يارا كريم

على الرغم من أن الإنسانية وقيمها هي المنبع الحقيقي للفن، إلا أن أغلب الفنانين فشلوا في التحرر من سطوة ثقافة الاستبداد التي تشربوها؛ بسبب نشأتهم في ظل أنظمة تعتمد الهمجيةَ والعنف والسحق أدواتٍ لها، في إدارة شؤون البلاد والعباد، ويبدو أن هذه الثقافة كانت عابرة لحدود الجغرافيا، تسقط فيها الأقنعة التي تدعي التحضر، عند أول اختبار أخلاقي.

في اليومين الماضيين، شهدت مواقع التواصل الاجتماعية تصريحات لفنانين لبنانيين، انبروا فيها للدفاع عن اللبناني، إثر موجة الغضب التي اجتاحت ، بعد حملات المداهمة والاعتقال المهينة، للكرامة الإنسانية، التي نفذها عناصر من بحق في مخيمات عرسال، وقد ملأت صور التنكيل بهم وسائل التواصل الاجتماعية، لتنتهي بموت العديد منهم، تحت .

وبدل الوقوف إلى صف الضحايا من الأبرياء أو المطالبة بفتح حول المصير المأسوي الذي لقوه على يد عناصر من الجيش اللبناني، اختارت ماجدة الرومي ونجوى كرم ونانسي عجرم وغيرهم، التغطيةَ على الجريمة بمزايدات وشعارات أخلاقية فارغة، في حين انحدر بعضهم إلى خطاب عنصري بائس، مثل مايا دياب ونادين الراسي التي توعدت السوريين بمخيمات النزوح في ، ودعتهم إلى العودة إلى بلادهم، بخطاب تحريضي لا يخلو من جهل أو تدليس للحقائق، عندما أشارت فيه إلى مشاركة لبنانين في الحرب داخل سورية، لحماية السوريين من ().

لم تكن الإساءة إلى الجيش اللبناني أو إلى اللبنانيين أو إلى لبنان غاية سعى إليها سوريون غاضبون من دون سبب، وإنما لأن أحداث عرسال أيقظت في أرواحهم جراحًا لمّا تندمل بعد، إذ أعاد الجيش اللبناني تنفيذ سيناريو ما ارتكبه جيش طوال سنوات بحقهم، وأكمل أولئك الفنانون المشهد بالسير على خطى من سبقهم من فنانين سوريين، اختاروا الانحياز إلى القاتل لا إلى الضحايا، متذرعين بأوهام عن جيوش لم تحرّر يومًا شبرًا من أرض محتلة، ولم يعرف سجلها نصرًا على عدو إلا مواطنيها أو لاجئين فيها.

لم يُدرك أولئك الفنانون أن الإشارة إلى الظلم واستنكار الانتهاكات الإنسانية، لا تتناقض مع الانتماء الوطني، بل تصبّ فيه، وأنها تصير واجبًا أخلاقيًا يحتمه أن الضحايا لاجئون تجري في عروقهم وعروق قتلتهم دماء واحدة! ففشلوا، في ما صرّحوا به، بالرقي إلى مستوى الخطاب الفني، إذ أفرغوه من محتواه المعرفي والثقافي الإنساني، وحولوه وسيلة للدفاع عن القتلة وتزوير الحقائق.