كثيراً ما تتردد كلمة “فوضى” لتبرير الأعمال غير القانونية التي تحصل في المناطق المحررة، لكن التفاصيل التي يغيّبها هكذا عنوان تخفي طبيعة ما يجري والأطراف التي تتحمل المسؤولية عنه، فمع تحرير للمعابر الحدودية في العام 2012 استثمر المهربون وتجار السيارات الفراغ الأمني وغياب أي سلطة محلية لإدخال آلاف السيارات غير المسجلة، والقادمة من دول من أوربا عبر تركيا، أو عبر بيع سيارات مسروقة لا تحمل أوراقاً رسمية، ما أدى لانتشار السرقات وحالات الخطف، وعدم ملاحقة الحوادث المرورية، وبالتالي ضياع حقوق الناس.

قبل أيام قليلة لقيَ قائد فوج المدفعية في “الفرقة الأولى الساحلية” محمد علي سليمان، حتفه في قرية بداما بريف الغربي، خلال عملية سطو قام بها مجهولون ليلاً، ما أدى إلى مقتله وسرقة اللصوص للسيارة، وهذه الحادثة كغيرها من عمليات السطو التي باتت تنتشر بكثرة في المناطق المحررة، والتي يشجع على تكرارها عدم متابعة ملف السيارات المسروقة، وغياب دوائر المواصلات، والجهات الرسمية التي توثق نقل الملكيات.

غياب الآلية

 يضاف إلى حالة العشوائية هذه التي ترسم ملامح سوق السيارت انتشار لافتات السيارات المسروقة، التي تعرض علنياً في سوق سرمدا الحدودي، حيث يكفي لأي راغب بالحصول على لوحة وأوراق مزورة للسيارة التوقف عند أحد البائعين للحصول عليها، مقابل مبلغ زهيد لا يتجاوز 3000 ليرة سورية، وهي بالطبع مخالفة لرقم الهيكل الأصلي.

ويعتبر الإقبال على هذه السيارات المخالفة كبيراً نظراً لانخفاض قيمتها مقارنة بمثيلاتها الرسمية، وتتراوح أسعارها بين 2000 دولار للسيارات العادية، إلى 4000 أو 5000 دولار للسيارة من نوع مرسيدس.

وفي هذا السياق يؤكد عبد الرحمن أيوب، وهو صاحب متجر سيارات في مدينة سرمدا أنّ “الإقبال على شراء السيارات حالياً كبير، نظراً لانخفاض سعرها”، حيث يبيع يومياً في مكتبه ما لايقل عن 3 إلى 4 سيارات وفق قوله، رغم وجود عشرات المكاتب الأخرى في المنطقة.

وحول آلية إثبات الملكية وكيفية التأكد من أن هذه السيارة نظامية أجاب أيوب أنه لا يوجد طريقة لإثبات صدق البائع لكنه يتوخى الحذر من تلك المسروقة، ولا يشتري إلا من تجار موثوقين، وبعد أخذ ضمانات وفق قوله، مؤكداً في الوقت ذاته أنه “لا شيء يمكن عمله إن كانت السيارة المسروقة تباع في مكاتب أخرى ويقوم صاحبها بتزوير الأوراق بمبلغ قليل لإتمام العملية”.

ويوضح التاجر لـ “صدى الشام” أنّ السيارات التي لا تحمل أوراقاً ثبوتية منتشرة بكثرة ويعود ذلك ليس فقط لدخول آلاف السيارات عبر الحدود بل إلى اغتنام الفصائل العسكرية للكثير منها أثناء العمليات العسكرية ضد قوات ما أوجد حالة من الفوضى في السوق حيث يعتبر البعض أنّ هذه السيارات مشروعة”.

مخالفات كبيرة

خلال جولة قصيرة في شوارع مدينة إدلب يلاحظ المراقب لحركة المرور أن أعداد السيارات المثبت عليها لوحات هي أقل بكثير من تلك التي دون لوحات.

يقول الشرطي عبد الله السعيد، العامل في مدينة إدلب إن هذه الفوضى تعتبر من أكبر المشكلات التي تواجههم في عملية ضبط الحوادث المرورية، وحالات السرقة، والتعرف على السيارات التي تستخدم في عمليات إرهابية أو غيرها، بحيث “نكتفي بالبحث عن شهادات المدنيين لنوع السيارة ولونها وحسب”.

