جاد الكريم الجباعي

“الحاضر هو اللحظة التي تملأ الوجود”، في كل عصر وأوان؛ لا وجود للماضي إلا في فجواته؛ ولا معنى للمستقبل إلا ممكناته. الحاضر هو وحدة الزمان والمكان؛ وكذلك الكائن؛ الماضي الذي في فجوات الحاضر هو التراث المادي واللامادي. التراث المادي مكان منقطع عن زمانه، والتراث اللامادي زمان منقطع عن مكانه، وهذا هو معنى قابلة الثقافة للانتقال من مكان إلى آخر ومن زمان إلى آخر. ومن ثم، يكون معظم “التراث” اللامادي، أشبه بالخلايا الميْتة، في نسيج الثقافة الحي. ويكون الحاضر هو مسرح التاريخ الواقعي، وما عدا ذلك حكايات وسرديات عن هويات بلا ذوات.

هل من علاقة بين كيفية إدراك الزمن وبين حرية الفرد، ذكرًا وأنثى، أو حرية الجسد، جسد الذكر وجسد الأنثى؟ تتلخص المسألة، في اعتقادنا، في كيفية النظر إلى الفرد الإنساني العياني، زيد أو هند، إما من خلال تصور سكوني لزمن مستمر، بإحداثياته الاجتماعية–الاقتصادية والثقافية والسياسية والأخلاقية ذاتها، ومستقل عن المكان، وإما من خلال تصور للزمن على أنه سيرورة تشكل وانحلال متناوبين، سيرورة نمو وتحسن ذاتي، لا ينفصل فيها الزمان عن المكان؛ هاتان رؤيتان: تيولوجية (لاهوتية) وعلمانية، لا سبيل إلى التوفيق بينهما. محاولات التوفيق هي ما جعلت مجتمعاتنا تراوح في موقعٍ، لا هو خارجَ العصر، ولا هو داخلَه، لا هو خارجَ الحداثة، ولا هو داخلَها.

مشكلة المعاصرين وأمثالهم ليست في عجزهم عن اكتساب قيم الحداثة ومبادئها ومناهجها، أو عجزهم عن التمتع بمنجزاتها، وليست في قصور لغتهم، بل هي، بالضبط، عجزهم عن المشاركة في إنتاجها، وإعادة إنتاجها. لذلك، يغدو “سؤال النهضة”: لمَ لا يزال وأمثالهم من الأمم والشعوب عاجزين عن المشاركة في الحداثة، بحلوها ومرِّها؟ من البديهي أن تكون غالبية الممنوعين من ممارسة حياتهم النوعية (الإنسانية)، في دولهم، والممنوعين من المشاركة في تدبير شؤونهم العامة، وتقرير مصايرهم، عاجزين عن المشاركة في الحداثة، ومشاركة في صلب الموضوع. ومن البديهي أن يكون طغاتهم، الذين يمنعونهم من ذلك، حرَّاسَ تأخرهم وحماتَه، والحداثةُ، من أحد وجوهها، ثورةٌ على الطغيان. وأمثالهم لا يشاركون العالم المتقدم في شيء، إلا في كونهم عاهته ومرضه العضال، ودليل على تشوُّهاته الأخلاقية، بصفتهم موضوعَه، ولم يرتقوا بعدُ إلى ذوات حرة ومستقلة.

إن كيفية إدراكنا للزمن تحدد كيفية إدراكنا للعالم، عالم الإنسان، المجتمع والدولة، ومجتمع الدول، ومدى انتمائنا إليه ومشاركتنا في إنتاجه وإعادة إنتاجه، بل في خلقه أو ابتكاره، إذا شئتم. ثمة زمن تيولوجي، يبدأ بخلق العالم، وخلق الإنسان، وينحدر إلى الحضيض، كلما ابتعد عن اللحظة/ اللحظات التدشينية والأحداث البدئية، كولادة السيد المسح أو النبي محمد، التي يعيد البشر تحيينها رمزيًا، بشعائر وطقوس فولكلورية، كأعياد الميلاد، مثلًا.. وزمن آخر، هو الزمن العلماني، باعتباره “شكل حركة المادة”، وروح المكان، والوجه الآخر للوجود، الملازم لوجهه الأول (المكان) والمتصل به، وسيرورة التحسن الذاتي للإنسان، بما هي سيرورة نمو وتقدم مطَّردان، مع انقطاعات وانتكاسات وتراجعات، هنا وهناك، وبين الحين والحين.

