أثر التحوّلات الطارئة في بنية الدولي على التوجهات الكبرى للسياسة الخارجية التركية  الصراع من أجل الإرادة الحرّة والمستقلة في بيئة دولية وإقليمية حتمية

 

سيُصدر قريباً مركز إدراك للأبحاث والاستشارات كتابه الأول تحت عنوان: “أثر التحوّلات الطارئة في بنية النظام الدولي على التوجهات الكبرى للسياسة الخارجية التركية -الصراع من أجل الإرادة الحرّة والمستقلة في بيئة دولية وإقليمية حتمية”، من إعداد وتأليف الأستاذ جلال خَشِّيبْ[1] الباحث الجزائري بمركز إدراك للأبحاث والاستشارات، وبمعهد دراسات والعالم الإسلامي بجامعة مرمرة التركية.

يُعالج الباحث في هذا الكتاب التطورات التي شهدتها السياسة الخارجية التركية منذ نشأة الدولة التركية سنة 1923، مُحاججاً بأنّ العامل الأساسي المتحكّم في تشكيل السياسة الخارجية التركية وتوجيهها منذ نشأة الدولة هو عامل بنية النظام الدولي، وما طرأ عليه من تحوّلاتٍ وتفاعلات (توزيعٍ للقوة) بين قواه الكبرى الأساسية، وذلك من خلال تركيز الانتباه على التفاعلات القائمة بين السياسة الخارجية التركية والتحوّلات الطارئة في بنية النظام الدولي، لاستنتاج حدود تأثير عامل بنية النظام الدولي في تشكيل نمط السياسة الخارجية التركية وتوجّهها.

يطرح الكتاب أيضاً مجموعة من التساؤلات الفرعية، من قبيل:

– أيّ نمط من أنماط الأنظمة الدولية يمنح السياسة الخارجية التركية حريةَ مناورةٍ أكبر واستقلاليةٍ أكثر في قراراتها الكبرى تجاه بيئتها الإقليمية والدولية؟

– كيف يؤثر التنافس الدولي وتوزان القوى في بنية النظام الدولي على توجهات السياسة الخارجية التركية ومساراتها الكبرى؟

– ما حدود دور العوامل الداخلية، كالتنافس السياسي بين التيارات الحزبية ذات المنظورات السياسية المتباينة، في تحديد مسار السياسة الخارجية التركية؟

–  ما حدود دور السمات الشخصية للنخب السياسية التركية وصانع القرار في توجيه مسار السياسة الخارجية التركية؟

– ما العوامل المعيقة للدولة التركية في إرساء ٍ خارجية حرة، متحرّرة من حتميّات النظامين الدولي والإقليمي؟ وهل بإمكان أن تتحرّر منها؟

كما ينطلق صاحب الكتاب من فرضية أساسية مفادها أنّ طبيعة النظام الدولي وتوزيع القوة داخله، وتنافس القوى الكبرى لأجل تحصيل القوة والمكانة والهيمنة، هي العوامل المحدِّدة والموجِّهة، بشكلٍ حتميٍّ، لمسار السياسة الخارجية التركية منذ نشوء الدولة إلى الآن، وأنّ التحرّر من هذه الحتمية لا يكون إلَّا عبر تحصيل تركيا لمكانة فاعلةٍ بين القوى الدولية، أو الإقليمية المؤثرة بشكلٍ حاسم على الأقل، في بنية النظام الدولي.

الكتاب من الحجم المتوسط (174 صفحة) ويتضمن مقدمة وخمسة محاور، ثمّ خلاصة واستنتاجات. ويتميّز باعتماده في أغلب مراجعه على ما كتبه الباحثون الأتراك فقط، والمنتمون إلى جامعات تركية وأجنبية عريقة ذات توجهاتٍ فكرية مختلفة، محاولاً التحلّي بالعِلمية والابتعاد عن أيّ وجهة نظر إيديولوجية-سياسية تُمثّل طرفاً معيناً بخصوص هذا الموضوع.

محاور الكتاب: تركيا الفتيّة في نظام ما بين الحربين:

يُعالج المحور الأوّل الملامح الأولى للسياسة الخارجية التركية بعد انتهاء العهد العثماني ونشوء تركيا الحديثة سنة 1923، كدولةٍ قومية فتيّة بقيادة “مصطفى كمال أتاتورك”. فيُحدّد ابتداءً العوامل التي ساهمت في صياغة السياسة الخارجية التركية وإرساء مبادئها في فترة ما بين الحربين، والتي يستمر أثرها إلى الآن. ليُناقش بعدها الفترة الصعبة التي عاشتها تركيا بعد وفاة قائدها المؤسس “مصطفى كمال أتاتورك”، وظروف الحرب العالمية الثانية التي جسّدت بالفعل الكيفية التي يساهم فيها النظام الدولي وتوزيع القوة داخله في تشكيل نمط السياسة الخارجية لتركيا منذ ذلك الوقت.