يضاف إلى ذلك بحسب السعيد، العديد من حالات التنازع على ملكية السيارات التي تأتي إلى المخافر “حيث يجد البعض سياراتهم في مناطق أخرى ويلجؤون إلينا لاستعادتها لكنّ المشكلة أنّ السيارة نفسها تكون قد بيعت عدة مرات بعد سرقتها”.

وتمنى السعيد في تصريحه لـ “صدى الشام” إيجاد دوائر مختصة في المناطق المحررة لمتابعة أمور المركبات، ووضع قوانين تساهم في ضبط عمل الأجهزة الأمنية.

 ما الحلّ؟

في سعيها للبحث عن حلول لهذه الظاهرة بعد مضي سنوات من التحرير اقترح النقيب في شرطة إدلب الحرة عبد الرحمن بيوش، إنشاء مديرية نقل عامة في مدينة إدلب يكون لها فروع ومكاتب في كافة المدن والمناطق المحررة، وتعمل بالتنسيق مع معبري باب الهوى وباب السلامة، بحيث يمنع إدخال أية سيارة إلى هذه المناطق ما لم تملك أوراق ثبوتية مصدقة من هذه المديرية.

ورأى بيوش أنّ إعادة تنمير كافة السيارات غير الرسمية وإلزامها بحمل أوراق إثبات ملكية صادرة عن هذه المديرية يشكل أولوية، داعياً في الوقت ذاته إلى “تنظيم رخص قيادة السيارات بحيث تعطى مدارس مرخصة لهذا الشأن حق منحها، وتصديق من يمتلك شهادات رسمية بعد إجراء الاختبارات اللازمة، ويراعى من خلالها مبدأ العمر والسن القانوني كشرط أساسي لمنحها وملاحقة جميع المخالفين دون استثناء”.

وأقرّ بيوش في الوقت ذاته بصعوبة ضبط الحوادث المرورية التي ارتفعت وتيرتها مؤخراً بسبب “صعوبة ضبط الفئات العمرية التي ينتمي بعضها لفصائل عسكرية”.

وحول الآليات التي تتبعها “شرطة إدلب الحرة” لمكافحة سرقة السيارات أوضح بيوش أنّ هذا الموضوع ينال حالياً الجزء الأبرز من اهتمام الشرطة بسبب انتشاره الواسع، مضيفاً “صدى الشام” أنّ “الفترة الأخيرة شهدت نجاح عناصر الشرطة باسترجاع بعضها من خلال الدوريات المكثفة، والبحث الجنائي، وتعاون المدنيين بعد تعميم مواصفاتهاعلى وسائل التواصل الاجتماعي”.

ولفت بيوش إلى عدد من النماذج الناجحة التي طبقت محلياً في بعض المناطق المحررة مثل سراقب التي أُلزم فيها المواطنون بحمل أوراق ثبوتية لسيارتهم، وطبقت مخالفات مرورية بحق المخالفين، ودعا إلى تعميم هذه التجارب ودعم المنظمات والهئيات الفاعلة والقوى العسكرية لدفع هذه الجهود إلى الأمام كونها توفر الأمن للجميع.

وكان عبد القادر هرموش مدير دائرة المواصلات في محافظة إدلب صرّح في وقت سابق أنّ دائرته عادت للعمل تحت إشراف “إدارة إدلب”، حيث ما تزال المديرية تحتفظ بلوحات السيارات وكذلك بالأضابير المسجلة، والتي يبلغ عددها 106000 سيارة، مشيراً في الوقت ذاته إلى أن الدائرة تقوم بتسجيل السيارات الأوربية، وفتح أضابير لها في حال امتلك صاحبها أوراق ثبوتية حقيقية، وهي عبارة عن أوراق دخولها من المعبر بشكل نظامي مع الإيصالات المدفوعة في المعبر، وشدد هرموش على أن الدائرة لا تتعامل بشكل من الأشكال مع مالكي المركبات التي  توصف بـ “لفة الرسن” (سيارات مجهولة المالك والمصدر) حيث لا يوجد أبداً ما يثبت شرعية امتلاكها، وبالنسبة للسيارات التي تدخل المحافظة من مناطق النظام فيتم عمل إضبارة جديدة لها بعد التأكد من صحة أوراقها.