الزمن التيولوجي هو زمن الحكاية، أو السردية التي تغدو خرافيةً أكثر فأكثر كلما جف نسغها الأسطوري والشعري والإبداعي. والإنسان (الذكر) هو موضوع الحكاية، مخلوق من طينها، ومن الروح القدس، على صورة من خلقه وهيئته؛ والمرأة مصنوعة من ضلعه القاصرة. المرأة رحم الحكاية وثدياها، ودميتها، أم الأبطال والشهداء، ومتعة المحاربين، وسكن القاعدين، وحريم الرجال الجُوْف. الجسد، جسد الرجل “مادي”، طيني؛ وروحه، عقله، قبس من نور الله. المرأة بلا عقل، بلا نفس أو روح، مجرد ضلع قاصرة ووسيلة إنتاج. أما الزمن العلماني فهو التاريخ الذي يصنعه الإنسان بنفسه، ولكنه لا يصنعه على هواه دومًا. التاريخ هو ظل الإنسان، وتوقيع ممكناته على حساب ممكنات أخرى لا متناهية، في كل لحظة من لحظات تطوره التاريخي. “المجتمع هو الإنسان مموضعًا” والدولة هي حياته الأخلاقية، العامة، النوعية (= الإنسانية)، حسب ماركس، هذا في المبدأ والمنطلق، الذي ليس مبدأَ حياتنا المعاصرة بعدُ، لأن الإنسان الإنسان ليس بعد.

الإنسان في الزمن/ التاريخ هو الخالق، يخلق العالم، عالمه، ويعيد خلقه، في كل مرة، على صورته ومثاله، وهو من خلق الله على صورته ومثاله أيضًا، وقد حدس برمنيدس بذلك، منذ عشرات القرون. هذا الفارق الجذري بين زمنين، بإحداثياتهما المشار إليها، هو الفارق بين نموذجين للإنسان: نموذج المخلوق ونموذج الخالق. الروح، في النموذج الأول مغايرة للجسد، تحل فيه وتفارقه؛ أما في النموذج الثاني فالروح هي الجسد والجسد هو الروح أو النفس. وبحسب التوحيدي، أبو حيان، الروح أو النفس لطيفُ الجسد، والجسدُ كثيفُها. الثقافة العربية، بالمعنى الواسع للثقافة، وثقافتنا هنا في سورية، ممنوعة حتى اليوم من تمثُّل قولة التوحيدي، والنظر إلى الفرد الإنساني، بوجه عام، وإلى المرأة، بوجه خاص على أنه وأنها النموذج الكامل للإنسان، وسيظل أمرنا كذلك ما لم تتخط ثقافتنا هذه العتبة.

البنى البطركية والبطركية الجديدة، والسلطة/ السلطات المنبثقة منها، لا تعترف باستقلال الفرد الذكر وحريته، أي بإنسانيته، إلا اعترافًا مشروطًا بتبعيته لها وذوبانه فيها وذوده عن حياضها، ولكنها لا تستطيع أن تعترف أبدًا بحرية المرأة واستقلالها الكياني، لأنها حين تفعل ذلك تتفسخ، وتنهار، وتكف عن كونها بنى بطركية. ما يمنعها من ذلك، وما يحافظ على وجوها واستمرارها، ثقافة راسخة، سمتها العامة هي التكرار والمحاكاة والتقليد، واجترار المقدس، وسلطة/ سلطات مستبدة أتفه ما يكون الاستبداد، وأكثر أشكاله شينًا وعارًا. البنية البطركية، ولا سيما الإثنية والمذهبية، هي شكل التوسط بين الإنسان وجسده، بين الإنسان وذاته، بين الإنسان وحريته، لا يعرف الإنسان ذاته ولا يعرِّفها إلا من خلالها، ولا يدرك جسده إلا بها، باعتباره جزءًا منها وعضوًا من أعضاء جسدها، إنها هويته. ولا يخلو أن يكون الفرد أو تكون عضوًا من أعضاء جسد الحاكم، عينَه أو أذنَه أو يدَه أو “ذراعَه اليمين” أو لسانَه.. لأن المجتمع امتداد عضوي لجسد السلطان، يفعل فيه، ويفعل به ما يريد.