يتضمّن هذا المحور عنصرين بعنوان:

نشوء الدولة والتوجّه نحو الغرب: مشروع مصطفى كمال أتاتورك. نُعمان مينيمنجي : تركيا المحايد الفاعل في بيئةٍ دوليةٍ غامضة المعالم. أثر التنافس الكوني بين الكتلتين الغربية والشرقية على مسار السياسة الخارجية التركية:

يتتبّع هذا المحور التغيّرات التي عرفتها السياسة الخارجية التركية أثناء مراحل الحرب الباردة بين المعسكرين الشرقي والغربي، بقيادة كلّ من الاتحاد السوفياتي والولايات المتحدة، وأثر ميزان القوى الجديد على مسار هذه السياسة، محاولاً في كلّ مرّة تسليط الضوء على “لعبة الشدّ والجذب” بين الطموح في إرادة حرّة من كل القيود القائمة من جهة، وهذه القيود الحتمية الناتجة أساساً عن مخرجات بنية النظام الدولي ثنائي القطبية لما بعد الحرب العالمية الثانية من جهة أخرى.

ويتضمن المحور عنصرين:

قيود الحرب الباردة والخيارات التركية المحدودة (1945-1980). تورغوت أوزيل، حلم الإرادة الحرة وبداية المشروع التركي. نهاية الحرب الباردة، السياسة الخارجية التركية في بيئة دولية جديدة:

يُعالج هذا المحور أثر التحوّلات الكبرى التي شهدها النظام الدولي في بنيته وفواعله وقضاياه على المسار الذي أخذته السياسة الخارجية التركية، محاولاً قياس حدود الحرية والفرص والقيود الناتجة عن البنية الجديدة على نمط هذه السياسة وفعاليتها؛ أي حدود الفعل والحركة للسياسة الخارجية التركية في بيئةٍ دولية جديدة.

ويتضمن ثلاثة عناصر:

جبهاتٌ جديدة.. صعود القوة الإقليمية لتركيا في بيئة أمنية جديدة. العلاقات مع المنتصر.. الفرص والقيود. تحوّل السياسة الخارجية التركية تجاه “الشرق الأوسط”.. الاختبار الأول لمشروع الإرادة الحرة. السياسة الخارجية التركية مع مطلع القرن الحادي والعشرين:

يتناول هذا المحور طبيعة التغيّرات الملحوظة على السياسة الخارجية التركية، والتي صارت أكثر نشاطاً وحيوية منذ صعود حزب إلى السلطة سنة 2002، واستمراره في الحكم قرابة 15 سنةٍ كاملة، ولا يزال، عرفت فيها تركيا تحدّياتٍ جدّية فرضتها كلّ من البيئتين الإقليمية والدولية، واختبرت بحقّ حدود قدرة صانع القرار على متابعة سياسة خارجية حرّة ومستقلة رغم حتميات هذه البيئة.

يتطرق هذا المحور بدايةً إلى توصيف البيئة الإقليمية وكذا الدولية التي وجد الحزب الحاكم الجديد نفسه في مواجهتها، والتعامل معها حينما وصل إلى السلطة، وتبيين مدى ملائمة أو عدم ملائمة هذه البيئة لمشروع القادة الجدد، وطبيعة هذا المشروع، وفُرصه، وحدوده والتحدّيات التي واجهته في محيطه الإقليمي خصوصاً، واختبرت بحق مدى فاعلية هذا المشروع وواقعيته في بناء دولةٍ قوية وفاعلة على المستويين الإقليمي والدولي.

يتضمّن هذا المحور أربعة عناصر:

حزب العدالة والتنمية: براغماتية ما بعد الإسلاميين في بيئة إقليمية ودولية متغيّرة. هندسة العمق الاستراتيجي: المشروع الإقليمي لتركيا الجديدة.

3.”الربيع ”.. السياسة الخارجية التركية “الحرّة” بين القيم والمصالح.

الأزمة السورية، حدود القوة والفعل في السياسة الخارجية التركية.. الاختبار الثاني.

 

انتقال القوة نحو الشرق، الصعود الأوراسي الجديد ومستقبل السياسة الخارجية التركية.. الاختبار الأخير.

