تحقيق-د.عزة عبد القادر

بنظرة تحمل كل معاني الأمل والشجاعة يودع أطفاله الصغار صباح كل يوم ، معتقدا أنه قد لا يراهم ثانية ، فيقبل جبين كل منهم بقبلة الوداع الأخير ، إلى نهاية اليوم تاركا القدر وحده ليجيب السؤال ، هل سيعود ليراه أبناؤه ثانية ، أم أن سيدفع حياته ثمنا لمهمته الإنسانية أثناء محاولة إنقاذ حياة الآخرين في مواجهة الوحش الأكثر ضراوة وقسوة على سطح الأرض؟!!
يدق قلبه بعنف كلما دق جرس الاستدعاء لمهمة إنسانية جديدة ويشعر بصراع داخلي بين خوفه على حياته ورغبته في إنقاذ المنكوبين والضعفاء ، وسرعان ما ينتهي ذلك الصراع عندما يرى آثار الحادث والنيران المتصاعدة ويسمع صرخات الأطفال والنساء فيندفع بشهامة وجسارة وبكل قوته لأداء واجبه دون أن يبالي العواقب ، أو يخشى المجهول!!
انه رجل الحماية المدنية (رجل المطافئ)الذي نحاول أن نرصد بعض نبذات من كواليس حياته المهنية وأحلامه ومطالبه وأغرب القصص التي يتعرض لها في السطور القادمة :
يعمل رجل المطافئ على إنقاذ الأفراد الذين يتعرضون لمختلف أنواع الكوارث والحوادث والحرائق ، ويؤدي خدمات أخرى خلال حالات الطوارئ مستخدما معدات وأجهزة متخصصة ، إذا استدعت الضرورة لذلك مثل إجلاء السكان عن مناطق الفيضان أو العواصف وإنقاذ الأفراد والحيوانات من المناطق النائية والوعرة التي يصعب الوصول إليها .
اللواء ممدوح عبد القادر ، رئيس الحماية المدنية بقطاع غرب القاهرة يصف مهمة رجل الإنقاذ بأنها مهمة ليست باليسيرة فهو رجل يعرض نفسه للتهلكة من أجل أن نعيش ، فعمل رجل المطافئ ليس مجرد وظيفة يؤديها بل يجب أن يعرف من يريد الالتحاق بهذا العمل أنه بصدد تأدية رسالة عظيمة .
وقد اظهر عبد القادر تعاطفا كبيرا مع رجل المطافئ ، وتحدث عن وجوب توافر رعاية صحية حقيقية له ، وهذا ما يحاولوا العمل عليه دائما لدعمه.
من جهته قدم عبد القادر إلى المصريين بعض الإرشادات والنصائح الهامة في حالة الطوارئ والحوادث الخطرة ، حيث ينصح عند التعرض لأي حريق أن يوضع في الاعتبار أمر هام جدا في البداية و ضرورة إخطار هيئة الحماية المدنية بأقصى سرعة ، مع ضرورة التأكيد على أن حياة البشر أهم من أي تلفيات قد تحدث نتيجة للحريق ، موضحا أنه في حالة حدوث تسرب للغاز في المنزل فالجميع يعتقد أنه يجب غلق محابس الغاز كأول رد فعل ، لكن هذا ليس صحيحا فالمفروض أن نتوجه أولاً لتهوية المكان بفتح النوافذ حتى إذا زاد تسرب الغاز والدخان لا نختنق ، وتأتي بعدها الخطوة الثانية وهي إغلاق محابس الغاز ، وأوضح عبد القادر خطورة الدخان الكثيف مشيرا إلى أنه يسبب الاختناق والموت بعد 5 ثواني فقط، لذلك ينصح في حالة الحريق الكبير الذي يعد الدخان الكثيف أحد علاماته أن ننام على الأرض على الجانب الأيمن ونغطي الفم والأنف بشاشة مبللة حتى نتفادى الاختناق ، قال (نعم فالدقيقة التي تمنع الدخان خلالها يمكن أن تصل فيها سيارة المطافئ فلا نستهين بالوقت القصير فهو يمكن أن ينقذ حياة إنسان وقد حدث ذلك كثيرا ) .
