فيلستي روتش

أنا إنسانة في عالم مجنون. وأكثر من ذلك، لا أعرفه. أنا ضائعة، ولا أعرف أين أجد الطريق الصحيح. أين الخطأ من الصواب؟ بدأت أشك في كل شيء. قبل سفري إلى ، كان لدي أفكار عن الحياة، الشر والخير، والرغبة في تغيير العالم وجعله مكانًا أحسن. كنت أريد أن أكون بطلة، وأساعد كل الناس، وأعطي طاقة إيجابية، وأحل مشكلات المستضعفين. كم كنت صغيرة في أفكاري، في عقلي؟ الآن، أنا ضائعة، ولكني أعرف أني ضائعة، على الأقل، هذا هو الفرق. من قبل، كنت ضائعة ولكني لم أعرف ذلك. الشرق والغرب، طبيعة الإنسان، مصالح وسياسة، ومصالح؛ تعلمت أن العالم كما عرفته موجود في خيالي فقط، والواقع لا يشبهه بأي شكل من الأشكال.

مقارنةً بأغلبية الناس في العالم، حياتي سهلة، والسبب هو لون بشرتي. أستطيع أن أسافر إلى أي بلد في أي قارة بسهولة (إلاّ ربما). نادرًا ما أحتاج طلب إقامة من السفارة، وكل ما عليّ أن أفعل، هو حجز التذاكر. بشكل عام، لا يتعرض المسافرون البيض إلى عنصرية في أي مكان، بل الاحترام والفضول، تجربتي في الأردن كانت هكذا. لا شك في أن السياسة البريطانية ساهمت بشكل كبير في نشوء المشكلات في الشرق الأوسط، من عصر الاستعمار ووعد بلفور واتفاقية (سايكس-بيكو)، إلى اليوم مع غزو العراق والتدخل العسكري في المنطقة عمومًا. قد أدى تدخلنا في فلسطين ودعمنا لـ “إسرائيل” إلى انتهاكات حقوق الإنسان، وما زال هذا الدعم من الحكومة البريطانية موجودًا. غير معقول! أحيانًا، أريد أن أذهب إلى البريطاني، أقاطع اجتماع الوزراء، وأصرخ: اسمعوا، انظروا، هذا هو الواقع الرهيب! أستطيع أن أدخل فلسطين بسبب جنسيتي البريطانية دون مشاكل، ولكن هذه ليست حالة أصدقائي من أصل فلسطيني. من أصل فلسطيني! أريد أن أعتذر، لكنْ ليس لديّ الكلمات المناسبة… وعلى الرغم من كل هذا يتعامل الأردنيون معي بمروءة ولطف، إلى درجة لا أصدقها.

يسافر الغربيون حول العالم، ويأخذون صورًا جميلة. ويرجعون إلى بلدهم، حيث عائلتهم وأصدقائهم يقولون: “برافو عليك! والله أنت شجاع وذكي”. ولا يدركون إلى أي درجة قوة الغرب تجعل السفر أمرًا سهلًا للغربيين، والحياة بشكل عام. في الماضي، كنت أظن أني إنسانة مميزة لأني سافرت وجربت تجارب مختلفة ورأيت أماكن رائعة حول العالم. ولكني لم أعرف كيف يكون السفر صعبًا لأغلبية الناس بسبب جنسيتهم فقط؟! لماذا أنا فزت في الحياة من البداية، بفضل المكان الذي ولدت فيه، والآخرون خسروا، وكل ما أمامهم هو الحدود! عندي صديق عراقي هنا، جاء إلى الأردن بصفة لاجئ، عندما كان عمره خمس سنوات. في كل مرة يخرج من البيت، عليه أن يحمل جوازه السفر العراقي. مع أنه لاجئ، رسوم دراسته الجامعية أغلى من الرسوم للأردنيين، وسعر رخصة السيارة أغلى أيضًا. يريد أن يسافر، مثل أصدقائه الأجانب في الأردن الذين يستكشفون العالم، ولذلك هو يبحث عن منحٍ للدراسة في حاليًا. لقد قررت أن أقوم ببحث عن الاحتمال للحصول على منحٍ في بريطانيا، البلد الذي ساهم في تدمير العراق. والفرص محدودة جدًا. هناك فرص للطلاب العراقيين في العراق، والطلاب الأردنيين في الأردن. وماذا عن عراقي ساكن في الأردن؟ أتوقع أنه ليس لاجئًا بالنسبة للمنظمات الدولية، لأن الحكومات في الشرق الأوسط لا تتعامل مع بشكل رسمي. الطريق مسدود، لا يوجد عدالة في العالم.