يُناقش المحور الأخير حدود إمكانية حدوث تحوّل جديد في التوّجهات الكبرى للسياسة الخارجية التركية باتجاه الشرق الأوراسي، مع التراجع النسبي في القوة الذي يشهده الغرب، في مقابل الصعود الأوراسي الجديد مع قوى كبرى كروسيا والصين على وجهٍ أخصّ.

لذا يلجأ هذا المحور إلى قياس درجة الارتباط التركي بالغرب في مقابل حدود العلاقات التركية مع الشرق الأوراسي وآفاقها، ليستنتج في النهاية مدى واقعية الآراء والطروحات القائلة، أو الداعية، بإمكانية حدوث تحوّل استراتيجي تركي في هذه المرحلة من عدمه، وهل بإمكان تركيا أن تفكّ ارتباطها الاستراتيجي بالغرب، خاصة بعد محاولة انقلاب تموز/يوليو الفاشل الذي  ثبت توّرط فيه، كما تأسفت قوى غربية على فشله، وكذا تصاعد التوتر في الآونة الأخيرة بين تركيا وقوى أوروبية على إثر نجاح الرئيس التركي رجب طيّب أردوغان في تعديل الدستور، وتقوية صلاحيات مؤسسة الرئاسة، وما تبع ذلك من انتقادات دول غربية وصفته بالدكتاتور وما شابه؟

كانت الزيارات الرسمية الأولى للرئيس التركي أردوغان بعد نجاح الاستفتاء الدستوري باتجاه قوى آسيوية صاعدة على غرار الصين والهند، وقّعت فيها تركيا العديد من اتفاقيات التعاون معها، في الوقت الذي تتوتّر فيه العلاقات مع القوى الغربية، كما ذكرنا، بشكل يجعلنا نتساءل عن مدى احتمالية أن تكون هذه القوى الصاعدة الشريك الاستراتيجي الجديد لمشروع الإرادة الحرّة والمستقلة التركية، أم أنّها ستُمثّل التهديد المباشر لهذا المشروع كما كانت في الماضي ()، فتُقوّضه أو تُهيمن عليه كما يفعل الغرب تماماً.

يتضمن هذا المحور ثلاثة عناصر:

تحوّلات بنيوية: انتقال القوة نحو الشرق والصعود الأوراسي الجديد. الارتباط الحرج: واقعية الاعتماد الاستراتيجي التركي على الغرب. مسارات متوقعة: حدود العلاقات التركية مع الشرق.. شنغهاي بديلاً عن الناتو؟

طيلة صفحات هذا الكتاب، يؤكد الأستاذ خَشِّيبْ الأهمية القصوى للأثر المستمر الذي  تُمارسه بنية النظام الدولي على التوجّه الكبير الذي سلكته وتسلكه السياسة الخارجية التركية، والطبيعة التي تأخذها هذه السياسية أيضاً، فالنظام الدولي بقواه الكبرى المتنافسة يُعدُّ بمثابة الحتمية الأساسية التي تقوّض استقلالية الفعل والقوة التركية على المستويين الإقليمي والدولي.

ويُحاجج بأنّ تركيا الراهنة لن تتحرّر من هذه الحتمية إلا إذا ما صارت إحدى هذه القوى الكبرى الأساسية الفاعلة في النظام الدولي، وهذا ما تسعى إليه بالفعل منذ قدوم حزب العدالة والتنمية للحكم، ومباشرته لمشروعه في استغلال مقومات البلد وإمكاناته، والانفتاح على العالم وقواه؛ لتقليص حدّة الاعتماد على الغرب، والتخلص من تبعيته وتقويضه للإرادة الحرة المستقلة للبلد في السياسة الخارجية.

هكذا يختصر صاحب الكتاب قصة السياسة الخارجية التركية منذ نشأة الدولة إلى الآن بأنّها قصّة: الصراعُ من أجل الإرادة الحرّة والمستقلة للبلاد.

 

[1] كاتب وباحث جزائري يُتابع دراساته العليا بمعهد دراسات الشرق الأوسط والعالم الإسلامي، جامعة مرمرة بإسطنبول-بتركيا، وبقسم الدراسات الآسيوية كلية العلاقات الدولية بجامعة الجزائر03 يعمل حالياً كباحث بمركز إدراك للدراسات والاستشارت بمدينة إسطنبول-تركيا. له العديد من المقالات والدراسات الأكاديمية المنشورة، منها كتابه الصادر عن المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسيات سنة 2015 بالدوحة-قطر والذي حمل عنوان: “آفاق الانتقال الديمقراطي في روسيا: دراسة في البنى والتحدّيات”.

Share this: