الوجه الخادع… سورية بلا أرقام

علاء كيلاني

[ad_1]

بعد انكماشٍ اقتصادي وانهيار مالي كبير، اجتهد النظام السوري، عشية سريان اتفاق مناطق خفض التصعيد ورفع الحواجز العسكرية، في العاصمة وبعض المدن، على تجميل صورة اقتصاده، وبث إيحاءات إيجابية، قلما وفرت مضامينها فكرة تلامس الحقيقة كما هي على الأرض.

في واقع الأمر، ما زال الأسد يعمل بالطريقة التي شق بها نظام العائلة طريقه للسلطة، عام 1970. وكأن ما جرى ويجري، بما في ذلك التحول التاريخي الذي بدأ في مطلع آذار/ مارس 2011، مجرد مشاهد سينمائية مفبركة، لا أكثر، تصلح لرواية أدبية، طلب السفير الأسبق لحليفه الروسي في مجلس الأمن فيتالي تشوركين من مفوض الشؤون الإنسانية ستيفن أوبراين متهكمًا، أن يكتبها يومًا ما عن سورية. على هذا النحو المخزي، يجري التعامل اليوم مع أزمات البلاد وقضاياها السياسية والاقتصادية والإنسانية.

في الجانب الاقتصادي الأكثر تأثيرًا على حياة السوريين، يغمض الأسد عينيه عن مآلات الوضع الاجتماعي وانهياره، متأثرًا بجفاف منابع الإنتاج، وسقوط قيمة العملة، وتراجع قيمة الدخول مقابل متطلبات الاستهلاك. وقد نقل هذا الوضع ملايين المواطنين، من حد الاكتفاء المتواضع إلى حد الحاجة الملحة. والاعتماد على المساعدات الأممية والمحلية، لمواصلة الحياة بصورة مشوهة.

فالاقتصاد الذي كان يعاني من هشاشةٍ إثر تجربتَين فاشلتين (الاقتصاد الموجه واقتصاد السوق الاجتماعي) انهار انهيارًا تامًّا، بعد أن استثمرته فاتورة الحرب 2017/2011، وغيّرت وجهته في تجربة ثالثة (اقتصاد النخبة) لتستفيد منه فئة متنفذة مقرّبة من النظام، تسيطر اليوم على اقتصاد الظل الذي أصبح يمثل عصب حركة الحياة اليومية، بعد أن بلغت نسبته  70 بالمئة من الناتج المحلي؛ وهو ما أدى إلى فجوة معيشية كبيرة، طالت معظم فئات المجتمع، أطاحت بكل احتياجات الناس الأساسية، حتى شملت الحد الأدنى من متطلبات غذائهم، لتدخل أوضاعهم، بحسب لوائح الأمم المتحدة، في مرحلة ما قبل انتشار المجاعة.

يدرك الأسد -بالتأكيد- كل هذه الحقائق؛ لكنه يخفيها عن الرأي العام، ويتحدث بغير ذلك، فمن المستبعد أن يحجب فريقه الاقتصادي عنه مؤشرات الوضع الحياتي والمتغيرات التي جرّتها الحرب على الاقتصاد والقطاعات الإنتاجية والخدمية والمالية. وإذا سلّمنا جدلًا بذلك، فإن تواصله مع الناس (كما يدّعي) سيجعله على دراية تامة، بأوضاعهم وأوضاع البلد، وسيدرك تمامًا معنى قيمة الرواتب والأجور الحالية، مقابل معدل الإنفاق، مع أن فريقه الإحصائي خرج عن صمته ذات مرة، وأبلغه علنًا أن قيمة الـ 40 ألف ليرة (الدخل الوسطي حاليًا للموظف) لا تعادل سوى 5 آلاف ليرة، قياسًا لمعدل نمو حقيقي في الاقتصاد.

