في رمضان.. عيون أهالي مارع على القذائف والأسعار


يتسوق أبو علي (45 عاماً) حاجيات أسرته من أسواق مارع بريف حلب الشمالي بسرعة كبيرة، خوفاً من تساقط القذائف على المدينة بشكل مفاجئ.

يقول أبو علي لـ صدى الشام : “كان التسوق في رمضان من قبل متعة بحد ذاتها، أما اليوم فالخوف من الموت يفسد هذه المتعة، ويحولها إلى فرض يتوجب القيام به بأقصر وقت ممكن”.

في وظل وجود “قوات سوريا الديمقراطية” على أطراف المدينة المكتظة بالسكان، تتعرض مارع من حين لآخر للاستهداف بقذائف عشوائية، ينجم عنها حدوث إصابات ووفيات في بعض الأحيان.

ومع اندلاع الشرارة الأولى لها، التحقت مارع بالثورة السورية باكراً، وشهد محيطها تشكيل أول لواء عسكري  تابع للمعارضة في سوريا وحلب، بمسمى “لواء التوحيد”، الذي كان القوة الضاربة في معارك مدينة حلب، فيما بعد.

وفي بداية العام الماضي، تعرض ريف حلب الشمالي لاجتياح  واسع من قبل تنظيم الدولة “داعش”، وتعرضت مارع حينها لحصار فرضه التنظيم من ثلاث جهات، وفرضته “قوات سوريا الديمقراطية” من الجهة الغربية، وبالرغم من ذلك فقد صمدت المدينة، إلى أن كُسر الحصار عنها من قبل فصائل “درع الفرات”، في حزيران من العام الماضي.

وبخلاف التنظيم لم تتراجع “قوات سوريا الديمقراطية” عن المناطق المحاذية لمارع، وساهم تواجدها في مدن وبلدات تل رفعت والشيخ عيسى وحربل وأم حوش، بتحويل هذه المنطقة إلى ساحة صراع متجدد.

 

القصف وقت الإفطار

قبل بدء شهر مضان كانت مدينة مارع تتعرض لقصف متقطع، واستمر الوضع على ما هو عليه مع دخول الشهر.

يقول أبو علي لـ”صدى الشام”: “في أول يوم من رمضان قصفت قوات سوريا الديمقراطية مارع وقت الإفطار، وسقط جراء القصف شهيد مدني اسمه “محمد الحسن”، كان ينتظر لحظة الإفطار”، مضيفاً “لا تزال المدينة تشهد عمليات قصف مماثل بالقذائف المدفعية والهاون بشكل شبه يومي”.

وعلى مقربة من السوق الشعبي الواقع في وسط مارع، ينشغل باعة العصائر الرمضانية (السوس والتمر الهندي و قمر الدين) بعرض مشروباتهم على الزبائن، يقول أحد الباعة “نتحاشى الوقوف في المناطق المكشوفة قدر الإمكان، فلا تعلم في أي لحظة تسقط القذائف”.

ويضيف لـ صدى الشام: “يُشيع شهر رمضان أجواءً من التسامح والمحبة والألفة والأمان والطمأنينة، لكن ذلك لا ينسحب على هذا العام بوجود  قوات سوريا الديمقراطية، التي تصر على تعكير فرحة الأهالي بهذا الشهر المبارك”.

 

 

لامبالاة

وفي الوقت الذي يتجنب فيه بعض الأهالي الوقوف بالمناطق المفتوحة، خوفاً من سقوط القذائف، يشير توفيق (44 عاماً)، إلى أن المدينة تشهد حركة تجارية جيدة خلال شهر رمضان.

ويتابع في حديثه لـ صدى الشام “في الأسواق التي تشهد انتعاشاً خلال هذه الأيام، يتجاهل الأهالي الخطر المحدق بحياتهم، ولا يبالون بالقذائف، ويتجولون في أسواق المدينة بشكل أقل من عادي، لتبضع حاجيات الشهر المبارك، تحدياً منهم لكل شيء”.

وبحسب توفيق، فإن القذائف لم تعد مصدر القلق الأول للأهالي في مدينة مارع، لأن التفكير فيها يبقى آنياً، وينتهي مع حالة الهدوء التي تسود أجواء المدينة بعد توقف القصف، لكن ارتفاع الأسعار صار الشغل الشاغل لمعظم الأهالي، وخصوصاً للنازحين منهم.

 

 

ارتفاع الأسعار

مع دخول شهر رمضان، شهدت الأسواق ارتفاعاً ملحوظاً في أسعار غالبية السلع، وخصوصاً في مادة اللحوم بشقيها الحمراء والبيضاء، وكذلك أسعار الخضروات والفواكه.

وارتفعت أسعار اللحوم الحمراء لتصل إلى 3000 ليرة سورية للكيلو الواحد من لحم الغنم البلدي، بينما وصل سعر الكيلو الواحد من مادة الفروج المستورد (المجمدة) إلى 850 ليرة سورية، مقابل فقدان شبه تام للفروج البلدي.

مقابل ذلك سجلت أسعار الخضار ارتفاعاً مماثلاً، إذ وصل سعر كيلو البندورة الواحد إلى 250 ليرة سورية، وسجل سعر الخيار 200 ليرة سورية.

وتعليقاً على ذلك، رأى توفيق أنه “من الصعب اليوم على الأسرة أن تتدبر أمرها بدون الحصول على مساعدات من الجمعيات الإغاثية المنتشرة في ريف حلب الشمالي عموماً”.

وأضاف: “نتيجة التأثر بحالة الغلاء، لم تعد الموائد الرمضانية كما كانت عليه من قبل، وغالبية العائلات صارت تكتفي بطبق رئيسٍ واحد، بدلاً من أصناف عدة في السابق”.

 

اقتصاد في كل شيء

تقول “أم رامي” ربة المنزل، إن الأسعار ارتفعت بشكل جنوني، وصارت الوجبات والأطباق الرمضانية الدسمة، التي كانت تُعد في السابق، شيئاً من الماضي.

وتضيف في حديثها لـ صدى الشام: “على سبيل المثال تفوق كلفة وجبة (المحاشي) اليوم خمسة آلاف ليرة، وحتى الأطباق الرخيصة مثل (الفتّة) لا تقل تكلفتها عن ألف ليرة”.

ولمواجهة الأهالي هذا الغلاء، وفق أم رامي، فإنه لا بد للأسرة الاقتصاد في كل شيء، سواء في عدد الأطباق أو في الكمية.

 

المطابخ الرمضانية الإغاثية

في ظل ارتفاع الأسعار في مدينة مارع، يقدم مطبخ “عباد الرحمن” يومياً ما يقارب 400 وجبة طعام تكفي لشخصين، منذ بداية شهر رمضان.

ويقول المسؤول عن المطبخ، ياسر الحجي، لـ صدى الشام، إن المطبخ يقدم يومياً وجبات تحتوي على اللحوم البيضاء أو الحمراء، وذلك بعد ارتفاع أسعارها بشكل كبير.

ويضيف أن “المدينة بحاجة إلى عشرات المطابخ، لكن وللأسف فإن مطبخنا هو الوحيد الذي يقدم الوجبات للصائمين في مدينة مارع، التي تعج  بالنازحين”.

ويتابع: “هناك كثيرٌ من المحتاجين، خصوصاً إذا نظرنا إلى قلة فرص العمل”، معتبراً أنه لا بد من تضافر جهود المنظمات وأهل الخير للوقوف بجانب الفقراء في شهر رمضان.



صدى الشام