاقة بين الطلاب والأساتذة، لهي حجّة متداعية. ولنفترض أنّ هؤلاء الطلاب على خطأ فعلًا، أفلا يعود ذلك إلى تراكم مشكلاتهم -هناك- نتيجة قرارات إدارة المعهد “الأمنيّة”؟ وإلى ظروفهم الكارثيّة، نتيجة ما تمرّ به سوريّة الآن، من تخريب ممنهج ودمار شامل!؟ ثمّ كيف يمكن لطالب أن يجد مسلكًا للتواصل مع أستاذه المتغيّب “عبد المنعم عمايري” نتيجة انشغاله بأعماله الفنيّة، أو “أحمد الأحمد” الذي لم يستطع التدريس إلا مدّة شهر واحد، بسبب التزامه بالعمل في مدينة أبو ظبي؟

في يوم ما صرّح المسرحيّ أنتونان آرتو بنبرة غضب، وهو يهاجم الجامعيين في بالقول: “إنّ مصدر الخطأ يكمن في أنساقكم العفنة، ومنطقكم المتمثّل في (2+2 = 4). إنّكم تصنعون مهندسين وحكّامًا، وأطباء، لا يعرفون القوانين الخفيّة للجسد، والقوانين الكونية للكائن. اتركونا، يا سادة، لستم سوى مغتصبين! بأيّ حقّ تريدون تقنين الذكاء ومنح شهادات للعقل؟”

نعلم أن طلاب اليوم -على مستوى الدول العربيّة- لم يصلوا إلى تلك الدرجة من النّضج العلميّ والأكاديميّ؛ بما يجعلنا نطلق عليهم صفة المبدعين الكبار، ولكن يبدو أنّ من حقّهم ترديد تلك العبارة في وجه إدارة معهدهم، ومن حقّهم الدفاع عن مشاريع تخرّجهم، كما من حقّهم الحياة في مناخ تعليميّ ومسرحيّ يخوّلهم، فيما بعد، دخول الحياة الفنّية بشكل أفضل ممّا هو عليه الآن.

ما يفوت إدارة المعهد أنّ هؤلاء جيل جديد ينفتح عن العالم برمّته، وأن يجد نفسه تحت وطأة نظام مزّق أوصال ثورته، وتحت وطأة قرارات إداريّة تحرمه من أبسط حقوقه، أو هي تحاول تدجينه ليتحوّل إلى رجل أمن، عوضًا من أن يكون كادرًا في المستقبل، ومبدعًا يوصل صوت شعبه إلى الأمم، فمن الطبيعيّ أن يلجأ إلى احتجاج، لا محرّك له غير الغضب، فعندما يُقصَى أو يُهمّش، يلج -بالضرورة- مناطق التهكّم أو العصيان. وإذا كان قد أخطأ بعض الطلاب فعلًا: فهل بهذه السياسات القمعيّة تواجههم إدارة المعهد!؟

ثمّة مثل عربيّ قديم يقول: (ما هكذا يا سعد تورد الإبل). لقد أخطأت “جيانا عيد” مثلها مثل وزارة الثقافة، فالمسرح وحده من يعلّمنا التواصل ومدّ جسور التحاور، إنّه المدرسة الديمقراطيّة الأولى التي تصنع جيلًا قادرًا على التعايش، وإيجاد المشترك الثقافيّ والعرقيّ والسياسي، بين مختلف الأشخاص، فهل بهذا الشكل الزّجريّ والسلوك “الأمنيّ” تحلّ القضايا العالقة داخل المعهد؟ أم أنّ ثمّة سعيًا ممنهجًا إلى تخريبه؛ مثلما تتمّ الآن عمليّة شطب أيّ محاولة في إنقاذ الثورة السوريّة من وحشيّة وآفة الظلاميين؟ ألم يذهب الظنّ بأسرة هذا المعهد، إلى أنّ مثل هذه القرارات قد يخلق غير جيل مسرحيّ مفرغ من أيّ شعور بالوطنيّة؟ وألا تورّطنا هذه الأسئلة الإنكاريّة لنفتح سؤالًا أكثر مرارة: لصالح من يحدث هذا، وفي أيّ ملعب تجد إدارة المعهد اشتغالها؟

صحيح أنّ “الحالة الاجتماعية ظالمة، وإذا كان على المسرح أن يهتمّ بها، فمن شأن المدفع أن يهتمّ بها أكثر”، فلماذا كانت تلك الدعوة الملحّة إلى الالتحاق بثكنات القتال؟ هل قدر الجيل المسرحيّ الجديد في سوريّة أن يسجن في معادلة القتل التّافه، لصالح نظام خياراته لا وطنيّة؟

صحيح أيضًا، أنّ المعهد –إذا نحن برّأنا خيارات إدارته-، يتأثّر، ككلّ الجامعات، بما يحيط به من خراب وتهميش، لكن هل على الأساتذة وهذه الإدارة قتل طلابهم وتدجينهم، أم عليهم محاولة “هندسة العقول” و”إعادة تربية الأرواح” وزرع نبتة الأمل في قلوبهم، بمدّ جسور التواصل والتحاور معهم، وتعليمهم فنّ محاورة الحياة، عوضَ النظر إليهم كما لو أنّهم صورة عن “الابن العاقّ”؟.