إغماض العين، والتحدث بلغة إنشائية مغايرة للواقع، سياسةٌ ليست بالجديدة؛ ففي ثمانينيات القرن المنصرم، كان من المعروف، عن نظام الأسد الأب، أنه يكذب في كل شؤونه، ويتعامل مع الكذب بلا حرج، في إطار سياسة متذبذبة، أفقدته ثقة المجتمع الدولي وثقة شعبه. وفي السنوات الأخيرة من حكمه، تضخمت حالة الكذب لديه ولم يعد يجد من يصدّقه -باستثناء حلفائه- حتى في نشرة الأحوال الجوية. وقد اتّبع الابن الوريث الأسلوبَ ذاته، وانتقل الكذب في فترة رئاسته، من السياسة إلى عالم الاقتصاد. ولأنه يدرك سلفًا حجم الكارثة التي أوصل البلاد إليها في سنوات الحرب، ويعرف أن أي حديث بلغة الأرقام عن حجم السيولة المتداولة، والأموال المودعة في البنوك، ورصيد العملة الأجنبية والذهب المودع، وتدفق الاستثمارات الأجنبية، ومعدلات النمو، والبطالة، والتضخم، وحجم القوة البشرية، وخصائص قوة العمل، ومؤشرات توزع الأنشطة الاقتصادية، وقبل ذلك خسائر الاقتصاد والعجز المالي وحجم فاتورة الدين الخارجي من شأنه أن يكشف زيف حديثه، ويعرّي صورته وصورة اقتصاده، وصورة سورية الحديثة التي بناها الحكم العائلي تحت مظلة البعث، بالتسلط والإقصاء والاستئثار وهراوات الاستخبارات، بأجهزتها الجوية والعسكرية وأمن الدولة.

اليوم تفتقر سورية إلى البيانات الرقمية، ليس على مستوى الدوائر الإنتاجية والمؤسسات العامة فحسب، بل على مستوى مراكز صنع القرار داخل النظام. ومن الواضح أن تعليمات رئاسية بهذا الشأن أدت إلى تجاهل الرقم الإحصائي وإخفائه، والحؤول دون تداوله. وقد ساق أحد مسؤولي حكومة الأسد، في معرض تبريره غياب الرقم عن متغيرات الاقتصاد والمجتمع والحياة العامة، عبارةً تفضي إلى وجود توجه حكومي يقضي بذلك، منعًا من استغلاله، إذ قال: “نحن في حالة حرب وأزمة، ولذلك من حقنا التحفظ على نشر الأرقام، كي لا تستغلها جهات خارجية معادية”.

في “سورية الأسد”، تتولى ثلاثة مراكز رئيسية مهمة التعامل مع البيانات الرقمية والرقم الإحصائي، هي بحسب الأهمية: المكتب المركزي للإحصاء، وهيئة الاستثمار السورية، والمرصد الوطني للتنافسية. وفيما يعمل المكتب المركزي للإحصاء على جمع البيانات وتحليلها وتفسيرها ووصف مجموعة المتغيرات من خلال عينات يجملها في مجموعة إحصائية سنوية، تتضمن أحدث بيانات قطاعات الاقتصاد الوطني؛ تقدم هيئة الاستثمار معلومات إحصائية عن القطاعات الاقتصادية والإنتاجية، والفرص الاستثمارية، إلى جانب بيانات عن القوة البشرية والقوة العاملة، بهدف تطوير قطاع الاستثمار وتحسين المناخ الاستثماري واستقطاب رأس المال الأجنبي. أما المرصد الوطني للتنافسية، فيتولى إدراج سورية في التقارير العالمية من خلال إجراء مسوحات سنوية لقطاع الأعمال، وتزويد مختلف الجهات المعنية بأحدث بياناته.

من المثير للغاية، أن الدوائر هذه، باستثناء المرصد الوطني، قد أقفلت نوافذ مواقعها الإلكترونية، وحجبت معلوماتها عن التداول. مع أن حداثة معلومات المرصد لم تكن تختلف كثيرًا عن المعلومات التي يقدمها المكتب المركزي للإحصاء وهيئة الاستثمار، بوصفها قديمة، وتعود في معظمها لعام 2010، إلا أنه تجاوزهما ببيانات عن مؤشرات التنمية البشرية وممارسة أنشطة الأعمال تعود أغلب أرقامها لعام 2012، وهو العام الذي توقف فيه صدور البيانات الرقمية بمختلف أنواعها في سورية.

يعترف أحد مسؤولي الإحصاء في نظام الأسد، بأن الرقم الإحصائي، لا يستخدم إلا لغايات إحصائية.

والسؤال: لماذا الخوف من تداوله إذًا؟

بكل بساطة، الأسد يحاول أن يخفي وجهه القبيح، كما يريد أن يحجب الفاتورة الكبيرة التي دفعتها سورية، من أجل أن يستمر في الحكم، ويواصل قيادته لبلد، حوّله حكم العائلة وأزلامها، إلى مأوى لغربان الخراب.

[ad_1]

[ad_2]

[sociallocker]

المصدر

[/sociallocker]