عندما كنت طفلة، كنت أصدق أن حكومتي قامت بعمل جيد في العالم، بقدر الإمكان، وروجت لأفكار الديمقراطية والعدالة. الآن، أفهم لأي درجة كنتُ مخطئة. وراء الكواليس، الحكومات الغربية ليست مختلفة كثيرًا عن الأنظمة الدكتاتورية في الشرق، ولكن الفرق هو أن الأنظمة الدكتاتورية تتبع مصالحها على حساب شعبها، والحكومات الغربية تتبع مصالحها على حساب شعوب أخرى. إنها لعبة المصالح فقط! وهناك أمثلة كثيرة على ذلك. لننظر إلى الربيع العربي في البحرين وموقف الغرب. دعم الغرب الثورات في وتونس وسورية واليمن بشكل واضح، حيث تحدث الإعلام عن حقوق الإنسان وحرية التعبير والديمقراطية التي تعتبر مبادئ للمجتمع الغربي. ولكن كان هناك عدم تغطية عن الثورة البحرينية من الإعلام الغربي، إلى درجة أن كثيرًا من الغربيين لا يعرفون أن البحرين شاركت في الربيع العربي. مثلما حدث في بلدان أخرى في الشرق الأوسط، خرج البحرينيون إلى الشوارع في 2011، طلبًا للإصلاحات السياسية والديمقراطية واحترام حقوق الإنسان من الملك وعائلته التي تسيطر على السياسة البحرينية بشكل مطلق. تعرض المتظاهرون السلميون إلى ردة فعل قاسية جدًا من الحكومة، إذ استخدمت رصاصات مطاطية وغازات مسيلة للدموع وأحيانًا الذخيرة الحية، حتى الأطباء الذين كانوا يساعدون الجرحى استهدفوا من قبل القوات العسكرية؛ كنتيجة، كان هناك آلاف حالات الاعتقال ومئات المصابين وبعض حالات الموت. إنه أمر محزن للغاية. ولماذا الإعلام الغربي لم يذكر هذه الأحداث في صحفه؟ أولًا، يقع مقر الأسطول الخامس للولايات المتحدة في البحرين، فلا شك في أن عدم وجود استقرار في البلد ضد المصالح . ثانيًا، تدخلت السعودية إلى جانب الملك، والغرب يريد أن يحافظ على علاقات جيدة مع السعودية بسبب النفط ومصالحه الاقتصادية. وثالثًا، يبيع الغرب أسلحة كثيرة للبحرين، وبالتأكيد لا يريد الغرب أن يفقد سوقًا لأسلحته. بالتالي، لم يحاول الغرب أن يوقف الاحتجاجات في البحرين، ولكنه ظل صامتًا، مقابل انتهاكات حقوق الإنسان والجرائم ضد الإنسانية. كل هذا يشير إلى أن مصالح الغرب أهم بكثير من حقوق الإنسان والديمقراطية، بالنسبة إلى الحكومات الغربية؛ الأمر الذي يجعل كلامها عن الحرية والعدالة كلامًا فارغًا.

كل ما أريده في العالم، هو السلام بين جميع الشعوب المختلفة. ولكن، أدركت أن هناك أشخاصًا وشركات تستفيد من الحروب والأزمات والصراعات، شركات الأسلحة على سبيل المثال. وأنا متأكدة أن هناك عناصر تحاول تأخير نهاية الصراعات، على حساب المدنيين. مرة أخرى، الحياة لعبة مصالح، حيث أنانية الإنسان تسيطر على كل شيء. ينبغي لي أن أتقبّل الحقيقة: أغلبية الناس لا يريدون أن يساعدوا غيرهم، وعندما يحصلون على منصب القوة، يبذلون كل جهودهم في سبيل المحافظة على هذا المنصب. لو كانت الإرادة موجودة، لانتهت الأزمة السورية كم أعتقد. ولكن الحرب مصلحة استراتيجية لأكثر من جهة. والشعب السوري؟ بيادق في لعبة الشطرنج، بكل بساطة.

قبل هذه السنة، كنت أقرأ بعض مصادر الإعلام، وأصدق كل شيء أقرؤه، تقريبًا. وطبعًا هذه المصادر كانت مصادر غربية. هذه السنة، كان عليّ أن أقرأ مقالات عن الشرق بالعربية، وأناقش مسائل من وجهة نظر الشرق. في هذه الطريقة، اكتشفت إلى أي درجة يُستخدم الإعلام كنوع من الدعاية، حيث هو أداة تروج لمصالح شخص أو منظمة أو بلد ما، الربيع العربي في البحرين على سبيل المثال. هناك صراع بين الشرق والغرب، ولكنه ليس بين الناس العاديين. هذا الصراع يقتصر على السياسة والإعلام، والهدف واحد: نشر الخوف من الآخر. في الغرب، نقرأ الكلمتين “إرهاب” و”عرب”، ونخاف من الشرق. يزيد الخوف من مبيعات الصحف، ويسمح للحكومات أن تستخدم واللاجئين كأكباش فداء لمشكلاتها. وبالتالي، هذا يعطيها التبرير لتتدخل في مناطق حيث مصالحها مهددة، خصوصًا المتعلقة بالنفط. بالطبع، لم تتدخل وبريطانيا في العراق من أجل تحسين الوضع للعراقيين -رغم ذريعتهما في الإعلام– لعب النفط دورًا مهمًا في قرارهما. مع عولمة العالم، الإعلام جزء من حياتنا لا نستطيع أن نتخلى عنه. ولكن لا شك في أن هناك مشكلات متعددة ومتنوعة متعلقة بالإعلام، مثل الانحياز والمراقبة والفساد. علينا أن نستمر في قراءة الأخبار، ولكن مع نظرة نقدية، لكي نستطيع أن نميز الحقيقة من عدمها. لا تصدقْ كل شيء ولا تشكّ في كل شيء.