الجسد، الذي يعتبر إلى اليوم موضوعًا للطب، والطب النفسي وغيرهما من العلوم، وموضوعًا للنظر إليه جماليًا، وتشكيله اجتماعيًا، وفقًا للوظائف المنوطة به، ولا سيما جسد المرأة، هذا الجسد المُشيَّأ، أي المجعول شيئًا (ماديًا)، هو بيت الوجود الفسيح، وشكل الحياة الإنسانية، هو الذي يمنح الفرد هويته الجذرية، (الإنسانية – الجنسية)، التي يطمسها المجتمع، أو يمسخها، ويدرجها في منظومته الرمزية جسدًا بلا روح. فلا يمكن أن تتأسس المساواة، وتتعين الحرية، وتنفتح إمكانية العدالة، ولا يمكن أن تتعين قيم الحق والخير والجمال إلا بنفي انفصال الزمان عن المكان، والفكر عن الواقع، والوعي عن الوجود، والروح عن الجسد، أو الماهية عن الوجود. لم يعد سائغًا التفكير في زمان مستقل عن المكان. متصل الزمان والمكان يؤسس أو سوف يؤسس رؤية فلسفية جديدة، تتجاوز الحداثة المتحققة بالفعل، ما يؤكد أن الحداثة سيرورة لا تتوقف. وحدة المكان والزمان هي وحدة النفس والجسد أو وحدة اللطيف والكثيف، بكلمات التوحيدي، أشبه ما تكون بالطبيعة المزدوجة للمادة: الموجية والجسيمية.

ليس الوضع البشري وحده وضعًا جسديًا، بل وضع سائر الكائنات. وهذا يعني أفرادية العالم، ويعني أن أفرادية العالم قوام وحدته. إذ من دون هذه الأفرادية لا محل للصلات والروابط والعلاقات المتبادلة، على اختلاف مضامينها، التي هي نسيج العالم. الأفرادية هي البنية الابتدائية للنزعة الجمعية والاجتماعية، والبنية الابتدائية للعلاقات الإنسانية، لأنها حاملة الاختلاف، وهو المغزى العميق للحرية، بل هو شكل تعيُّن الحرية، إذ العلاقات الإنسانية السليمة علاقات بين حرائر وأحرار، مختلفات ومختلفية، والعلاقات الاجتماعية السليمة علاقات بين مواطنات حرائر ومواطنين أحرار مختلفات ومختلفين. هنا، في واقعية الأفرادية، وواقعية الاختلاف، تتموضع قضية المرأة، وقضية الجسد، جسد المرأة وجسد الرجل وجسد المجتمع، وينكشف سر السلطة، ويرتفع السحر عن العالم.

التصور الحديث للجسد مرتبط بصعود الفردية، مفهومة فهمًا صحيحًا، بصفتها كينونة وجودية، وبنية اجتماعية، كما يرتبط بانبثاق تصور علماني للكون والطبيعة والعالم، يقطع مع الكوزمولوجيا التقليدية، ببعدَيها الأسطوري والديني، وفكر عقلاني منفتح على الإمكان الأخلاقي للأسرة والمجتمع، يمكن أن يؤسس ما يسميه كمال عبد اللطيف “روحانيات الحداثة”. التصور الحديث للجسد نتاج أوضاع اجتماعية – اقتصادية وثقافية وأخلاقية سمحت بولادته، هذه الأوضاع ممكنة في كل مكان من العالم وكل مجتمع من المجتمعات، ما دامت منجزًا إنسانيًا، إذا نظرنا إليها من منظور التاريخ، لا من منظور الهوية. الهوية، التي لا تتمحور على فكرة الإنسان ومفهوم التاريخ، عائق معرفي وأخلاقي، والتي لا تنبثق من الجسد – الفرد الإنساني الحر المستقل، ولا تعبر عن قابلية النمو والتحسن الذاتي، هي “هوية بلا ذات”. العشيرة والجماعة الإثنية والجماعة القومية والجماعة المذهبية كلها هويات بلا ذوات، كل منها، مثل أي امرأة من نسائها، رحم وثدي.