وقد روى لنا رئيس هيئة الحماية المدنية قصة أغرب البلاغات ، ومنها قصة شاب وفتاة من المعاقين ذهنيا ومصابين بالصمم ، قائلا ” حدث حريق كبير بشقتهم الكائنة في مصر الجديدة ولم يشعرا به وشعر به الجيران وبمجرد رؤيتهم لتصاعد الأبخرة قاموا بإخطارنا وعندما وصلنا المكان وجدنا دخانا كثيفا جدا مما يوحي باتساع الحريق وضخامته ، تشكلت على الفور مجموعة اقتحام من رجال الحماية المدنية وخاطروا بأنفسهم لإنقاذ الشاب والفتاة، رغم أنهم كانوا معرضين لخطر داهم وتمكنوا بفضل الله من إنقاذهما وأصيبا فقط بإصابات طفيفة وكان هذا من أكبر الحرائق وأخطرها والمعجزة تمثلت في نجاة الشاب والفتاة من هذا الحريق المروع ، وأضاف أن من البلاغات الغريبة جداً طلب النجدة لإحدى السيدات البدينات التي يبلغ وزنها 300كيلو وهذا كان شيء غريب جدا ، مشيرا أن السيدة كانت تعاني من مشاكل صحية في القلب وتحتاج المساعدة ولا تستطيع الانتقال للمستشفى بسبب وزنها ، موضحا إنهم استعانوا بونش كبير لأن عربة الإسعاف لا تتسع لها بسبب ثقل وزنها وبصعوبة شديدة استطاعوا نقلها للمستشفى سالمة ولكنها بعد أن وصلت المستشفى توفيت ولاقت ربها مما أصاب رجال الحماية المدنية بحزن شديد رغم أدائهم لواجبهم على أكمل وجه .
وأشار عبد القادر إلى حادث آخر مروع يتمثل في انهيار كوبري الشيخ يوسف بالمرج منذ حوالي ثلاثة سنوات تقريبا وذلك بالتزامن مع وجود الحريق الذي أدى من البداية لانهيار الكوبري فكان المطلوب إخماد الحريق وإنقاذ المصاب واستخراج جثمان شهيد تحت الأنقاض فالمهمة كانت بالغة الخطورة .
على جانب آخر قال ياسر فرحات (أمين شرطة من رجال المطافئ بالحماية المدنية بالعتبة) أعرف ان مهمتنا في الإغاثة صعبة جدا وأعرف أنني أحمل كفني على يدي ولكني أثق بالله سبحانه وتعالى فهو الحامي الحافظ الكريم ولا انتظر تأمين من الدولة فنحن نرتدي الخوذة وجهاز التنفس أوجاكيت التنفس عندما نقتحم الحريق ونتوكل على الله ونعرف ان هذه الأجهزة والملابس مجرد وسائل تساعد لكنها لا تحمي الأرواح فساعة القدر لن تفيدنا الأجهزة ، موضحا بأنهم يدركون ان التوكل على الله واليقين بقدرته هو الذي يحمي ويحفظ حياتهم ، وقص فرحات قصة أغرب حريق شاهده قائلاً:(أن هناك ما يحدث في الحياة يجعلنا لا نؤمن فقط بالله بل نعرف انه لا يحدث شيء ولا تسقط ورقة ولا يحترق جدار إلا بإذنه ، فقد حدث حريق كبير جدا بأحد الورش التجارية بعين السيرة وذهبنا هناك واستعد كل منا لاقتحام الورشة وقبل أن ندخل مباشرة رأينا السقف بأكمله يهبط على الأرض قبل دخولنا بثانية واحدة فارتجفنا بحق وحمدنا الله عز وجل الذي أنقذنا وأكمل فرحات حديثه عن مهنته بفخر كبير وقال ” إنني كرجل مطافئ سعيد بعملي في الإغاثة حيث إنني ابتغي بداية الخير والثواب وانتظر المكافأة من المولى عز وجل ورغم المضايقات التي نتعرض لها من الناس وإعاقتهم لنا مثل ان نرمى بأفظع الشتائم والسباب فإننا نصبر ابتغاء وجه الله ولم ننظر يوما إلى المال ولكننا بالتأكيد نتمنى أن تزيد مرتباتنا بلا شك وان ينظر الناس لنا بتقدير واحترام ونريد من الدولة أن توفر لنا الوسائل الحديثة في مواجهة الحرائق والحوادث ونرجو ان تلتفت الحكومة لمشكلة المرور فإن الزحام المروري أكبر عائق يقابل رجال المطافئ .
أما أسامة عبد الفتاح (عريف الشرطة ) وهو من رجال المطافئ المعروفين بالعتبة فقد لفت النظر إلى نقطة غاية في الأهمية أن هناك تقدير كبير لرجال المطافئ في الغرب حيث ترعاهم الدولة وتقدم لهم كل ما يحتاجونه من مواد حديثة وأجهزة متطورة رغم أن رجل المطافئ المصري معروف بأنه أكثر شجاعة من الغربي حيث إننا نقتحم الحرائق من الداخل عكس الغربيين الذين يقومون بالإطفاء من الخارج باستخدام الوسائل الحديثة ورغم كل ذلك لا نجد التقدير .
في النهاية قال عبد الفتاح ردا على سؤال بخصوص عدم اعتراضهم على عدم تقدير الدولة ولماذا لا يعتصمون فقال: لن نعتصم مهما حدث لأننا في مهنة تشبه مهنة الطب بل أكثر خطورة لأن اعتصامنا يعد كارثة ، فإن وقت رجل المطافئ غالي جدا والاعتصام هذا يضيع الوقت فيمكن ان يفقد شخص حياته في تلك الأثناء ولا يجد من ينقذه ونحن لا نرضى هذا .

اسم الكاتب
دكتورة عزة عبد القادر