محمد خليفة

فقدَ ، منذ حربه الأهلية، مقومات دوره لأسباب كثيرة؛ أهمها ضمور نموذجه الديمقراطي، واحتضار صحافته، وانتقال مركز التأثير الإعلامي إلى الخليج، وفقدانه الاستقلالية السياسية بين المحاور العربية والإقليمية عما كان عليه، في عصر ازدهاره في ستينيات القرن الماضي، إلا أنه على الرغم من بؤسه المتراكم، منذ حقبة الاحتلال السوري والحرب الأهلية، احتفظ بأهميته، مرصدًا سياسيًا إقليميًا لقياس التطورات بشكل مبكر، بفضل شفافيته الطبيعية؛ إذ إن بيروت معتادة على كشف الأسرار لا حفظها، ويمكنك بجلسة في أحد مقاهيها أو جولة في صحفها الصباحية الحصول على كمية معلومات طازجة ليس عن فحسب، بل عن سورية وإيران والسعودية و”إسرائيل” ..إلخ!

تعيش بيروت، وهي تقترب من صيف 2017 هواجس أمنية حادة، وتتداول أوساطها السياسية والصحافية معلومات عن حرب محتملة بين أميركا ترامب وإيران، ستجري بالوكالة بأيدي “إسرائيل” و”حزب الله” في لبنان. وتشير هذه الأوساط إلى أن مطالبة ترامب لإيران بتقليص انتشارها في دول المنطقة والعودة إلى داخل حدودها، تؤخذ هنا على محمل الجد، وترى أن ترجمتها الميدانية بدأت فعلًا منذ نيسان/ أبريل الماضي، بتصاعد ضربات “إسرائيل” لنقاط و”حزب الله” في سورية، في أعقاب قصف أميركا لقاعدة الشعيرات. وتتحدث هذه الأوساط عن قرارٍ، اتخذه الطاقم الأمني المصغر في الحكومة الإسرائيلية بالتصدي للأهداف الإيرانية بين حمص ودمشق ودرعا، قابلته بحذر، وترجمه “حزب الله” إلى سياسة انكفاء سريعة، فيما يلي بعض معالمها:

– تشير أوساط لبنانية إلى أن الخطة الأميركية-الإسرائيلية الجديدة تستهدف ضرب “الأوصال ونقاط الاتصال” الإيرانية بين وسورية ولبنان، ولذلك تتركز الضربات على مناطق البوكمال ودير الزور، وحمص، وقرب الجولان والحدود السورية-اللبنانية في محيط دمشق، ويلاحظ أن بعض الهجمات قرب دير الزور والبوكمال، حيث يمر الأوتوستراد البري الإيراني إلى لبنان، تنفذها طائرات مجهولة لا تعلن عن هويتها.

– خفوت نبرة التحدي في خطابات حسن نصر الله، وتصريحات المسؤولين الإيرانيين والسوريين، وميل هؤلاء إلى خطاب تصالحي ومهادن؛ فأمين عام الحزب لم يعد يتبجح بمقاومته وجاهزيته لقتال “إسرائيل”، وأخذ يلوّح برغبته في مفاوضة السورية، بما فيها “هيئة تحرير الشام” لمعالجة الإشكالات الحدودية في القلمون، كوسيلة لجس نبضها من التفاوض معه. وأما إيران فتدعم خطة حزبها، واختارت أستانا 4 لتظهر استعدادها لخفض التصعيد في سورية ونزوعها لتسوية سياسية.

– تتحدث الأوساط اللبنانية عن حالة خوف تعتري قيادة الحزب من مواجهة قريبة مع “إسرائيل” ستكون نتائجها هزيمة أكيدة؛ بسبب انتشار قواته المدربة في سورية وحالة الإنهاك التي بلغتها بعد ست سنوات من القتال في الخطوط الأولى، فضلًا عن انتشارها في دول عربية أخرى، وقد وضع مؤخرًا خطة للانكفاء وإعادة الانتشار في سورية، استعدادًا لاحتمال نشوب حرب مع “إسرائيل” في الصيف. ويلاحظ المراقبون أنه سحب وحدات النخبة من مواقعها في الجبهات السورية، وخاصةً “وحدة الرضوان” ونقلها إلى “مواقع حساسة” في لبنان، وإرساله وحدات أقل كفاءة بدلًا منها مثل “وحدة بدر”. وسربت في الفترة الأخيرة مواقع إسرائيلية أن الجيش وضع بنك أهداف لبنانية، يحوي ألف موقع لقصفها في الحرب المقبلة.