لم أفكر في العمل في مجال السياسة أبدًا، بل في عمل إنساني نظرًا لرغبتي في مساعدة الناس. فكنت أريد أن أعمل في منظمة خيرية، ربما في الشرق الأوسط. ولكن، بعد فترة في عمان بدأت أشك في هذه الخطة. عمان لديها عدد هائل من المنظمات الخيرية وكثير من الأجانب يعملون فيها. لاحظت أن هؤلاء الأجانب يشكلون مجموعة خاصة في المجتمع، حيث يسكن جميعهم في مناطق راقية وغالية في المدينة ويحصلون على رواتب أعلى من الأردنيين بكثير. نسبة البطالة مرتفعة جدًا في الأردن، فلماذا هناك عدد كبير من الأجانب الغربيين يقومون بعمل في الأردن، في حين أن الأردنيين أنفسهم يستطيعون أن يقوموا بالعمل نفسه في أغلب الحالات، مع كلفة أقل لاقتصاد البلد؟ هكذا، قد يستفيد المجتمع أكثر من المنظمات الخيرية. بشكل عام، أعتقد أن الأجانب في هذه المنظمات يصلون إلى المنطقة مع دوافع جيدة وإرادة في تحسين الوضع للمستضعفين، والمشكلة هي عدم الوعي حول مكانتهم في المجتمع، وحول عدم وجود فوائد حقيقية للمجتمع. بالإضافة إلى ذلك، بالنسبة لي تشبه المنظمات الخيرية الكبيرة شركات، وفي بعض الحالات أظن أنها فقدت جوهرها الإنساني. تعمل هذه المنظمات عبر الحدود مع عدد كبير من الموظفين، والتركيز على الإدارة وليس على الأشخاص المساكين. سمعت قصة حزينة جدًا عن لاجئة سورية في الأردن، تسكن مع أطفالها الثلاثة. في البداية، كانت تحصل على 90 دينارًا كل شهر من الأمم المتحدة لتشتري قوت عائلتها. ولكن الآن، تحصل على 45 دينار فقط كل شهر، لأن الأمم المتحدة تقول ليس هناك تمويل كاف لتوزيعه لكل اللاجئين. آخذين بالحسبان كلفة الحياة المرتفعة جدًا في الأردن، 45 دينار لا تكفي مدة أسبوعين، فكيف تكفي مدة شهر كامل؟ مستحيل. وقد تكون الأمم المتحدة تعاني من نقص التمويل، ولكن لماذا ما يزال عندها عدد هائل من الموظفين الأجانب يحصلون على رواتب جيدة ويعيشون حياة مريحة جدًا؟ شهدتُّ هذه التناقضات الموجودة في المنظمات الخيرية، خلال فترتي القصيرة كمتطوعة مع إحدى المنظمات الإنسانية الموجودة في الأردن أيضًا. أولا، يبدو أن كل الموظفين في مكتب تلك المنظمة أقارب من عائلة واحدة، وبالتأكيد استخدام الواسطة في مؤسسات إنسانية ليس مفيدًا أبدًا. ثانيًا، ذهبت إلى مؤتمر حول العمل النسائي مع المنظمة السابقة نفسها، والفارق كان واضحًا بين الفندق الفاخر حيث عقد المؤتمر، وموضوع النقاش الذي كان عن التحديات لتنفيذ المساعدة الإنسانية في الأردن، وبينها نقص التمويل. لا بد للمنظمة الإنسانية من أن تعقد المؤتمر في مكان كبير، ولكن يمكن أن تختار مكانًا أرخص وأكثر تناسبًا مع طبيعة العمل الإنساني. يبدو لي أن هذه المنظمات الإنسانية الكبيرة يُسيطر عليها من قبل أشخاص أغنياء، يحصلون على رواتب مرتفعة، وفي الوقت نفسه يشعرون بأنهم يقومون بعمل عظيم، بينما هم ليسوا مختلفين كثيرًا عن مدراء الشركات العادية.

فماذا سأفعل في حياتي؟ سؤال بدون إجابة مؤكدة. بعد تجربتي في الأردن، لا أريد أن أعمل في منظمة إنسانية خارج أوروبا، لكيلا أساهم في الظلم الجاري في العالم، وفي مشكلاته عمومًا. لذلك، أعتقد أني سأظل في أوروبا الشمالية، وربما أقوم بعمل في استقبال اللاجئين هناك. بالإضافة إلى ذلك، أريد أن أُعلّم الناسَ -الذين لا يقرؤون ولا يسافرون- الوضع الحقيقي في العالم كما أفهمه، عن “الآخر” من الشرق الأوسط، لنقترب من التعايش والسلام.