إيفا رشدوني

تنتقل العلاقات التركية الروسية من فضاء إلى آخر بسرعة البرق. بينما كان الفريقان: الروسي والتركي خصمين منذ فترة قريبة، أصبحا اليوم على مقربة من إعلان جديد على المستويات كافة، الاقتصادية والسياحية، وحتّى السياسية.

بدأ الغزل الروسي يطرق أبواب الزعيم التركي الجديد من منبر هامبورغ الألمانية، عندما أشاد فلاديمير بوتين بدور أردوغان الكبير في تهدئة الأوضاع في السوري. وذلك في تصريحاته قبيل لقائه بنظيره التركي على هامش قمة الدول العشرين التي اختُتمت أعمالها بمدينة هامبورغ الألمانية، الأسبوع الماضي.

أوضح بوتين أنّ مواقف أردوغان الحازمة خلقت فرصة لتحسين الأوضاع في الداخل السوري، وساهمت تلك المواقف في إنزال ضربة قاسية بالإرهابيين الناشطين هناك، وعجّلت من سرعة الوصول إلى حلّ سياسي للأزمة المستمرة منذ أكثر من 6 أعوام.

وفي ما يخص العلاقات الثنائية، دعا بوتين إلى بذل المزيد من الجهد، لتعزيز العلاقات بين الجانبين في المجالات كافة، مشيرًا إلى أنّ الدولتين تمكنتا من تخطي كثير من المشكلات التي كانت تعيق تطور العلاقات بينهما.

من جانبه، قال الرئيس التركي : إنّ تحّسن العلاقات بين وروسيا، انعكس بصورة إيجابية وملموسة على المنطقة، وأشار إلى أنّ علاقة البلدين تُعدّ مثالًا، على العالم أنْ يحتذي بها.

وأردف الرئيس التركي: “التعاون القائم بين تركيا وروسيا، في مجالات الاقتصاد والسياحة والصناعات الدفاعية ومجالات أخرى متنوعة، سيساهم بشكل كبير في تعزيز العلاقات القائمة بيننا، فالأهداف المستقبلية المرسومة كبيرة”.

وأعلِن، في وقت سابق من جانب مسؤولين في كِلا البلدين، عن إتمام المشاورات حول تزويد تركيا بمنظومة الدفاع الجوية إس 400.

وفي ما يخص الأزمتين السورية والعراقية، قال أردوغان: إنّ شعوب المنطقة تعوِّل علينا كثيرًا في تخليصها من هذه المأساة، “إنّني أرى أن لقائي بنظيري الروسي مهمّ من أجل تلبية طموح الشعوب”.

في السياق نفسه، أكّد سفير روسيا الجديد لدى ، أليكسي يرخوف، وجودَ تعاون وتفاهم بين البلدين في اتجاهات مختلفة، ومن بينها المسألة السورية، على الرغم من أنّ هناك خلافات في وجهات النظر حول هذه المسألة.

وقال يرخوف، في حديث لصحيفة (إيزفيستيا) الروسية: “إنّ تطابق وجهات النظر غير مُمكن في العلاقات الدولية، إذ إنّ لكلّ دولة مصالحها الوطنية التي تعكسها في سياستها الخارجية والداخلية. لذلك، فإنّ انتظار تطابق مواقفنا في كلّ شيء ليس صحيحًا”.

وأضاف: “بالنسبة إلى مسألة سورية، هناك تعاون في اتجاهات مختلفة، وهناك تفاهم بيننا، ومفاوضات أستانا خير دليل على ذلك. وإذا تمكنتُ من المساهمة في توسيع هذا التفاهم فسوف أَعدُّ مهمتي كسفير قد نفذت بنجاح”.

ويبدو أنّ التنسيق أصبح في مراحل متطورة بين البلدين، خاصة في المجال العسكري، حيث اتخذت موسكو موضع الوسيط بين أنقرة والميليشيات الكردية المرابطة في الشمال السوري. فبحسب شبكة (روداو) طلب وفد عسكري روسي من ميليشيا وحدات حماية الشعب الكردية الانسحاب من 5 مدن تقع شمالي حلب، في اجتماع جرى بين الطرفين في مدينة عفرين.

ونقلت الشبكة، عن مصدر لم يكشف عن اسمه، أنّ الوفد الروسي سلّم إلى قيادة “وحدات حماية الشعب” عدّة مطالب لوقف التهديدات التركية، بشنّ عملية عسكرية على مدينة عفرين.

وأضاف المصدر أنّ الوفد الروسي طالب الوحدات بالانسحاب من مدينة تل رفعت وبلدات منغ، دير جمال، شيخ عيسى، وحربل، وكلّ القرى العربية المحيطة بها، كما طالب بفتح طريق لريف حلب الغربي ومنه لمحافظة عن طريق جبل الأحلام قرب بلدة باسوطة.

