عبد الله تركماني

يعرف السوريون أنّ آل سعوا باستمرار لامتلاك الأدوات الكفيلة بتأبيد سلطتهم، لكن لم يكن يدور في خَلدهم أنه يُمكن أن يلجؤوا إلى اقتلاع  الشعب من بيوته وقراه وبلداته ومدنه وتشريده في الداخل السوري وفي جهات الدنيا الأربع، وإحلال مرتزقة من شعوب أخرى مكانه، في عملية تغيير ديموغرافي تهدّد النسيج الوطني السوري، وأنه يُمكن أن يلجؤوا لتحقيق غايتهم هذه إلى استخدام أشدّ الأسلحة فتكًا، بما فيها الحصار والتجويع، والسماح لإيران ببناء الحسينيات، واستغلال الفقر لتقديم المساعدات والخدمات ترغيبًا بالتغيير المذهبي، وسعيها للاستحواذ على مناطق واسعة في جنوب العاصمة بحجة وجود مراقدها المقدسة.

وليس من شكّ في أنّ هذا العبث في البنية المجتمعية السورية، إذا ما قُيِّض له أن يتواصل، سوف يؤول إلى حروب أهلية مفتوحة، وإلى خلخلة الكيان الوطني السوري وزعزعة استقراره وتفجيره، هذا عدا عن تداعياته الجغرافية التي سوف تطال الإقليم بأسره. ففي ، انخفض عدد السكان من 1.5 مليون نسمة قبل بدء الثورة، إلى نحو 400.000 نسمة في تشرين الأول/ أكتوبر 2016. تقريبًا نحو 65 في المئة من السكان الأصليين للمدينة هُجِّروا إلى البلدان المجاورة ونزحوا إلى محافظة .

وتدرك أنها، لترسيخ نفوذها واستدامة أطماعها في سورية، تحتاج إلى قاعدة ديموغرافية ذات ثقل اجتماعي؛ فسورية هي أضعف حلقة في سلسلة مشروعها الإمبراطوري من الناحية الديموغرافية، بينما هي الحلقة الذهبية بالمعيار الجيو-استراتيجي. فالشيعة في أكثرية سكانية، وهم في ثالث كتلة سكانية كبيرة، لكنّ الشيعة في سورية لا يتجاوزون 0.5 في المئة من السكان حتى عام 2010. لذلك تسعى لزيادة نسبة الشيعة في سورية، وتتبع طرقًا عدة من التملّك والاستيطان والتوطين والتجنيس ونشر المذهب الشيعي، يترافق ذلك مع تهجير السنّة . وكأن كلام يُعبّر عن لسان حال إيران ومصالحها، حينما يقول: “إنّ النسيج الاجتماعي اليوم هو أفضل من أي وقت مضى”، بعد أن قدّم التسهيلات الضرورية لتغوّل النفوذ الإيراني، بما فيها التسهيلات التشريعية والتغطية القانونية.

فمن أجل تسهيل تمليك الإيرانيين وميليشياتهم قام بشار الأسد باستصدار قانون يسمح فيه بمصادرة أملاك من يعتبرهم مساندين لـ “الإرهاب”، أي المعارضين الذي فرُّوا من البلاد بسبب بطش القوى الأمنية، حيث تم استملاك هذه العقارات ووزِّعت على الضباط من قيادات “حزب الله” وإيران، والذين أصبحوا يمتلكون بطاقات هوية سورية، بالإضافة إلى بطاقاتهم اللبنانية أو العراقية أو الإيرانية أو الأفغانية. وهذه العقارات ليست فقط في دمشق بل في حمص والنبك وحوران وطرطوس والعديد من البلدات والمدن السورية.

وهكذا، فإنّ دمشق تتحول من مدينة عربية إلى ضاحية من ضواحي ، بما يعنيه ذلك من تفكيك لنسيجها الأصلي، وتركيب وجه جديد ذي ملامح فارسية. فبوتائر متسارعة، تقذف دمشق كل يوم أبناءها الأصليين إلى الخارج، وقد هيأت سلطة آل الأسد كل الظروف التي تحوّلها إلى مكان طارد لأبنائه، وصنع آلية تنفيذية تعمل باقتدار على إنجاز مهمة التغيير المنشود، مدينة مخنوقة بحواجز العسكر والمخابرات والشبيحة. يتزامن ذلك مع تفريغ غلاف دمشق من سكانه ، كما حصل في جنوب المدينة وريفها الغربي، وإحلال أهالي المقاتلين القادمين من العراق ولبنان وأفغانستان وباكستان مكانهم، ومنع سكانها والفلسطينيين من العودة إليها.

يشكّل هذا الأمر أخطر ما في المشروع الإيراني، ففي حين يتم التركيز على البعد السياسي في هذا المشروع، وهو دعم إيران لسلطة آل الأسد، بوصفها حليفًا وجزءًا من مشروع سياسي إقليمي، غير أنّ الأفعال على الأرض بعيدة كل البعد عن السياسة، بل يجري توظيف السياسة نفسها لخدمة مشروع اقتلاعي إحلالي، هدفه تحويل دمشق ومساحة كبيرة من سورية إلى بقعة فارسية، تسكنها أكثرية تتبع إيران. ويأخذ هذا المشروع طابع الصبر الاستراتيجي، إذ على أساسه تسعى طهران إلى إطالة الأزمة السورية أطول زمن ممكن.

إنّ سياسة التغيير الديموغرافي في سورية تهدد النسيج الاجتماعي والهوية الوطنية في ظل صراع إرادات دولية يجذب البلاد كل بحسب أجندته، وتشريد ما يزيد على 13 مليون نسمة من بيوتهم ما بين لاجئٍ ونازحٍ، أغلبهم يعيش أوضاعًا إنسانية صعبة للغاية في مخيمات الداخل ودول الجوار.

ولكن لا تتوافر في مشاريع التغيير الديموغرافي مقوّمات الاستمرارية والاستقرار، ذلك أنّ القائمين عليها أقلية تُحيطهم امتدادات سكانية كبيرة من نسيج السكان القُدامى المُهجّرين، الأمر الذي يجعل التغييرات الديموغرافية التي نجحت سلطة آل الأسد في تحقيقها، في أكثر من مكان خاضع لسيطرتها، مجرّدَ محاولات من المستبعد أن تستقرَّ على الأمد التاريخي الطويل، وتتحوّل إلى حقيقة ديموغرافية ثابتة.