أحمد مظهر سعدو

تعيش ، هذه الأيام، الذكرى الأولى لمحاولة الانقلاب الفاشل الذي فوجئ به المجتمع ، والعالم كله. كانت ليلةُ الخامس عشر من تموز/ يوليو 2016 ليلةً استثنائية؛ إذ لم يستطع أن ينام فيها الأتراك، ولا السوريون المتواجدون على الأراضي التركية، وعددهم، حسب إحصاءات رسمية، ثلاثة ملايين، في تلك الليلة نزل الشعب بتلاوينه السياسية المتعددة إلى الشوارع؛ ليمنع عسكر الانقلاب من زعزعة استقرار الدولة التركية.
تمكّنت الجماهير التي وعت معنى الديمقراطية، وأدركت أهمية الحفاظ على دولة المؤسسات وسيادة القانون، وخافت من عودة حكم الانقلابات سيئ الصيت، من إفشال الانقلاب، وقررت الاستمرار في بناء مستقبل تركيا المتجددة.
كان للسوريون رأي في ما جرى، وهم يُحاولون قراءة مستقبل الوضع التركي، وكيف يمكن أن ينعكس على أوضاعهم، ليس في تركيا فحسب، بل في الداخل السوري.
توقفت (جيرون) مع بعض السياسيين والمثقفين السوريين، لتتعرف إلى آرائهم ورؤاهم، بعد عام من محاولة الانقلاب، ومنهم الكاتب الصحفي علي سفر الذي قال: “من الواضح والجلي أن المعركة السياسية في تركيا حُسمت مؤقتًا مع نتائج الاستفتاء على التعديلات الدستورية، وليس مع فشل المحاولة الانقلابية، هنا علينا أن ندقق في وجود مسارَين: الأول عنفي قسري، تمت هزيمته على يد الجماهير التي رفضت عودة العسكر إلى حكم البلاد بسبب إرثهم الدموي، وأكدت أن القصة لا تتعلق بحزب وبأردوغان، وطبعًا الجميع يعرف أن الجماهير التي نزلت إلى الشارع كانت واحدة ولم يفرقها الانتماء السياسي. أما المسار الثاني وهو المسار السياسي، فقد توضح، من خلال نتائج الاستفتاء، أن نسبة الموافقين تتعادل تقريبًا مع الرافضين، مع أرجحية بسيطة مكنت حزب من تمرير التعديلات. وهذا يؤشر إلى أن الصراع السياسي سيبقى مستمرًا، ولكن بأدوات سلمية مدنية، وهذا ما يجب أن يحصل في جنوب البلاد أيضًا”.
وقال الفنان ورسام الكاريكاتير خالد قطاع لـ (جيرون): “أظهرت محاولة الانقلاب حجم حالة العداء والصراع الذي تتعرض له تركيا محليًا ودوليًا، ومن جهة أخرى أظهرت ارتباطَ الناس بوطنهم ووعيهم بخطورة الانقلابات، وما جرَّته من ويلات، حسب تجارب انقلابية سابقة. المحاولة الانقلابية كانت بمنزلة لقاح مناعة ضد الانقلابات، أخذه الجسم الوطني التركي، لكن هذا لا يمنع القوى المعادية من أن تبحث عن وسائل أخرى لتحقيق أهدافها من تقويض هذه النهضة وإعادة تركيا إلى حالة التطويع والتبعية والتخلف، مثل أغلبية دول العالم الثالث والدول العربية خصوصًا، حيث تم فيها إفشال الثورات بالثورة المضادة؛ لذلك ستسعى تركيا لتدعيم قوتها وعلاقاتها الدولية والتعامل بدقة وانتباه أكثر مع الدول التي تدعي أنها صديقة”.
وأكد قطاع على دور الرئيس التركي شخصيًا بقوله “أعتقد أن الرئيس أردوغان هو جزء من مؤسسة وفريق حاكم سيتمثلون هذه السياسة بانتباه وحذر، لأن المرحلة القادمة، في ظل الحدث الإقليمي في والعراق، ستكون أكثر صعوبة في الحفاظ على السير في خطتهم النهضوية وحمايتها، على الرغم من المعوقات الداخلية والخارجية”.
وقالت إلهام حقي، رئيسة منظمة (نساء سوريات) لـ (جيرون): “بعد زلزال الانقلاب، اضطر الرئيس أردوغان إلى أن يكون أكثر قوة وحذرًا. في البداية، كان تركيزه على الداخل، لأنه بات هشًا، وعلى الرغم من الكاريزما التي يتمتع بها، إلا أن هناك قوى فاعلة تعمل ضده في الداخل التركي والخارج، ويعدّ الانقلاب بداية لحرب جديدة، لأن سياسته الخارجية أصبحت معقدة مع والولايات المتحدة، ولم يعد مرغوبًا به هناك”.
وأشارت إلى أنه “سيعمل جاهدًا على منع قيام كيان كردي على حدود تركيا مع سورية”، وأضافت: “الستار لم يسدل بعد، لا في الداخل ولا مع الخارج، وبالتالي هي سياسة، وسيكون هناك متغيرات مستمرة، وبخاصة أن كل العيون الآن متسمرة نحو تركيا، ونتمنى لها الأمن والأمان، ولشعبها وحكومتها الاستقرار”.
وأعرب عبد الرحمن ددم، مدير عام مؤسسة السنكري، عن تفاؤله بما جرى ويجري الآن في تركيا، وقال لـ (جيرون): “إن إرادة الشعوب تنتصر، وإن تركيا، بشعبها وجيشها وقضائها وقيادتها، مشروعُ طموح لبناء دولة رائدة في والعالم. أرادت تركيا واحترمت أن يكون شعبها هو الجهة الوحيدة المخولة في صناعة مشروعها وفي صناعة قرارها؛ فنزل الشعب التركي (مؤيدًا ومعارضًا) إلى الشارع لرفض الانقلاب، والوقوف ضد مجموعات تظن نفسها قادرة على سلب القرار من الشعب. لقد كانت محاولة الانقلاب (هدية من الله) لكشف مواطن الخلل في بعض المؤسسات العسكرية والمدنية، وكانت كذلك اختبارًا حقيقيًا للغيورين على تركيا والمؤمنين بأن الوطن قبل كل شيء”.
واعتبر أن المعركة ما تزال مستمرة، وقال: “المعركة لم تنته، مما يستوجب على أحرار تركيا اتخاذ كافة الإجراءات لحماية الوطن التركي في كافة المواقع والمؤسسات. ونجاح المشروع المدني الوطني كفيل بإحباط المخططات ومحاولات الانقلاب، ويستوجب الإسراع بمشروع الإصلاح والتنمية الشاملة التي تغطي المناطق الأكثر فقرًا في تركيا، مع التأكيد على الاستثمار في الموارد البشرية واعتماد الزمن مؤشرًا حاسمًا في الإصلاح والتنمية”.