من جانبه، أوضح الوفد الروسي أنّ تركيا ستقوم بإنشاء ثلاث قواعد عسكرية، في جبلَي الأحلام والشيخ بركات، المطلين على منطقة عفرين من الجهة الجنوبية، وفي جبل بابسقا المطل على إدلب.

ووفقًا للمصدر ذاته، فقد طالب الوفد بإخراج جميع العناصر المنضمين إلى () من منطقة عفرين، وتسليم إدارة المدينة إلى مجلس محلي من أهاليها، وتسليم أمنها إلى شرطة محلية وقوات محلية من الأهالي.

جدير بالذكر أنّ التركي أرسل، الأسبوع الماضي، تعزيزاتٍ عسكرية إلى المنطقة الواقعة على الحدود مع بلدة عفرين السورية بريف حلب الشمالي الغربي التي تسيطر عليها الميليشيات الكردية.

من جانبه، قال نعمان كورتولموش، نائب رئيس الوزراء التركي والناطق باسم الحكومة: إنّ قوات بلاده قررت محاربة تنظيم () الإرهابي والقضاء عليه، على الرغم من جميع المخاطر الموجودة في الشمال السوري.

وجاءت تصريحات كورتولموش هذه، في مؤتمر صحفي عقده في مقر السفارة التركية في العاصمة البلجيكية بروكسل التي زارها المسؤول التركي الأسبوع الماضي، بغية المشاركة في فاعلية تنظمها الجالية التركية هناك بمناسبة إحياء الذكرى السنوية لشهداء محاولة الانقلاب الفاشلة.

وأضاف أنّ بلاده تواصل مكافحة منظمة (حزب العمال الكردستاني) منذ نحو 40 عامًا، وأنّ أنقرة “مصرَة على مواصلة هذا الكفاح إلى حين إنهاء تهديد تلك المنظمة وإبعاد عناصرها الإرهابية عن الأراضي التركية”.

إلى ذلك، بحسب منسّق أعمال هيئة الإغاثة التركية (IHH) في سورية أورهان يامالاك، فإنّ “الهيئة أرسلت منذ بداية الأزمة السورية وحتى هذه الأيام نحو 13 ألفًا و512 شاحنة مساعدات للسوريين”.

وذكر يامالاك في بيان أنّ الهيئة قدّمت في النصف الأول من العام الجاري نحو ألفين و246 شاحنة مساعدات لمدن دمشق، وحلب، وحماة، وحمص، وإدلب، وغيرها من المحافظات السورية، وقد اشتملت على طحين، خبز، مستلزمات طبية، ومواد المختلفة.

وفي سياق متصل، تعمل الحكومة التركية لتزويد معبر باب الهوى الحدودي بشبكة إلكترونية تسهّل إجراءات العبور.

ويستمر السوريين في تسجيل نجاحات على صعيد الدراسة، فبعد حسين نجار الذي أحرز المرتبة الأولى بتخرجه في كلية الآداب في جامعة “7 كانون أول” في كيلس، يُحقق اليوم الطالب محمد عمّار الشعّار المركز الأول في ، متقدّمًا على زملائه من السوريين والأتراك في قسم الهندسة الكهربائية والإلكترونية للعام الدراسي 2016- 2017.

وكرم الشعّار ضمن حفل التخرّج السنوي المخصص لتكريم الأوائل في الجامعة الذي أقيم مؤخرًا في مقرّ الجامعة وسط مدينة إسطنبول، حيث حاز أيضًا المركز الثاني في كلية الهندسة بجميع فروعها.

وتُعدّ جامعة إسطنبول من أقدم الجامعات التركية على الإطلاق، ومن أهم جامعاتها، كما أنها ذات ترتيب عالمي متقدم، وقد تخرّج فيها مفكّرون وأدباء وعلماء وسياسيون كبار في تركيا.

وخلال حفل التكريم، ألقى الطالب كلمة باللغة التركية شكر فيها الشعب التركي على ما قدّمه له وللسوريين، كما وجّه الشكر أيضًا للكادر التدريسي والإداري في الجامعة، لدعمهم العلمي والمعنوي وتعاونهم معه منذ اليوم الذي باشر فيه دراسته بينهم.

يسعى الشعّار اليوم لإكمال مشواره العلمي، ويأمل في الحصول على درجة الدكتوراه التي تخوّله التدريس في الجامعة نفسها.

ويُشار إلى أن عدد الطلاب السوريين المسجّلين في الجامعات التركية الحكومية يبلغ نحو 13 ألف طالب، إضافة إلى نحو 2000 طالب في الجامعات الخاصة. ومن بين جميع الطلاب هناك 150 يحضرون الماجستير، و352 للدكتوراه.