– تشير مصادر سياسية إلى أن أوساطًا دولية -في مقدمتها - تتوسط بين و”إسرائيل” من ناحية، وإيران والحزب من ناحية أخرى للابتعاد عن جنوب سورية مقابل ألا تتعرض لها “إسرائيل”. وتقول هذه المصادر إن إيران أبدت مرونة ولكن لم تتعهد بشكل قاطع. وأما عن احتمال اندلاع حرب بين الطرفين، فتقول إن القرار موجود في لا في الضاحية، وإن الإيرانيين لا يرغبون في التصعيد إلا في حالة واحدة، هي إصرار أميركا و”إسرائيل” على انسحاب الحزب نهائيًا من جنوب سورية، فعندها ستختار إشعال جبهة جنوب لبنان للضغط على الغرب و”إسرائيل”؛ لأن للجبهة حساسية فائقة بوجود قوات أممية غالبيتها أوروبية، وبما أن للبنان رعاية خاصة بسبب هويته المسيحية فإن أميركا تفضل المواجهة في سورية، وإيران مستعدة لخوضها في لبنان.

– تعرض الحزب مؤخرًا لحزمة عقوبات اقتصادية غربية-عربية، تندرج في استراتيجية التصعيد الأميركية على إيران، أصابته بأضرار فادحة، تزامنت مع شح في معونات إيران المالية؛ ما وضعه في أزمة بدأت تهدد تماسك بنيته التنظيمية، والتفاف حاضنته الشعبية حوله. ولكن أوساطًا مطلعة -بعمق- على شؤون الحزب تحذر من الإسراف في توقع نتائج سريعة للحرب الاقتصادية عليه؛ لأنه -برأيها- يمتلك مدخرات هائلة، مصدرها من سرقات نوري لمليارات الدولارات من ميزانية العراق، نُقلت إلى خزائن الحزب في بيروت بأوامر طهران.

– تؤكد شخصيات عسكرية لبنانية وصول “قوات عسكرية أميركية” إلى بعض المواقع اللبنانية، وخاصة “قاعدة رياق” بحجة أنها قوات للجيش اللبناني على أسلحة حديثة تتبرع بها أميركا. وتتحدث عن خطة أميركية-سعودية، ينفذها رئيس الحكومة سعد الحريري؛ لرفع قدرات الجيش ليستطيع الوقوف في وجه الحزب، وتتداول الأوساط السياسية والإعلامية معلومات عن أزمة عميقة، تهدد تحالف “حزب الله” والتيار الوطني الحر بزعامة رئيس الجمهورية ميشيل عون وصهره جبران باسيل، على خلفية تباين في مواقف الطرفين، يزداد اتساعًا وعمقًا، من ملفات داخلية وإقليمية. وتذهب التقديرات إلى الاعتقاد بأن أجندة عون التي كشف عنها بعد انتخابه رئيسًا تتمثل بتوحيد المسيحيين ولعب دور الزعيم المسيحي القوي، مثل كميل شمعون، في خمسينيات القرن الماضي، ويطمح صهره باسيل إلى تأدية دور بشير الجميل، وأن كلاهما يسعى لاسترداد ما خسره الموارنة من امتيازات، في اتفاق الطائف، ذهبت للمسلمين الشيعة بالذات. وترى هذه المصادر أن الرئيس عون يعيد تموضعه السياسي الخارجي أيضًا، ويراهن على تحالف غير معلن مع إدارة ترامب في حربها ضد إيران، واستثمارها لتحقيق طموحاته الداخلية لصالح المسيحيين وإضعاف نفوذ الحزب.

– تعتقد الأوساط السياسية اللبنانية أن إيران قد تختار التصعيد في مواجهة أميركا و”إسرائيل” من دون أن تصل إلى المغامرة بإشعال حربٍ لا تضمن نتائجها، وقد تقضي على ما بقي من قوته، وذلك عن طريق العودة لخلق فراغ سياسي ودستوري في لبنان، بتعطيل العامة المقرر إجراؤها قبل نهاية صلاحية المجلس النيابي الحالي في 20 حزيران/ يونيو القادم.

اللبنانيون بعامة يتهيؤون لصيف ساخن، ولأسوأ الاحتمالات السياسية والأمنية في لبنان، وسورية، والمنطقة.